مبارك أردول (1) عندما كان يتحدث الدكتور جون قرنق دي مبيور رئيس الحركة الشعبية وقائد الجيش الشعبي في ثمنينيات القرن المنصرم عن الحاجة والضرورة لعقد مؤتمر قومي دستوري يجمع كل مكونات ومنظمات الشعب السوداني وأحزابه السياسية ليحدد شعب السودان بحرية وكرامة، كيفية حكم السودان وليس من يحكم السودان؟

وكيف يمكننا بناء الوطن بإرادتنا التي نفخر بها وبعقد إجتماعي كشعوب وجدت وعاشت فيه وأرتبط مصيرها به؟ ليس السودان الذي صنعه المستعمر بإرادته وحدد حدوده بسلاحه وقوته وأطماعه،  كانت هذه الدعوة أنذاك مستحيلة وغريبة في أذان البعض بل قد رأوها غير ذات معني وليس لديها أي جدوى، فرأوا  إن  السودان دولة نالت إستقلالها وخرج المستعمر وجنوده منها وإستبدل الحاكم العام للسودان برئيس يمثل كامل السيادة الوطنية،  وأصبحت فيه أحزاب سياسية وطنية ومؤسسات مسودنة مية المية، بل وصف هؤلاء د. جون قرنق بالعميل والمتمرد ومخلب قط للقوى الإستعمارية، ولم يدروا إن الإستقلال في حد ذاته ليس بنهاية للقضية وإنما بداية لبناء الدولة الوطنية الحديثة.

من حيث الشكل صحيح أنه لا وجود للقوى الإستعمارية الأجنبية مهددة لأمن الدولة السودانية الوليدة ومصالحها، ولكن من حيث الجوهر والمضمون فإن الإستقلال الذي حدث في السودان دون أن يعقبه حوار وتوافق بين أبناء الشعب الذي نال الإستقلال أنفسهم سوف يقود حتما الي حال يحن فيه الناس الي حقبة الإستعمار وسيبكون حسرة علي فترة حكمه، فكل إستقلال له غاياته الجوهرية التي يجب التوقف عندها وليست الشكلية والقشور التي يحتفل بها، فأول غايات الإستقلال هي تمكين أبناء الشعب الذي نال الإستقلال من حكم أنفسهم والمشاركة في إدارة وتحديد مستقبلهم وإختيار الكيفية التي يريدون بها أن تكون دولتهم وعلى أي الأسس يجب أن تقف مؤسساتهم وبأي فلسفة، هذا ياتي بمشاركة الجميع وهم أحرار في قرارهم وتعبيرهم، وبعد حدوث التوافق على كل هذه الأشياء وغيرها من القضايا الضرورية والمهمة يضمن ذلك التوافق في وثيقة تسمى دستور البلاد،  تؤخذ  كوثيقة عليا وحاكمة يحميها الشعب ومؤسساته المختلفة خاصة الجيش والأجهزة الأمنية، وتعبر عن المصالح العليا لجميع مكونات الشعب، ومن يتعدى عليها يعتبر عدواً يجب أن تسخر كل إمكانيات الدولة لحربه وقتاله، لان بدون دستور وتوافق وطني تتحول مؤسسات مثل الجيش والأجهزة الأمنية التي تمتلك القوة ومخول لها إستخدامه تتحول الي قوات تدافع عن الحكومة المركزية أو من يدفع لها رواتبها فقط – كإرتزاق- دون الإكتراث لمن يقتلون في الجانب الآخر.  وقد إختصر دكتور جون قرنق ذلك في دعوته بضرورة عقد مؤتمر للحوار الدستوري،للتوصل الي إجابات حيال هذه الإسئلة، ودونه مكابرة وحرث في البحر وقتال بالمجأن لمن يعتقدون أنهم يدافعون عن دولة السودان، لأن الشعب السوداني في الأساس لم يخلق الدولة التي يجب إحترامها والدفاع عنها.

(2)

فالحال الآن بعد خروج المستعمر الإنجليزي وبعد ستين- 60 – عاماً من الإستقلال لم يجلس أبناء الشعب السوداني بعد ليحددوا الكيفية التي يجب أن تدار بها دولتهم ونظام الحكم الذي يريدونه وعلى أي أسس يجب وينبغي أن تقوم عليها دولتهم وتبنى مؤسساتهم وكيف وماذا …. ألخ من الكم الهائل من الأسئلة التي تحتاج الي إجابات عن طريق الحوار بين مكونات الشعب المختلفة  للوصول الي صيغة توافقية حولها، فقد ذهب الدكتور جون قرنق ومازالت دعوته قائمة الي هذا اليوم، وللأسف لم يحدث هذا الحوار الضروري وبالتالي لم تجاوب كل هذه الإسئلة المهمة فظلت خوفاً أو عمداً أو لسبب آخر في طئ النسيان والتجاهل، فذهب أي شخص أو منظومة أو شعب أو أي مكون أن يكون وفق تصوره الخاص عن الدولة التي يريدها والكيفية التي يفترضها والأسس التي يجب أن تقوم عليها يطلق عليها – الثوابت الوطنية – بغض النظر عن تصور الآخرين لدولته المفروضة وضررهم أو نفعهم منها، بل عمل البعض لفرض مسميات مختلفة لا تعبر عن كل الشعب السوداني منها دولة الشريعة الإسلامية ودولة المشروع الحضاري وغيرها، يفرضوها على الآخرين ويقاتلون دفاعاً عنها ويتخلصون عن كل من تصدى لها.

ولاننا في السودان تجد عوامل الفرقة والتباين متعددة من حيث الجهات والمعتقدات والمصالح والأنشطة والخلفيات وغيرها، لذلك تبقى مسألة الحوار الحقيقي ودعوة الدكتور قرنق ذات ضرورة قصوى يجب عدم التفريط في تلبيتها وألا سوف نكون موعودين بسمتقبل أكثر سوءاً من حيث عدم الإستقرار والعبث السياسي والإقتصادي والحروب والتشرد، يعزى ذلك بسبب فرض مشاريع الدولة من الأطراف المتعددة حسب ما تتاح لأي طرف من قوة قادرة بها على الإستحواز علي نظام الحكم في المركز.

فلابد من تقويم لدولة المستعمر الموروثة وخلق دولة التوافق والتراضي الوطنية التي تشبه الشعب السوداني المستقل (بكسر القاف) وحتى يكون هنالك إستقرار وسلام وإستمرارية لهذه الدولة، لابد من الرجوع الي نقطة الصفر التي كان من المفترض أن تعقب خروج المستعمر الإنجليزي من البلاد وتنكيس أعلامهم فيها، لنبني الدولة السودانية بكامل سيادتها وإرادة جميع شعبها، أو أن نطبطب على الأمور وندفن رؤسنا في الرمال ونصمت من التطرق لمناقشة القضايا التي تفرقنا، وكل يوم نبكي على فقد أبناءها حرباً أو تناقص أرضها إنفصالاً – كما حدث في 2011م لجنوب السودان، فعلينا أن نعتبر  إما أن نعمل لنعيش كشركاء في هذا الوطن أو نتقاتل ونهلك كحمقى، لأن الإستقلال الذي لا يعقبه حوار وتوافق وطني لا جدوى منه بل هو إستعمار جديد يتحتم النضال ضده.

(3)

فالنظام الحاكم في البلاد حالياً بعد أن تراجع عن مسألة الحوار الوطني وتهرب منها وأدخل المسألة المهمة في سوق المذايدات السياسية الرخيصة والوعود التخديرية وإستخدامها كمُسكن للمطالبات الملحة فهو بذلك يعرًّض حاضر ومستقبل البلاد الي مذيد من التشظي ويجدد عهداً جديداً في البلاد نحو مذيداً عدم الإستقرار و الإقتتال وسفك الدماء وتردى الحياة، ولن تحسم المتحركات العسكرية التي يهتفون بها أي أمر، لأن القضايا هي قضايا حية وباقية ما حيا وبقيّ الشعب السوداني، لن تنتهي هذه القضايا بحل حزب سياسي أو الإنتصار على حركة مسلحة في معركة أو سجن قادة سياسيين وناشطين وتقييد أسفارهم ومصادرة صحفهم وتكميم أفواههم، بل عدم حل هذه القضايا سوف تذيد من الإحتقان وستؤدي الي زوال النظام كسابقاته من الأنظمة وقد تصل الي إنهيار الدولة وتلاشيها، بل وتجعل الأوضاع مستنقعاً حاضناً للجماعات الإرهابية المسلحة والتي قد تستفيد من حالة اللادولة في البلاد مهددة بذلك دول كثيرة في الإقليم والعالم يرجع لوضعية السودان الجغرافي، لذلك حالة السلم واللاسلم والتفكك في البلاد لن يتضرر أو يستفيد منها شعب السودان لوحدهم.

وستظل الإسئلة المتعلقة ببناء وطن للسودانيين جميعاً موجودة وستطل براسها من جديد للأجيال القادمة متى ما فكروا في لملمة أطرافه، إذن فلا داعي للتهرب منها الأن، فمن يرفض الحوار والتوافق الوطني اليوم وهو سالماً ومخيراً سوف ينقاد إليه غداً وهو مكسوراً و طائعاً. 

علينا أن نعلم أنه لا توجد قوى تستطيع فرض رؤاها ومشاريعها قسراً على الآخرين وإن سيطرت وجيرت كل مؤسسات الدولة لصالح منسوبيها فسوف تظل هذه المناصب باقية على أكوام من الرمال المتحركة بسبب هبوب رياح عدم التوافق، والنتيجة الحتمية لعدم الحوار والتوافق هي الحرب وتقسيم البلاد أو تلاشيها من الخارطة.

على القوى الحريصة على حاضر ومستقبل البلاد يجب أن تعمل مافي وسعها من أجل الإجابة على هذه الإسئلة والوصول الي التوافق الوطني وبناء دولة الشعب السوداني الحقيقية، بل يجب عليها أن تعمل على إزاحة وقتال كل القوى المهددة والتي تعمل على تعويق الأمر وتتماطل للوصول الي التوافق الوطني، لانهم بذلك يمثلون الخطر الحقيقي والعدو الحالي والمحتمل للشعب ودولتهم التي يتطلعون لبناءها.