صلاح شعيب  انشغل العالم، والناس في السودان، بمحنة البشير أولا، ثم ثانيا بهروبه عبر دعم من مستضيفيه الأفارقة. وقد هدأت الآن العاصفة بانتظار ما ستسفر عنه الحبكات الدرامية للنظام التي وضعت البلاد في مأزق حرج للغاية.

وجريا على العادة ما يزال أعوان البشير يكابرون، ويتعوذون، ويكبرون، ويقللون، من هذه الخطوة التي أساءت للسودان، ويصرون على الاستمرار في سياسة التحدي الدولي، وتجاهل حقائق الواقع الكئيب الذي يطبق على رئيسهم، وحال نظامهم، ويضيق حياة المواطنين الذين يعانون من غياب الاستقرار، والأمن، وعدم توفر حاجيات أساسية للغذاء، والصحة، والأمن، والتي تساعدهم على أن يبارحوا حياة الذلة في الداخل والخارج. غير أن المشكلة التي تواجه البلاد لا تكمن داخل مشهد المؤتمر الوطني فحسب، وإنما أيضا تكمن في داخل هذا العدد الكبير من النخب المستقلة، والتي انسحبت من المشهد السياسي إما بسبب الإحباط، أو إجادة التثشبث في الموقف الرمادي، أو انتظار الفرج عبر جهات أخرى، محلية أو دولية، لتزيل حرجها العظيم. بل إن بعضا من هذه النخب اتخذ مواقف احتياطية في حال تبعثر البلاد، وصار لا يطيق بذل كلمة حق لعون المواطنين الذين دفعوا من واقع المسغبة لتعلمه حتى حصل بعضهم على الكاريزما الإنسانية. 

إن ما يحدث في السودان الآن يؤكد مرارا بلا مجال للإنكار أن هناك فجوة أخلاقية لدى هذه النخب المستقلة، ولولا سياسة دفن الرؤوس في الرمال التي تتقنها لما تطاول ليل هذا النظام الذي يعد الأسوأ في العالم. فهناك حقيقة يجب ألا يغفلها المتأملون في القبض على البشير، وإحداث التغيير، وهي إن هذا النظام حكم البلاد استبداديا بعون هذه النخب التي تتنوع في تخصصاتها، ومشاربها، وجهويتها. فالقواعد التي دعمت مشروع الترابي والبشير معا كانت تضم رموزا انتهازية جهوية، وعمد، ونظار، وشراتي، وسلاطين، ومكوك، ورجال دين، وأصحاب خبرات علمية، وأكاديمية، وفنية، وإعلامية، ومتقاعدي خدمة مدنية، وعسكرية، ورأسمالية، وسياسية مستقلة، وهناك من دعمه بالصمت. وما يزال هذا النوع من السودانيين المؤثرين يسندون هذا النظام، وهو في أشد الحاجة للارتكاز على سياسة القمع، والجبروت، والقوة الحربية التي فتكت بالملايين من السودانيين في كل بقاع الوطن. ولقد سئمنا من اعتماد بعض المحللين على نظرية المركز والهامش كونها وسيلة وحيدة لتفسير ما يجري الآن في أرض البلاد، ذلك دون أن يعمقوا بحثهم حول البنية التحتية التي تسند الأنظمة الشمولية تاريخيا، ودون التعمق في قراءة حركة الواقع الاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، في سودان ما بعد الاستقلال. ولعل رواد هذه النظرية إذا نظروا إلى ما يجري في جنوب السودان اليوم لأدركوا أن التركيز السابق للحركة الشعبية الذي كان قائما على بعد الجغرافيا أصاب الحالمين بغشاوة دون مراءاة عمق الأزمة التي تواجه الحراك السياسي للنخب، وقواعدها، في تجلياتها كافة. 

فالمشكلة الأساسية أن هناك جذورا للأزمة لا تستطيع هذه النظرية وحدها اكتشافها. فهناك أسبابا عضوية كثيرة تكمن في الصراع التاريخي من أجل الوصول إلى السلطة في بلاد التخلف التنموي، والثقافي، والإنساني. فهناك مشكلة تتعلق بتوظيف الدين في الدولة منذ أمد بعيد، إذ بذلت الايديولوجيا المتاسلمة، والطائفية، والحكومات العسكرية، دورا كبيرا في استثمار النخبة من أبناء الهامش والمركز معا لجني ثمار السلطة لسودانيين دون آخرين. وبرغم ما حدث من استثمار سئ للدين ما يزال هناك من الثوار عسكريا، والمعارضين سلميا، يرون أن القضية ليس لها كبير علاقة بالبعد الديني. وإذا سألت هؤلاء الثوار عن مشروعهم المستقبلي في الحكم لمعالجة هذا الموضوع الخطير، والذي بسببه انسحب الجنوب، وتشظت فاعلية الاستقرار، والأمن، في الشمال أجابوك تكتيكيا، مضمرين في دواخلهم مشروعا إسلامويا يقولون إنه أرحم عما تم حققه الترابي. ولكن مخافة من الحرج الفكري، وفقدان التأييد السياسي، لا يجهر بعض أهل البديل لحكم الإنقاذ بهذه المشاريع. المؤكد أنهم من فرط جديتهم في تقديم الرؤى البديلة لم يتركوا شيئا يتحدثون عنه، ولكن أنى لهم أن يكونوا واضحين في القول بإن بلدا متنوعا مثل السودان يحتاج إلى دولة تفصل الدين عن السياسية، هذا إن عجزوا عن أن ينادوا بعلمانية الحكم. ولذلك سيظل صمت هذه القوى المعارضة عن إنجاز فكرة واضحة عن دور الدين عقبة كأداء إزاء الوثوق فيهم، وإزاء إنهاء مشاكل البلاد المستشرية. ولا يكفي الهروب عن هذه القضية والقول المتهافت بترك الموضوع للمؤتمر الدستوري الافتراضي. فمطلب الوضوح السياسي سيظل قائما ما برح أن توظيف الدين نتيجته بائنة أمامنا، وما فتئت البلاد بحاجة إلى شفافية فكرية، وصراحة سياسية، تحل محل الغش السياسي الذي أزهق الأرواح، وضيع فرص التنمية، وهدد الكيان الوطني. 

وما دام أن هذه الجهات السياسية، والعسكرية المعنية، قالت رأيها في معظم القضايا التي تواج السودان فلا أقل من أن تطرح هي رأيها المتفق، أو المختلف حوله، ثم تترك الأمر للمؤتمر الدستوري ليعتمدها، أو ليعتمد غيرها من صيغ توظيف الدين، أو عدم توظيفه في أجهزة الدولة. وبخلاف مشكلة دس كرت الدين الأحمر كما يعمل الحكام للوقت المناسب فإن هناك مشكلة الانتهازية السياسية التي تكمن في مدن، وأرياف، السودان بتفاوت ما. وهؤلاء الانتهازيون الذين يأتون من كل هوامش البلاد، بلا تمييز، هم الاسوأ، وقد ضمتهم الحركة الإسلامية، والأحزاب الطائفية، والحركات المسلحة، وكانوا يركزون فقط على الوصول إلى مناطق النفوذ والثروة، والسلطة، وانتحال صفة تمثيل الأهل في الشمال، والشرق، والغرب، والجنوب سابقا، والوسط. 

إن ما حدث ضمن ملابسات الإرزاء برئيس البلاد المستبد في جنوب أفريقيا هو أعراض لأمراض البلاد الكثيرة، أو كما يقولون إن هذا الإرزاء هو “مناظر” لما يمكن أن ينجم عنه استمرار استبداده مع نخبته التي يستقوى بها. فحتى الآن ما تزال الفرصة سانحة أمام كل نخب البلاد أن يخرج من قمقمه ليقول رأيه، ويطرح بدائله، قبل أن يقع الفأس على الرأس. فسياسة دفن الرؤوس في الرمال، وترك أمر مقاومة النظام لقيادات الأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، ونشطاء الانترنت وحدهم، لا يكفي. فهناك سوانح كثيرة لتسجيل الموقف من أصحاب الفكر، والأكاديميا، وأصحاب التخصصات، والعقلاء المؤثرين من أعيان المجتمع، والمواطنين المستنيرين. ولعل المواقف الإيجابية هذه لا بد أن تؤثر على تفكير أهل النظام، وتحاصرهم، بل ربما أفادت المعارضين، ما دام أنها أتت من شخصيات معتبرة. والحقيقة أن واحدة من أسباب استطالة أمد النظام أنه استثمر في غياب رؤى المثقفين التكنوقراط، أو ضبابيتهم، أو رمادية مواقفهم، أو قل صمتهم الذي يكفل لهم أن يكونوا سالمين من أذى النظام. والمؤسف أكثر أن هناك الآلاف المؤلفة من النخب السودانية التي تهرب من اتخاذ الموقف السياسي الواضح بحجة أنهم يكرهون السياسة، أو يعدونها قذرة، أو يتحايلون بأنهم معنيون فقط بعملهم التخصصي. هذا في وقت تتهدد بلادهم بالتشظي الذي يحرمهم حتى من مزاولة تخصصاتهم، أو ربما يصحون يوما ولا يجدون أمنا أمام منازلهم غير قعقة السلاح. فيا أهل التخصصات، والأكاديميا، وأهل الفن أخرجوا من صمتكم وبلادكم قاب قوسين من الدمار. فقط وقعوا على مذكرات فئوية كما يفعل رصفاؤكم في العالم المتقدم الذي عايشتم ملامح وعيه الوطني. فإما أن تسندوا البشير بالواضح إن كنتم تظنون فيه خيرا لحماية البلاد، كما يفعل الدكتور خالد المبارك الذي تهاجمونه سرا، أو أن تدعموا قوى التغيير أمثال أبو عيسى، وياسر عرمان، وعبد الواحد، إن كنتم تظنون أنهم وآخرين سيخرجون البلاد إلى بر الأمان، أو قولوا رأيكم الثالث الذي قد يجمع الفرقاء السودانيين على كلمة سواء. وأللهم قد بلغنا فأشهد.