عبد الله الشيخ كانت مشكلة دارفور، ولم تزل، تقبل الحل الداخلي الذي ينزع حالة تدويلها..لا ريب، أن الرئيس البشير، وبعد تجربة 26 عاماً في حكم السودان، هو أكبر العارفين بسماحة أهل دارفور، لكنه، في ما نرى، قد إختار صحبته "الآسرِة"،، وهي صُحبة تمرّست عبر التاريخ، على إعاقة كافة الحلول السهلة والمُمكنة..!

للرئيس خياراته التي يريدها، ومن يريد الذكرى، فعليه أن يتذكر ، أن بين صُحبة الرئيس، من قال ذات يوم ، أنه قادر على حل مشكلة دارفور في ساعة مِن زمن..! ولكن كل شيئ بقي على حاله ، بالرغم مِن العودة إلى المراتع، عبر بوابة الحوار، وبالرغم مِن المطابية البادية في سيماهم ،  والله هو العليم بما يمور داخل الصدور.. ونحن لا نريد الخوض في قضايا “غيبية” كهذه ، إذا كان الوارد في الأمثال السودانية قولهم ، أنّ “جحا أولى بلحم ثوره”.. أمّا هذه الفضفضة، التي نجترحها هنا ،دون سابق إنذار، فمناسبتها عودة الرئيس البشير الى الخرطوم “حراً طليقاً” كما قالت قناة العربية.. .. فمهما إرتفعت حِدة الخلاف مع نظام الأخوان، فإن مثول العُمامة السودانية في لاهاي، لا يُشرِّف السودانيين ،بأي حال من الأحوال، لأن ذلك المثول، يتعارض مع ثقافة الجودية والعفو وكريم الخصال، التي يتمتع بها أهل السودان.. والمراقب للشأن السوداني يمكنه ملاحظة كيف أن الحلول السهلة لقضايانا، تضيق رحابتها بتكتيكات بعض الدقون التي أدمنت الفشل ،فأصبحت بذلك، محض عوائق في الطريق التماسك القومي،، فهي قيادات ترتبط عضوياً بالمكائد واختراع التوتر، و فوق ذلك،فهي تعرف كيف تتعايش مع تبدل مناخات القصر..! فإن خرجت من السلطة بحجة المفاصلة، أو أُحرجت برغبة الرئاسة في تجديد الدماء ، فإن تلك القيادات قادرة، على التواجد في مقدمة المستقبلين تحت المظلة..! وربما هم ، وإلى ما بعد هذا ” الشخيت الأحمر”، يخططون ويقدمون الإستشارة..! ولولا أن لهذه الدِّقنية جيوباً في الداخل ، لما حدثت دراما سفر وعودة الرئيس من جوهانسبرج.

 ولدراما جوهانسبرح وجوه أخرى،غير هذا الوجه الرسمي الذي تناقلته الوكالات، إذ أن عودة البشير الى الخرطوم بعد قيادته لوفد السودان في قمة الاتحاد الافريقي بجنوب أفريقيا، أثبتت أن المعارضة السودانية “قاعدة كنب”،رغم  إدعاءاتها العريضة بالتمدد على الساحة الدولية والافريقية.. ولعل ما تقوله بعض أقلام “التوالي”، من أن معارضة السودان، هي مجرد “كيبورد إسفيري”، هو قول صحيح..فلو كانت هناك معارضة حية واثقة من نفسها كبديل للنظام، لاستثمرت الحدث.

الأمر الثاني، أن عودة الرئيس البشير  الى الخرطوم ، فضحت فعالية منظمات المجتمع المدني الناشطة بكثافة في جنوب افريقيا ، وفي العديد من الدول الافريقية وفي كل دول الغرب…لقد أثبتت عودة البشير، أن هذه المنظمات، هي الأخرى نمر من ورق..أما البعد الثالث في العودة ، فهو أن المجتمع الدولي،الذي يطنب في الثناء على وثيقة “الماقناكرتا”، هو مجتمع “مفتول”، فضلاً عن أنه ــ أي المجتمع الدولي ــ ليس كتلة واحدة ذات ارادة سياسية تسعى الى تحقيق العدالة  والرخاء للمستضعفين…أكثر من ذلك ، فإن ذلك المجتمع الدولي، له حبال وصل مع الحكومات التي يعلن عداءه السافر لها…هذه الحقائق تبدو واضحة بعد عودة البشير الى السودان، وهي حقائق تمثِّل “زنقة” في الركن ، من الصعب على محكمة لاهاي تجاوزها في المدى القريب..لكنّ الزنقة الكاملة ليست هي زنقة قضاة لاهاي، ولا زنقة حكومة السودان.. الزنقة المُعتبرة، هي حظ من ينتظرون الفرج من وراء البحار.. أولئك الذين يعتقدون، أن ماما أمريكا يمكن أن تتبرع بحسم الصراع الداخلي في السودان ، لصالح الديمقراطية المستدامة..!