خالد فضل " العنجهية والسبهللية والاستعلاء سدت الأفق لرؤية النار في آخر المشوار , حتى شبّ الحريق شاملا , ومارس الجنجويد وحشية مفرطة وقتل مئات الآلاف من المواطنين السودانيين وحرقت الآف القرى ونزح ملايين البشر.."

  الإسبوع المنصرم ومنذ الاثنين الماضي , شغلنا عمّا دار من ملابسات حصار الرئيس البشير في جوهانسبيرج بوساطة المحكمة الجنائية الدولية , بفقد عظيم ومصاب جلل حلّ بأسرتنا, برحيل ابنة شقيقتي المرحومة سعاد , فقد لحقت بها ابنتها البكر رجاء عبدالقادر هجو , التي كانت تعمل ضمن الطاقم الأكاديمي بكلية الطب في جامعة افريقيا العالمية , رحلت رجاء في عملية وضوع لطفلها الثالث بمستشفى الشيخ التخصصي في الخرطوم , وجاءت افادة الطبيب عن سبب الوفاة مسببة بنزيف حاد وعدم تجلط الدم, ورحيل رجاء بتلك الكيفية خلّف عشرات علامات الاستفهام حول كفاءة ونجاعة وكفاية وصحة القرارات الطبية في الوقت المناسب لمعالجة مثل تلك الحالات الطارئة , ولا نملك الاّ الدعاء للمرحومة بالغفران وأنْ يجعل البركة في بنتيها الطفلتين وطفلها الوليد ولا حول ولا قوة الاّ بالله له الأمر من بعد ومن قبل . شُغلنا بمصابنا الأسري الفادح , وما غاب مصاب الوطن والهم العام عن وعينا ونحن من بين الألم وطيّات الحزن الداهم نتابع ما عرف بدراما جوهانسبيرج , وهي بالفعل تراجيدكوميديا  من الطراز الرفيع , كما أنّ ذلك الفصل من التراجيديا لم يبدأ بجوهانسبيرج ولن ينته بما حدث فيها , فليس جديدا البتة الحديث عن أنّ اتهامات المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس عمر البشير وأحمد هرون وعلي كوشيب وغيرهم من مطلوبيها ستسقط بالتقادم أو يطويها النسيان لمجرد أن الخطوات لم تتلاحق منذ صدور تلك الاتهامات وطلب المثول للمذكورين قبل نحو ست سنوات . كما أنّ التلفع بعباءات زائفة مثل الانتخابات وابرام اتفاقات جزئية هشّة وعدم الالتزام بتنفيذها على هشاشتها لن يحل القضية محل الاتهام , والتلويح بطرد اليوناميد واطلاق يد المليشيات بعد اضفاء الطابع الرسمي والحماية القانونية لن يغير في الأوضاع شيئا .

 فالمأزق السوداني في اقليم دارفور ابتدأ مبكرا وقبل صدور قرار مجلس الأمن1593بتاريخ 31مارس2005بإحالة ملف دارفور لمدّعي عام المحكمة الجنائية الدولية بناء على تقرير اللجنة الدولية لتقصي الحقائق برئاسة القاضي الايطالي السيد كاسياس في يناير من نفس العام , فالحقيقة التي لا مراء فيها أنّ اللجنة الدولية وتحقيقات السيد أوكامبو اللاحقة لم تنشئ الوضع المعيب في دارفور بل كشفته ووضحت حجم الانتهاكات المروعة التي حلّت بالمواطنين العزّل في ذلك الاقليم المنكوب , وهي مع الأسف انتهاكات ارتكبتها أو شاركت فيها أو غضت الطرف عنها السلطات الحكومية السودانية وعلى رأس تلك السلطات كما هو معلوم يقف رئيس الجمهورية باعتباره دستوريا مسؤول عن حسن ادارة البلاد التي يرأسها , فهل أدّى السيد الرئيس مسؤولياته على الوجه الأكمل , وهل مارس سلطاته الدستورية وفق منصبه ووضع بصمته على جهود حل الأزمة المركبة في الاقليم ؟ أم ظلّ يشكل الجزء الأهم في تعقيدات الأزمة باهماله لأهمّ واجبات موقعه كرئيس لجميع السودانيين بحكم الأمر الواقع  , وبعدم تدخله في الوقت المناسب باتخاذ القرارات الصحيحة لتصحيح الأوضاع المتفاقمة بين يديه , وقد شكّل مؤتمر الفاشر للقيادات المجتمعية في دارفور في العام 2003م مدخلا ملائما للسير في طريق الحل السلمي التفاوضي للأزمة , ولكن العنجهية والسبهللية والاستعلاء سدت الأفق لرؤية النار في آخر المشوار , حتى شبّ الحريق شاملا , ومارس الجنجويد وحشية مفرطة وقتل مئات الآلاف من المواطنين السودانيين وحرقت الآف القرى ونزح ملايين البشر الى معسكرات النزوح الداخلي واللجؤ الخارجي , أليست كل هذه مما يستوجب النظر والفحص والمراجعة عوضا عن منهج العنتريات والتحدي وتصوير الأمور بغير حقيقتها , وإذا نجحت هذه التدابير وتاكتيكات رزق اليوم باليوم في اطالة أمد السلطة ونجاة المطلوبين للعدالة الدولية اليوم وغدا فهل يحل ذلك المعضلة ؟ كما أنّ الدفوعات بعنصرية المحكمة الجنائية واستهدافها للرؤساء والقادة الأفارقة السود بالملاحقة لا تصمد طويلا أمام أقلّ جهد يبذله أدنى الناس حظّا في التفكير , فالسؤال قبل عنصرية المحكمة هو , وهل تمارس المحكمة عنصريتها المفترضة من فراغ؟ أليس صحيحا كل الوقائع التي وردت في تحقيقات اللجنة الدولية وقبلها تحقيقات اللجنة الوطنية برئاسة مولانا دفع الله الحاج يوسف ؟ هل كتب قضاة تلك اللجان المحلية والدولية رواية خيالية عمّا وقع في دارفور أم كتبوا بعض ما توصلوا اليه من فظاعات , والحال ينطبق على مطلوبي العدالة الدولية من رؤساء وقيادات عسكرية افريقية أخرى , كما هنالك خلط وتشويش مقصود , فاتهامات العنصرية لم توجه الى الجهة الصحيحة إنْ صحت تلك الاتهامات فالمحكمة لا تتدخل من تلقاء نفسها الأمارة بالعنصرية تجاه الرؤوساء الأفارقة المتهمين وميثاق روما حدد دور المحكمة بأنّه تكميلي وليس بديلا عن القضاء الوطني كما بيّن الطرق التي تصل بها القضايا لمنصة المحكمة وفي حالة السودان فقد جاءت القضية للمحكمة من مجلس الأمن الدولي الذي من ضمن عضويته الدائمة صديقين حميمين للنظام السوداني هما روسيا(التي كان قد دنا عذابها), والصين الشيوعية, فالاتهام بالعنصرية في هذه الحالة يجب توجيهه لدول مجلس الأمن في ذلك الشهر من ذاك العام وليس لمدعي المحكمة أوكامبو أو فاتوبنت سودة .

   كل هذه الحيثيات مما لا يريد السيد الرئيس البشير وتنابلته في السلطة سماعها أو رؤية نتائج تجاهلها , حتى صار الموضوع جادا لدرجة الحصار في جنوب افريقيا  وادخال تلك الدولة في مأزق أخلاقي وسياسي كبير وخطير يهدد وضعها الدولي كمنارة للديمقراطية واحترام حقوق الانسان في قارة الظلمات والمظالم التي ترتكبها السلطات الافريقية ضد مواطنيها , بدوافع عنصرية واثنية وقبلية وجهوية في المقام الأول ثم تليها الدوافع السياسية لاحقا , هذه هي الوقائع والحقائق الدامغة , وليس صحيحا في تقديري الحديث عن سيادة وطنية أو إضفاء هالة رمزية لمن لم يحسن منذ البدء تقدير رمزيته ومكانته كرئيس جاء بالقوة المسلحة واستولى على السلطة المنتخبة وهذه أولى فجائعه ضد الوطن والمواطنين , لقد استبانت الأجيال الصاعدة معظم هذه الأحابيل والحيل والنفخ الاعلامي الفارغ المضمون وما عادت الشعارات والأشعار تكفيها وغدا ستشب تلك الأجيال وستعلن عن نفسها بالحق كله فإما حياة تسر الصديق وإمّا ممات يغيظ العداء ولتبق السلطة ورئيسها في قفص الخوف والرعب من انبلاج الفجر فهذا حكم التاريخ على الأفاكين والكذبة والقتلة .