خلف الله عبود الجزء الأول: أكذوبة مجانية التعليم الأساسي وقعت في يدي صحيفة إخبارية سودانية  يومية، قبل سنوات قليلة،  لم أعد أذكرها، للأسف، تصفحتها على عجل، ولكني توقفت عند تحقيق صحفي أجرته إحدى المحررات مع مدير مدرسة من مدارس التعليم الأساسي في العاصمة، وقد تابعت الحوار الذي تناول الجبايات العديدة التي تتحصلها المدرسة من الطلاب،

وتساءلت الصحفية عن ماهية هذه الجبايات ومقاديرها، وتلقت إجابات مدير المدرسة والذي وصف حوجة المدرسة الماسة للمال في حده الضروري لتسيير العمل في إدارة المدرسة، حيث أن ماتتحصله المدرسة من المحليات لا يكاد يغطي  حتى مصروفات المياه وصيانة الكنباتوقد عدد المدير، عند سؤال الصحفية عدة متطلبات إستدعت المدرسة وأجبرتها على مد يدها للتلاميذ   لتحصيل رسوم، وذهب يعدد …  رسوم للنظافة، رسوم لإصلاح الأثاثات، رسوم لصيانة الفصول، رسوم للطباشير، رسوم  لأوراق الإمتحانات، رسوم للكهرباءوهنا توقفت الصحفية لتسجل ملاحظة لمدير المدرسة بأنها لا ترى أي توصيل كهربائي في المدرسة أصلاوأجابها المدير أن الرسوم التي ذكرها ويتحصلها من التلاميذ لاتكفي وهو لا يستطيع، أمام إحتجاج أولياء الأمور أن يزيد المبالغ، فلابد له أن (يخترع) مصدرا جديدا لجباية تغطي تسييره للمدرسة…. ولم أملك نفس من الضحك الأليم، إن صح هذا التعبيرولا أحتاج أن أذكر للقاريء أن كتب التلاميذ والتي كانت في الماضي قبل مجيء حكومة (الإنقاذ) ، توزع مجانا لهم، صارت توزع للمدارس بمعدل كتاب واحد لكل عشرين تلميذا، كما علمت من إحدى معلمات مرحلة الأساس في منطقة أم درمانأما طباعة الكتب المدرسية التي كانت تطبع بواسطة مكتب النشر بوزارة التربية  والتعليم، قديما، فقد سمحت هذه الحكومة بطباعتها لكل من هب ودب، لتباع  للتلاميذ باسعار السوق، وليت هذه الطباعة في المستوى المطلوب، فهي باهتة الحبر ، غير واضحة الصور، وبينها وبين الكتب التي كانت تطبع في مكتب النشر ،قديما، أمدا بعيدا، قد لا يخطر على بال التعساء من تلاميذ اليوم في المدارس الحكومة والذين لم يعيشوا ذلك الزمن الزاهر، وقد شارك كاتب هذه السطور في تصميم وإخراج ورسوم ومتابعة طباعة الكتب المدرسية والثقافية في مكتب النشر القديم، بالإضافة للعمل في الجانب الفني في مجلة الصبيان الموؤودة، أول مجلة أطفال في العالم العربي والإسلامي، حيث تأسست عام 1946، وتلك قصة أخرى دامية.

هذه المدرسة وكثير مثلها من المدارس الحكومية، بالرغم من مجهودات مديريها في محاولتهم للإحتفاظ بها في حالة معقولة فهي  تقف صابرة متصدعة حيطانها تكاد بالكاد تحتفظ بالأطفال بينها وتحت أسقف تميل للسقوط، وبعضها لا نوافذ له وبعضها يفتقد البرندات المظلله، وبعضها لا أسوار له وبعضها لا جدارن له، حيث يجلس التلاميذ في نصف ظل إلى جوار جدار منهار ينظرون إلى سبورة اسمنتية باهتة الكتابة ويجلسون على قطع من الصخر أو الطوب أو علب قديمة من علب اللبن الجافوهذه المدارس ليست في الأقاليم فقط وإنما في أطراف العاصمة نجد هذا النموذج المأساويوهناك مدارس في نفس هذه العاصمة العجيبة، تلاميذها  يجلسون في مقاعد مريحة وتحيط بهم جدران ثابتة مغطاة بستائر فاخرة  وأرضهم من السيراميك اللامع، ويشاهدون سبورات بيضاء بأقلامها الخاصة، تنساب إليهم برودة المكيفات ويخرجون إلى برندات وأفنية مرصوفة بفاخر الإنترلوك  تتخللها حدائق من الحشيش الأخضر والزهور مختلفة الألوان ساحرة المنظر ويشربون مياه الصحة ويأكلون من فاخر الطعام في بوفيهات صحية، تراقبها إدارات تلك المدارسولكن ما يدفعه تلميذ واحد من هؤلاء التلاميذ يساوي معيشة مئات من البيوت متوسطة العدد في الشهرولا يحلم بهذه المدارس تلاميذنا الغبش ابناء العمال وصغار الموظفين والحرفيين والباعة المتجولين متواضعي الحال.

شاهدت قبل فترة، والعام الدراسي في نهاياته، أحد مسؤولي التعليم من منطقة أمدرمان، يتحدث في إحدى القنوات عن نجاحهم في إجلاس التلاميذ وإجلاس المعلمين، ويعرف القاريء أن إجلاس التلاميذ قد ظل قضية سنوية متعسرة وإسطوانة مكررة تعزفها السلطة في السودان، وكأنها مطلب صعب المنالوهي التي جاءت إلى السلطة والمدارس ليست بالسوء الذي تبدو به الآنمجرد إجلاس التلاميذ أصبح، في هذا الزمن، أمرا عسيرافكيف يكون إذا أمر إصلاح فصول المدارس وبناء حوش لمدرسة من المدارس العديدة التي لايوجد لها حوش ولا برندات توفر الظل للتلاميذ الصغار، وماذا يكون من أمر التشجير والملاعب  والأنشطة الثقافية والرياضية، والتي تعتبر، حسب أبجديات المناهج، ضرورة تربوية لتنشئة متكاملة للطالب.

ذكر الأستاذ محمود محمد طه في جريدة جريدة الجمهورية  الناطقة بإسم الحزب الجمهوري في يوم 25/2/1954، وفي الإفتتاحية وبعنوانساووا السودانيين في الفقر إلى أن يتساووا في الغني، أوضح فيه أن التفاوت بين دخول الأفراد يمثل ظاهرة سيئة تجعل من بعض المواطنين وكأنهم يعيشون في عالم آخر ويفقدهم التعامل مع بقية المواطنين ويشير إلى أنهم لا يختلفون عن المستعمرين في سلوكهم هذا، ويقترح ألا تكون نسبة التفاوت في الدخول أكثر من عشرة أضعاف، حتى لا تكون هناك طبقاتثم جاء هذا التحذير لا حقا، في عهد الرئيس نميري،  في كتاب بعنوانساووا السودانيين في الفقر إلى أن يتساووا في الغنيصدر للجمهوريين في عام 1979، جاء فيه مايلي: (إن أولى الخطوات، التى تقتضى الثورية إتخاذها، إنما هى أن تزيل هذا التفاوت المريع، والمذل، بين الحد الأعلى، وبين الحد الأدنى، للمرتبات، سواء أكان ذلك فى القطاع العام، أم فى القطاع الخاص.. فهو تفاوت يبلغ نحو سبعين ضعفا بالنسبة للقطاع العام، أما فى القطاع الخاص فنسبته أعلى من ذلك بكثير...
أضف الى ذلك، نشوء طبقة من الرأسماليين الذين قفزت دخولهم الى حدود جعلت منهم طبقة تنقطع الصلة بينها، وبين عامة الناس، وتتسم تصرفات أفرادها فى الأموال بالإستهتار، وبالسفه، الذى يضر بأخلاقيات، وتقاليد، وقيم هذا الشعب، أبلغ الضرر، مما لا يمكن السكوت عليه، ولا التساهل معه، وإنما يجب أن يواجه بالمعالجة الثورية التى تضع له حدّا واضحا وحاسما..
إن التفاوت فى الدخول الذى يخلق وسط الشعب الطبقات التى تتسع الشقة بينها، ويتعالى بعضها حتى يستنكف من أن يزوّج أولاده وبناته للطبقات الأخرى هذا التفاوت يجب أن يبدأ فورا العمل لإزالته، ومحو آثاره.

إن اول ما تبدأ به السلطة هو نفسها، فتطامن من غلواء التفاوت فى الدخول بين الحد الأدنى، وبين الحد الأعلى، بدءا برأس الدولة، وكبار المسئولين، السياسيين، والتنفيذيين، ومرورا بكوادر، وأعضاء الأجهزة، والمؤسسات العليا مجلس الوزراء، والإتحاد الإشتراكى، ومجلس الشعب.. وليبدأ تحديد الفرق بين الحد الأدنى وبين الحد الأعلى للدخول بداية عملية، ولكن يجب أن يكون الهدف هو تقليل هذا الفرق بحيث لا يتعدى العشرة أضعاف، فبهذا وحده يشعر الشعب بأن السلطة هى خادمته، لا سيدته، وأنها تشاركه معاناته، وتقدّرها، وتتعاطف معه، ومن ثمّ، تتجه لمعرفة، ومعالجة مشاكله)

والآنماذا فعل حكام السودان منذ تلك النصيحة الغالية وإلى الآن؟

ثم ماهي نسبة التفاوت في دخول السودانيين اليوم في حكومة حزب المؤتمر الوطني، (الإسلامي) الذي جاء بإنقلابه قبل خمسة وعشرين عاما لينقذ السودان؟ ماذا فعل هؤلاء الحكام في تنفيذ وعودهم التي قطعوها على أنفسهم من إصلاح حياة السودانيين ويهمنا هنا إصلاح التعليم؟

الأرقام تقول أن نسبة الصرف على التعليم من الموازنة العامة لسنوات هذه الحكومة الأخيرة هي 2%… بينما هي في ماليزيا وكوريا هي 24%!!

  وإلى ماليزيا هاجرت رؤوس أموال وأقيمت فيها إستثمارات لو تمت كجزء من حاجات السودان في التنمية الضرورية، لتم إنقاذ الإقتصاد السوداني والذي كان هدفا معلنا من أهداف حكومة (الإنقاذ) في إنقلابها على السلطة، حيث هلل الناس وكبروا منتظرين الفرج من العهد الجديد، فإذا الفشل والإحباط هو الحصاد، وبعد ربع قرن من الزمان، لم يكف فيه قادة حكومة الإنقاذ من الحديث عن الإنتاج والإنفراج بينما تستمر أجهزتهم تحصد ماتبقي في جيوب السودانيين من مال قليل، فحولوهم إلى شعب فقير، ( جاء في صحيفة التيار بتاريخ 9/1/2015 أن نسبة الفقر بالسودان بلغت 64%!! … وجاء في صحيفة حكايات الصادرة يوم 24/2/2015 : ” البنك المركزي: 14000000 فقير بالسودان!!”)… أما أموال عليه القوم في ماليزيا فقد تحدث عنها أحد المسؤولين في عهد الرئيس الماليزي، (الإسلامي) المتميز والذي بنى إقتصادها العملاق في زمن وجيز نسبيا، حسب ماجاء في رسائل التواصل الإجتماعي: ( أموال المسؤولين السودانيين في ماليزيا قادرة على جعل الجنيه السوداني مطابقا لقيمة الدولار)… فإن صح هذا الخبر فإنها الكارثة!!

وأخيرابدلا عن عقد المؤتمرات التي لم نجد أثرا لها أو لنتائجها أو توصياتها على الأرض، على المسؤولين أن يقوموا بإجلاس التلاميذ ويتوخوا الصدق في حديثهم عن مجانية التعليم الأساسيفهناك تلاميذ في مرحلة الإساس قد تم طردهم من المدارس لحين تسديد رسوم للمدرسة، ومنهم إثنين من الأيتام جاءت والدتهم ألينا لتستجدي مايمكن أن تسدد به هذه الرسوم حتى يستطيع أبناءءها مواصلة الدراسةيتم هذا رغم تصريحات كثيرة من مسؤولين على رأسهم رئيس الجمهورية بألا يتم تحصيل أية رسوم من تلاميذ المدارس تحقيقا لمجانية التعليم الأساسيومع ذلك نجد عنوانا رئيسا في صحيفة اليوم التالي بتاريخ يوم 9/11/2014 يقول: (خبراء يطالبون بتطبيق مجانية تعليم الأطفال)!!!… ونحن نتساءل هنا: هل هذه المدارس التي تتم فيها هذه الجبايات بصورة مستمرة،لا تتبع للدولة؟

والآن وفي يوم الإثنين الثامن من يونيو 2015، تنشر صحيفة الصحية عنوانا غريبا على ما ألفه السودانيين، وهو: ” سابقة خطيرة… مدرسة حكومية بلا مقر والطلاب يتكفلون بالإيجار”… وربما كانت هذه المدرسة قد تحطمت في الخريف السابق ولم تحظ بإعادة بنائها… على أي حال هو خبر يدل على يأس مرير من الطلاب وأولياء أمورهم، من إنقاذ لحالتهم… ياس من الحكومة ويأس من أهل الخير الذين ” إنكسر ضهرهم” من تولي ” العون الذاتي” الذي بدأ في أيام نميري وإستمر إلى الآن دون تغيير!!!… فقد فوض الطلاب وذويهم أمرهم إلى الله… والله خير الرازقين… ثم تداركت الوزارة الأمر وأسرعت بإعلان النية لبناء المدرسة المفقودة ، ولا ندري هل تتصرف الوزارة برد الفعل دائما؟ أم أنها لاتعلم، اصلا، أن هذه المدرسة قد فقدت مبناها؟

خلف الله عبود

مختص التربية الفنية والبيئية