صلاح شعيب أزمة السودان أنتجها التزييف الديني، والسياسي، وبه تشرع أكثر مراكب السياسيين الناشطين الآن في الخوض لحلها!. فمعظمنا يعرف أن غالب القوى السياسية العاملة في المجال السياسي المعارض تمتلك قدرا من المسؤولية بتفاوت مقادير عجزها عن اتخاذ منهج واضح لحل الأزمة الوطنية.

وتتنوع هذه القوى في طريقة نضالها السلمي الحزبي، والثوري العسكري، والقومي المستقل. إذا ألقينا المسؤولية كاملة على الحركة الإسلامية لما تتحمل من نتائج وخيمة لاستحوازها الكامل على السلطة، فلن نعفي الكثير من المعارضين من تحمل جزء من مسؤولية استدامة أوضاع البؤس العام. فبعض المعارضين يريد منا تركيز النقد على النظام، وتجاوز سيآته، أو التنبيه لمسؤولياته، بحجة أن نقد المعارضة يصب في مجرى صالح النظام. ولكن هيهات، فالمسؤولية الوطنية تقتضي إصلاح المعارضة لكونها هي البديل، بذات الاقتضاء الذي يفرض على الناقدين إدانة ممارسات النظام، والتي تتنوع لتلقي مسؤولية فادحة على الكتاب لتناول المستجدات التي تطرأ في سطح هذه السياسة الغاشمة للإسلاميين. ولعل منهج هؤلاء المعارضين القادة الرافضين للنقد هو بالضبط مثل منهج الحكوميين الذين لا يريدون نقد الحكومة الآن بحجة أن هذا النقد يضر بمشروع التمكين، ويرسل إشارات سالبة للمواطنين. وأحيانا يصف الإنقاذيين الذين خرجوا عنهم بأنهم ارتموا في أحضان اليسار، أو تواطؤا مع بني علمان، أو تسربلوا بأهداف الأمبريالية. ولعل هذه ثقافة سياسية سادت في بلادنا حتى قبل مجئ الإنقاذ. فالسياسيون حتى في النظام الديموقراطي الأخير كانوا يستكبرون أمام النقد السياسي، ولا يتأملون حدبه، أو مصلحته للبلاد، حتى إن رمزا وطنيا كبيرا مثل الأستاذ بشير محمد سعيد أوقف كتابة عموده الصحفي اليومي في “الأيام” بعد أن تجاهل السياسيون أفكاره، وبعضهم وبخه، وصنفه، ضمن صفوف اليسار ليس إلا. ورجل مثل بشير لم يكن ليحتاج إلى شهادة إبراء ذمة وطنية حتى تكون كتاباته مركزة دائما على خدمة الصالح الوطني، أو الوفاء لضميره، وليس لأيديولوجيات، أو جهات خارجية.

لقد رأى كتاب رماديون الآن في استمراء الكتاب المعارضين في نقد النظام نوعا من العادة المستقبحة التي لا تنتج معرفة إزاء تبيين طريق الحل للشؤون الوطنية الملحة. ولكن هذا النقد الذي يتعهده المعارضون يعد ممارسة ضرورية حتى لا يغيب صوت العقل الذي يقول لا في وجه الظلم المستمر، ولا أمام المستبد الذي لا يريد أن يكون هناك فرد ليواجهه بالرأي الآخر، لا غير. فمن الأخطاء التي يعتقدها هؤلاء الرماديون أن الحلول بيد الكتاب، وعليهم كشفها بدلا من الصراخ في وجه كل فعل حكومي. والحقيقة أن وضع الحلول لقضايا المجتمع عملية لا بد أن تتضافر فيها مجهودات كل النخب، مثلما أن الحل الأخير حتما بيد الشعب الذي يستوعب كل ما هو مطروح حتى يقوم بمسؤولياته الجمعية المتوقعة. ولا نظن أن وظيفة الكتاب الأساسية غير تغطية نشاطات الحكومة بالنقد البناء. وليس بالضرورة أن نحمل الكاتب مسؤولية المفكر المعنية باستنباط الحلول، والتي يمكن أن تجد التأثير، وقد لا تجده عند الحاجة للتطبيق العملي. وقد تضر الحلول النظرية لمن نسميهم مفكرين بمصلحة البلاد مثلما ثبت ذلك في أفكار  الدكتور الترابي الذي عده مؤيدو نشاطه واحدا من أساطين الفكر الإسلامي. ولعل قيمة الفكر الحقيقية، والعملية، في قدرته على تثوير المجتمع نحو الأفضل، وخلق التحولات الإيجابية في حركته الصاعدة نحو المثال، لا تفتيت الوحدة القومية.

فالمواطنون، إذن، بحاجة مستمرة لنقد الكتاب، صحافيين وغير صحافيين، لمعرفة تجليات هذه المستجدات على حيواتهم حتى يتنوروا برؤى الكتاب. وهؤلاء الكتاب المستقلون، خصوصا، يكرسون حياتهم للاستمرار في تعرية، وفضح مكامن الخطأ، في الممارسة السياسية، وتبيين الصواب. وهذا عرف إنساني مشمول، ويحدث سواء كان ذلك في الممارسة الديكتاتورية، أو أثناء مداولات ديموقراطية “ويستمنستر”. أما أن نطالب كاتبا ما بترك السياسات الحكومية تنحر في جسد الوطن، وتؤذي المواطنين، وتوطن للفساد، فذلك هو التواطؤ عينه مع النظام المجرم نفسه بذكاء خبيث، ومكشوف، وهذا الرأي هو الخطل عينه، وإن هو إلا هو الزبد الذي يذهب جفاء.

الصورة الواضحة الآن أن كل القوى السياسية ضحية لمدى التضييق الذي مارسه عليها النظام، بل إنها حمل وديع لسياسات الذئب الإسلاموي التي تستهدف تقليم أظافرها من أجل سريان حقيقة الأسلمة بالطريقة التي أرادها مشرع الانقلاب. ولعله ليس من المجدي أن نعنف النظام كونه أثار النعرات السياسية داخل الأحزاب والحركات المسلحة، فهو جاء أصلا ليقضي عليها ما دام أن مآثر الأخلاق، والفضيلة، في السياسة الشمولية ضئيلة، ولا نظن أن نظاما أيديولوجيا مثل الإنقاذ أتى لكي يترك المنظمات الحزبية متفرهدة، وقوى المجتمع التي تعارضه متوحدة في شخوصها، وبرامجها، وغاياتها. إذا نجح الإسلاميون في تقديم منحة حكومية باهرة لرعاية الأحزاب، والحركات المسلحة، والقوى الناهضة في المجتمع، والعطف عليها فما الداعي إلى تغييره إذن؟. ولكن سؤال المليون هو ما نصيب بعض هذه القوى المعارضة في تحمل مسؤوليتها في الإكثار من أسس التزييف الديني والسياسي؟

إن مسيرة قادة الأحزاب الطائفية بقضها، وقضيضها، ما تزال بحاجة إلى المواجهة من قبل منسوبيها، خصوصا المتعقلين لإيقاف الغش السياسي الذي تمارسه في وضح النهار، ويضاف إليهم قادة القوى الإسلاموية التي خرجت من رحم النظام. فالتصريحات التي نقرأها هنا، وهناك، لهؤلاء القادة ليست سوى التزييف الذي تدلقه نحونا بكثير من الاستسهال، و”الاستهبال”. إنهم يتحدثون عن الحوار الوطني، ومستقبل البلاد، والمحكمة الدولية، والقضايا الإقليمية، وحمل النظام على تغيير الأوضاع، بشئ من التبسيط المخل الذي لا يستسيغه العقل. ويبدو أن تصريحات القادة هؤلاء للصحف، والفضائيات، والندوات، مثل التجارة التي تقدم البضاعة المغشوشة السيئة للمواطن. وغالب هذه التصريحات تفتقر إلى العمق، ولا تقدم شيئا لحل المأساة الوطنية، ولعلها أحيانا تبدو صيغا من صيغ مغازلة النظام أكثر من صيغ نشر الوعي السياسي حول المستجدات السياسية، إذ تدلي الزعامات بتصريحاتها الموجهة للشعب وفي بالها أنها تخاطب السلطة. 

فالميرغني، والصادق المهدي، والترابي، وغازي صلاح الدين، وآخرون من دونهم، استمرأوا صناعة هذه التصريحات المزيفة للواقع، والتي في كثير من الأحيان تتناقض بين شهر وآخر. وصارت مواقفهم مبنية بفردانية لا تتيح مجالا لمكاتبهم السياسية الشكلانية للنقاش حولها، وتخريجها حتى تكتمل صورة التزييف. ولسنا هنا في حاجة للاستدلال بهذه التصريحات المزيفة للواقع، فهي عملية تجارية – يومية أغنتهم عن وضع أفكار استراتيجية واضحة، ومقنعة، وموثوقة فيها، حول طريقة التعامل مع النظام بوصفهم قادة مؤثرين بالزيف في أحزابهم، وفي قطاع عريض من المواطنين، بل ما يزال كلهم يتصدر معظم فرص تمثيل القطاعات الناشطة في التصدي للمسؤولية الوطنية.

إن الوضع البائس للبلاد يدل تماما على أن هؤلاء القادة لا يملكون مفاتيح حل الأزمة لمدى ربع قرن، وهم قد عرفو ذلك، ولكنهم يريدون أن يظل واجبهم فقط الآن هو الصراع حول المصالح الشخصية التي يلوح بها النظام. وربما يعود فشلهم النظري إلى طبيعة استراتيجياتهم النظرية التي شكلوها في أحزابهم منذ أن تولوا القيادة قبل نصف قرن من الزمان. ولكل هذا استشرت أزمة القيادة في أحزابهم، وفشلوا في تحقيق الديمقراطية الحقيقية داخل مؤسساتهم الحزبية، فضلا عن ذلك أنهم لم يؤهلوا جيلا من القياديين غير الذي يتطلع إلى المصلحة الخاصة عند توليهم السلطة. وللأسف فإن معظم النخبة الذين يكونون هذه التنظيمات التي تستثمر في الدين، والسياسية، عرفت حدودها، وحدود هذه الزعامات حينما يتعلق الأمر بضرورة مراجعة الأداء الحزبي. فبالغ هم النخب التي تنتمي إلى هذه  التنظيمات هو الوصول إلى منصب الوزارة، أو السفارة، وغيرها من المناصب، التي تشغر حين وصول هذه الأحزاب إلى السلطة ليست جديرة، أو مؤهلة، بتقويم أداء الزعماء، أو تغييرهم، خصوصا وأن سنة التغيير تتطلبه ضرورات التجديد، والصحة، والفاعلية، والمواكبة، وحاجة التحديات العصرية. ولو أن هذه الزعامات حريصة حقا على مصلحة البلاد، والعباد، لأهلت نفسها ديموقراطيا بكوادر قادرة على تحمل المسؤولية، عوضا عن تدريب أبنائها في السلطات الشمولية بحجة اكتساب الخبرة ومن ثم توريثهم. ولكن طبيعة التكوينات الحزبية، ونوع العضوية، التي تشكلها هؤلاء القادة تمهد الطريق لهذا التزييف السياسي الذي ظل مورثا لشعب السودان جيلا إثر جيل.

لقد أدرك النظام نقاط الضعف الحقيقية لدى هؤلاء القادة الذين يعتمد عليهم عدد من شعب السودان لتصحيح أوضاعه، ولذلك وظفهم بمستويات متنوعة في كسب الوقت بعد أن فشلوا في تقدم الصفوف لإزالته. بل استطاع الإسلاميون من خلال هذا الاستغلال الممنهج ضرب حركة المعارضة، وإفسادها، وشل حركتها. وعليه انبنى حلف استراتيجي غير مسمى بين المزيفين لحقيقة الأوضاع في البلاد وبين هؤلاء الذين يعارضونه بكثير من النظر لمصالحهم الضيقة. ولعله ليس لدى المهدي، والميرغني، والترابي أي شئ نظري في أرذل أعمارهم لحل مشاكل السودان ما دام فشلوا منذ شبابهم في تطوير أحزابهم، ناهيك عن تطوير حركة الدفع السياسي في الوطن لترسيخ تطلعات المواطنين في نظام يحقق الأمن، والاستقرار، والسلام، والكرامة، والتقدم.

الشئ الوحيد الذي يبقى مؤرخا في سجل السير الذاتية لهؤلاء القادة الثلاثة أنهم وطنوا بأنانية فائقة للتزييف السياسي والديني، وليست هناك مأثرة وطنية حقيقية يمكن أن تحفظها لهم الأجيال المتعاقبة خلاف صراعهم بعضهم بعضا على الاستحواز على السلطة، وفرض رؤاهم الأحادية الرجعية، وانتحال تمثيل أهل البلاد. ومن حق الأجيال الجديدة أن تستأنس في نفسها الكفاءة لتقديم بدائل سياسية جديدة، وهي تملك قدرات علمية، وتجارب، أفضل من ما امتلكتها هذه الزعامات التي وصلت إلى السلطة في أحزابها وكل واحد منها لم يكمل خمسة وثلاثين عاما. وعلى شعب السودان السلام إذا كان الجيل الوسيط، وهذا الجيل، ما يزال يراهن على أن الحوار الوطني سينتج غير التزييف الديني والسياسي بإرادة هؤلاء الزعامات التي تتصدر المشهد الوطني ومعظم من هم حولهم طلاب سلطة أو نفوذ في العاصمة، أو الأقاليم.