خالد فضل "شغلوها بالنبي والمسيح ، واتقاسموها رتب رتب"..! هكذا صدح أزهري محمد علي ذات حزن فسيح , وهو يؤبن رفيق دربه الشاعر الراحل حميد, يعدد مأثر الفقيد ويرثي حال الوطن الذي عنده ما ضاق، لكن كبرت مساحة زنزانته حتى عجّ بالنواح ،  

و26سنة تحت الاستعمار الاخواني ليس بالزمن اليسير , خلالها تخرجت أجيال في الجامعات , ومن ولد في صبيحة فجرها المشؤوم صار الآن أبا وصارت أما من ولدت كذلك , وبات كهلا شاب تلك الأيام , وحبوبة وجدا من صادته قيامتها شابا وشابة ساعتئذ , إذا نحن نتحدث عن حقبة كاملة من تارخ بلادنا المعاصر وليس عن فترة قصيرة شابها اختلال , وهذا يلقي بدوره مزيدا من الأعباء على من يعتنقون مبدأ التغيير وحتمية حدوثه , إذ تبدو المعضلة عصية بالفعل , وكما ذكر لي صديق عزيز قبل أيام من أين يبدأ التغيير على فرضية الشروع فيه !

وهي عبارة قد تبدو قاسية ومحبطة للوهلة الأولى ولكن التدقيق في مضمونها يحيلها الى الواقعية بيسر , فما من مجال وساحة للنشاط البشري الاّ وامتدت اليها معاول التخريب , وصدق أزهري عندما قال شغلوها بالنبي والمسيح واتقتسموها رتب رتب , ليس لدي احصائية دقيقة عن حجم العسكرة في أوساط المواطنيين السودانيين ولكن نظرة خاطفة للتقارير الدولية الموثوقة ذات المعايير العلمية يمكن أن تمنح المرء فكرة عن حجمه , فالسودان وفق أحدث التقارير يحتل المرتبة السادسة قبل الأخيرة ، بين دول العالم أجمع في فقدان الاستقرار والسلام , وفي ذلك رد علمي على الادعاءات التي ظل أركان النظام يلوكونها ويصورون عبرها البلاد كواحة استقرار وسط عاصفة اضطراب تجتاح الاقليم منذ بضعة سنوات .

والسودان يحتل مرتبة متأخرة في معايير الحياة المستقرة كلها من غذاء , ودواء , وكساء , ومياه شرب صالحة , وصرف صحي , ووفيات الأمهات والأطفال, وفي معدلات السعادة , والفقر , والنزوح واللجؤ , وانتشار السلاح , وفي حرية الصحافة , وحرية العمل المدني عبر المنظمات الأهلية والشعبية , ويفتقر السودان للحكم الرشيد ويعتلي أعلى المراتب في الفساد , وسؤ استخدام الموارد واهدارها , والزحف الصحراوي وانحسار الغطاء النباتي . والسودان آخر دولة في العالم انقسمت الى دولتين حتى الآن ومرشح لمزيد من الانقسامات الى كيانات ودويلات ضعيفة متناحرة ميراثها الغبن والحقد والمظالم .

المجال الوحيد الذي نجح فيه حكم الاسلاميين بصورة واضحة هو العسكرة , الآف بل ملايين السودانيين الآن مروا بتجربة التدريب العسكري بوساطة السلطة من دفاع شعبي وخدمة وطنية الزامية الى تكوين المليشيات المسلحة وتسليح القبائل خاصة في اقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وأجزاء من كردفان , اضافة الى تسليح منسوبي السلطة في الأمن الشعبي والأمن الوطني والشرطة ذات اللافتات المتعددة لدرجة يخيل للمرء أن ما من مجال في الحياة الاّ وله شرطة خاصة به من سياحة الى بعثات دبلوماسية الى آثار الى نفط الى محاكم وزراعة وكهرباء ومعادن , هذا عدا الوحدات التقليدية للشرطة من احتياطي مركزي ومكافحة شغب وغيرها , وكذلك الحال في جهاز الأمن حيث التوسع المهول في الصلاحيات والتدخل في كل وجه من وجوه الحياة حتى في اقامة سمنار داخل قاعة محدودة المقاعد .

أمّا الجيش فقد هدم بنيان ضبطه وربطه وافرغ محتواه التاريخي كرابطة قومية من جنود وضباط وضباط صف , وصار أقرب الى كونه مليشيا حزبية ضيقة الانتماء , هذا في الجانب الحكومي الرسمي وشبه الرسمي , أمّا في الطرف الآخر , وبعد انفصال/استقلال الجنوب , فإنّ عدد الحركات السياسية المسلحة يكاد لا يحصى , فكل حركة من الحرركات التي نشأت في اقليم دارفور مثلا انقسمت الى عدد من الحركات المسلحة , وما من اتفاقية سلام (هدنة في الواقع) مهرتها السلطة مع جماعة دارفورية الاّ وكان بند الترتيبات الأمنية والعسكرية حاضرا فيها مما يعني توسع حجم وعدد حملة السلاح فوق الأراضي السودانية .

وهذا هو الظاهر ، بيد أنّ هناك شكوك معقولة حول وجود تشكيلات وخلايا مسلحة نائمة خاصة في العاصمة الخرطوم تتبع كلها للسلطة وجهاز أمنها , وتضم جماعات من خارج السودان مثل جماعات جيش الرب , والأرومو الاثيوبية , وبعض العناصر الارترية , وجماعات سيلكا في افريقيا الوسطى وجماعات تنتمي الى المعارضة المسلحة في جنوب السودان والجماعات الاسلامية من مصر وليبيا والشام والعراق واليمن ودول الخليج الأخرى .

هذه الشكوك تكاد تبلغ مرتبة اليقين , فقد اعترف الرئيس البشير على أيام المفاصلة بينه والترابي قبل 14سنة إنّ اثيوبيا وارتريا لم تغلطا معنا , وأعترف عقب سقوط القذافي بأن الثوار دخلوا طرابلس بأسلحة سودانية , ومؤخرا اعلنت احدى المنظمات الدولية المتابعة لقضايا النزاعات والاسلحة أن قطع السلاح السودانية وجدت في جنوب السودان وهي اسلحة حديثة الصنع .

  هذا ملمح من اللوحة القاتمة مع الأسف  والتي يجب التعامل معها وتحليلها تحليلا دقيقا , فقد باءت حتى الآن على الأقل كل الجهود المحلية والاقليمية والدولية على انصياع النظام السوداني للحلول السلمية والتفاوضية وبالتالي اتاحة الفرصة لمعالجة آثار هذا الواقع رويدا رويدا بما يحافظ على لحمة البلاد من التشظي على أسس البداءة من قبلية واثنية وجهوية , كما باءت كل محاولات العمل المدني السلمي والذي ظل يواجه دوما وطيلة عقدين والنصف من الزمان بالقمع الشديد والقوة المفرطة , وازهاق الأرواح بلا مبالاة مثلما حدث كثيرا في الاحتجاجات المطلبية البسيطة كما في الجريف شرق وأم دوم ومايو والحماداب والشجرة من أحياء الخرطوم نموذجا , ومثلما حدث في احتجاجات سبتمبر 2013م والتي شهدت مذبحة حقيقية تمت ببرود ودونت الفجائع ضد مجهول . كذلك في الميدان العسكري , ومؤخرا بعد الاستعانة بمليشيات الجنجويد تحت مسمى الدعم السريع حدثت انتكاسات لقوى الجبهة الثورية خاصة في جبهة دارفور .

هذه الصورة المظلمة للواقع في السودان يقابلها استهتار وعدم شعور بالذنب أو احساس بضرورة التوقف والتأمل والمراجعة من جانب السلطة بل على العكس كأن شيئا لا يحدث البتة , وأحوال الناس المعيشية ضاقت بصورة لا مثيل لها والخدمات الضرورية تدنت بشكل فظيع وصارت امدادات المياه والكهرباء والوقود وغاز المنازل من الهواجس اليومية لسكان العاصمة والمدن الكبيرة في السودان ناهيك عن الأرياف والأصقاع النائية , كما تدنت خدمات العلاج والصحة وانتشرت السرطانات والأمراض المستعصية كالفشل الكلوي وغيرها , وانهارت خدمات التعليم العام والعالي ومرافق النقل والترحيل كالسكة حديد وسودانير والخطوط البحرية , وتوقفت الصناعة ودمرت المشاريع الزراعية فماذا بقي في السودان غير الزنزانة التي احتلت في الواقع كل مساحة الوطن !