خالد فضل   ما زلت أذكر التعليق الساخر لأحد زملائنا من أبناء دارفور على أيام دراستنا في جامعة جوبا , قال نحن الدارفوريين في نظر أخواننا الجنوبيين مندكورات (وهي لفظة كان يطلقها الجنوبيون على رصفائهم الشماليين أيام كان السودان دولة واحدة),

أمّا لدى الشماليين فنحن مجرد( غرّابة ) وهي لفظة محمّلة ببعض ملامح الاستعلاء . قال ذلك الصديق تلك العبارة على سبيل الطرفة والسخرية , وعلى شاكلة القول إنّ السودانيين كان بإمكانهم أنْ يكونوا من أفضل الأفارقة فاختاروا أن يكونوا من أسوأ العرب , وفي الجزء الأخير من العبارة تحضرني مقولة منسوبة لوزير الخارجية الكويتي أو وزير الدفاع على أيام اجتياح صدام حسين لبلادهم وضمها الى العراق باسم محافظة كاظمة في أوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي , حينها نسب لأحدهم تصريح حدد فيه العرب الخُلّص الذين وقفوا الى جانب بلاده ومن ثمّ عرج الى الداعمين لصدام في عدوانه ذاك واصفا لهم بضيوف العروبة وأدعيائها , وبالطبع كان موقف حكومة البشير/الترابي يومذاك تميل لصالح صدام وتنطلق المسيرات في قلب الخرطوم بهتافها الداوي (أضرب أضرب يا صدام بالكيماوي يا صدام ) في تلك الأوقات كما هو الآن كانت المظاهرات محرّمة على الشعب السوداني إنْ كانت شعاراتها (خبز وحرية). تذكرت هذا وبين يدينا هذه الأيام تصريح منسوب للسيد مني أركو مناوي قائد أحد فصائل حركة جيش تحرير السودان , نائب رئيس الجبهة الثورية السودانية المعارضة , ومساعد الرئيس عمر البشير السابق , وفي تصريحه ذاك أشار الى أنّ حق تقرير المصير لإقليم دارفور سيكون أحد أجندة اجتماعات قيادة الجبهة الثورية القادمة . وقوبل التصريح بالاستهتار المعهود في القضايا الوطنية من جانب السلطة بالطبع , وتصدى أمين حسن عمر مسؤول شؤون دارفور في سلطة الاسلاميين لتفنيد تلك الدعوة الصريحة , دون أن يقدم اجابات شافية وموضوعية حول الموضوع . ومن ثمّ اطّلعت على بعض الكتابات في المواقع الالكترونية حول الأمر , ومنها مقال لأستاذنا محجوب محمد صالح يدعو فيه الى أخذ المسألة بالجدية اللازمة لأنّ النار من مستصغر الشرر , وكذلك مقال للأستاذ عادل ابراهيم حمد مفاده تحميل المعارضة والقوى السياسية المسلحة في دارفور مغبة تلك الجريرة الوطنية على حد وصفه وبينهما قرأت مقال للأستاذ آدم محمد آدم من سان فرانسيسكو منشور على موقع الزميلة سودانايل بتاريخ 30مايو2015م وفيه يتحدث عن امكانية قيام دولة دارفور في العام 2017م , إذا المسألة كما قال استاذنا محجوب يجب أن تؤخذ بجدية , ومثلما تم طرح الحكم الذاتي لأقليمي جبال النوبة والنيل الأزرق في وقت سابق من العام الماضي , وتم السكوت عن الأمر حتى الآن , فإنّ تجاهل المرض لا يشفي المريض كما هو معلوم , لابد من التعاطي مع العلاج عوضا عن تخفيف الألم بالمسكنات , وهنا لابد من طرح مسألة إعادة بناء الدولة السودانية وفق هندسة سياسية جديدة فيما يعرف ببناء السودان الجديد , وسيتصدى لمثل هذه العوة من يقول لك مباشرة : وماذا كانت نتيجة تلك الدعوة في جنوب السودان ؟نعم لم يتم بناء الجنوب الجديد بعد ولذلك تواجه الدولة الوليدة شبح الانهيار لأنها تنكبت طريق البناء الصحيح , مشت على درب بناء السودان القديم فعانت ما تعاني وهذا يعطي مصداقية اكثر لمشروع البناء الوطني الجديد في كلا البلدين .

ثمّ عودا على بدء فقد أشار كلا من الدكتورين محمد سليمان والباقر العفيف  الى جانب مهم في المسألة الدارفورية هو جانب الهوية , في كتابيهما السودان حروب الموارد والهوية, ودارفور وجوه خلف الحرب على التوالي , وهنا نستعيد طرفة صديقنا الدارفوري التي صدّرت بها مقالي , وأطرح السؤال بصورة مباشرة , ما هي صورة الدارفوري في مخيلة الشمالي النيلي؟ ما هي صورة الزرقة (مع الاعتذار عن المصطلح ) لكنه مصطلح سائد وسط المجموعات العربية في دارفور لوصف مواطنيهم من ذوي الاصول الافريقية ؟ هل هي نظرات ندية وتقدير أم نظرات ازدراء واستعلاء ؟ الاجابة الصريحة تقول كما في أدبيات أهلنا في الجزيرة مثلا ( البجي من الغرب ما بسر القلب) . الغرب عندهم يبدأ من غرب النيل الابيض مباشرة فما بالك بكبكابية والجنينة وكتم؟ ولا تحدثني عن اخوة الاسلام , فهذه ايضا من اللوازم الكلامية ليس الاّ , فلم تكن تلك الاخوة عاصما لدماء الصحابة الأجلاء أنفسهم يوم سالت في صفين وموقعة الجمل وكربلاء وغارات الحجاج وقصف الكعبة , كما لم تعصم دماء الحوثيين  من طيران السعوديين وطيارات عمر البشير كمان ! والأخيرة هذه لم توفر قطية أو كركور لجأ اليه مسلمون في جبال النوبة , ومثلما لم تعصم اخوة الاسلام دماء وارواح المسلمين من بعضهم البعض , لم تعصمها أصرة العرق والدم , فعائشة ومعاوية وعلي بن ابي طالب جميعهم من افخاذ قريش مثلما الرزيقات والمعاليا من فخذ انتماء عربي في دارفور . إذا القضية أكثر تعقيدا من صراع هوية فقط وإن كان ذلك من مكونات الصراع وعناصره وهنا ننظر الى مطلب تقرير المصير لدارفور من زاوية حرجة جدا بطرح السؤال مرة أخرى و هل دارفور تمتلك حدّا ادنى من التجانس بحيث يؤمن استقرارها إذا نالت استقلالها ؟أما تزال موازين القوى كما كانت حتى العام 1917م ؟  فدارفور اليوم يهيمن عليها الخوف الاثني والعداء القبلي ويسيطر عليها السلاح المنتشر في الأيدي والمعروض في الطرقات مثل لعب الاطفال , وقد نجحت سياسات وتدابير الاسلاميين الحاكمين لاكثر من ربع القرن في تفتيت عوامل التجانس وممسكات الوحدة في ذلك المجتمع فما الذي يقدمه السيد مني مناوي من اطروحات جاذبة لضمان وحدة دارفورية تبدو شبه مستحيلة تحت ظل برنامج فرق تسد الحاكم , ورغم وجاهة الحجج التي ساقها مما لا يمكن لأي كائن من كان انكارها الاّ لغرض أو أجندة خاصة كما أشار استاذنا كمال الجزولي في مقال له أخير( التغيير الالكترونية 9/6/2015م), فهل يكمن العلاج في انفصال أقاليم السودان أم في اتفاق جماهير أقاليم السودان كافة على وضع حد لمهزلة سخيفة مستمرة منذ 26سنة اسمها سلطة الاسلاميين !