بابكر فيصل "لو إقتصر كمال عمر على تمجيد الترابي وتصوير قدراته الفذّة، بما فيها تعليم الصلاة لكبار السِّن، لهان الأمر كثيراً، ولكن صاحبنا تجرأ ودخل المنطقة المُحرَّمة! وظن ان رؤوسنا انتعلت احذية وأصابنا"الزهايمر" فخرج بهذا القول الثقيل!" 

 

من المعلوم أنَّ تطاول وجود الأنظمة الإستبدادية لا يؤدي فقط إلى إضعاف الكيانات الحزبية في البلد المُعيَّن, ولكنهُ كذلك يسمح بظهور من يطلقون عليهم مجازاً رموزاً وقادة سياسيين, هؤلاء الأخيرين لا يبرزون وفقاً لقدراتهم ومؤهلاتهم وعطاءهم, بل يصعدون لقمة الأحزاب وفقاً للقانون القاسي المعروف ب “ملء الفراغ”.

ولذلك فإنَّ أثر الإستبداد المُزدوج على المنظومات السياسية لا يقتصرُ فقط على خنقها ومنع ضخ الدماء في شرايينها, ومن ثم موتها في آخر المطاف, ولكنهُ يحرمُ البلد من إنجاب رموز حقيقيين, قادة أكفاء يتمتعون بالموهبة والذكاء, ويستبدلهم بمسوخٍ مُشوَّهة, لا تُجيدُ شيئاً سوى “التهريج”, وهو الأمر الذي باتت تعجُّ به سُوح الأحزاب بعد مرور أكثر من ربع قرن من حكم الإنقاذ.

من أكثر تلك القيادات الجُزافية التي أفرزها الإستبداد الطويل حضوراً على صفحات الصحف وشاشات التلفاز, الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي, كمال عُمر عبد السلام, الذي برع في إفتعال المعارك الوهمية, كما تخصَّص في الإدلاء بالتصريحات الساذجة والمثيرة للشفقة, إضافة لتواجده المُستمر في خانة الدفاع عن “شيخه” حتى صار أذنهُ التي يسمع بها, و يدهُ التي يبطش بها, ولسانه الذي يتكلم به.

ليس من أغراض هذا المقال البحث في التاريخ السياسي للسيد كمال عمر, أو التساؤل عن ظهوره المفاجىء في الساحة السياسية, ولكننا سنتناول بالنقاش تصريحات أدلى بها في حوارات صحفية مؤخراً, بعضها يتعلقُ بالدكتور حسن الترابي, بينما يرتبط البعض الآخر بكلام عجيب حول الإسلام السياسي والديموقراطية.

لا شك أنَّ صفة “قيادي حزبي” التي باتت سلعة مجانية توزعها الأجهزة الإعلامية والصحف على كل من هبَّ ودب لها إشتراطاتها ومتطلباتها  ومؤهلاتها, ومن البديهي أنهُ يصعُب في بلدِ مثل بلدنا – وخصوصاً في ظل الأوضاع الإجتماعية و السياسية المأزومة – بروز أشخاص يمتلكون الصفات الحقيقية للقيادة, وبالتالي فإنَّ جفاف منابع صناعة القادة, جعل الأحزاب تمتلىءُ بقيادات مجازية مثل السيد كمال عمر.

في حوارٍ مع صحيفة “آخر لحظة” قال كمال عمر في مدح شيخه ( إنَّ ما تعلمتهُ من الترابي لم أجده لا في المدارس ولا الجامعات أو أي حاضنة اجتماعية أو ثقافية )، وأضاف ( الشيخ حسن علمنا الالتزام، وعلمني كيف أصلي وكيف أتجه بكلياتي إلى الله وعلمني الدستور والقانون والسياسة ). إنتهى

هذا الحديث يُمكن أن يصدُر عن “حُوار” في طريقة صوفية, وليس قيادي في حزب سياسي, فنحن هنا بإذاء رجل “منبهر” بشيخه بصورة مَرَضيَّة, مثل هكذا علاقة لا تصلح في المؤسسات الحزبية المدنية, إذ لا يُتوقع من شخصٍ يصدر عنهُ مثل هذا القول أن يعترض على شيخه في أية وقت من الأوقات خلال العلاقة السياسية التي تجمعهما, وسيكون مُجرَّد دُمية يُحركها “الشيخ” كيفما شاء.

قد يقول قائل أنَّ حديث كمال عمر أعلاه لا يخرج من إطار “المزايدة السياسية” وربما كان يُمثل رسالة لآخرين ينافسونه على التقرُّب من شيخه داخل الحزب, ولكن في كل الأحوال فإنَّ مثل هذا النوع من الكلام يُنبىء أنَّ قائله لن يكون في يومٍ من الأيام قائداً حقيقياً يُعوَّل عليه في لعب دورٍ في الساحة السياسية المنكوبة.

لو إقتصر كلام السيد كمال عمر على تمجيد الدكتور الترابي وتصوير قدراته الفذّة المتعددة بما فيها تعليم الصلاة لكبار السِّن, إذاَ لهان الأمر كثيراً, ولكن صاحبنا تجرأ ودخل المنطقة المُحرَّمة : المواقف والأفكار.

ففي حوار مع “السوداني” الأسبوع الماضي سُئل السيد كمال عمر عن سبب توافد “الإسلاميين” لزيارة منزل الدكتور الترابي في الفترة الأخيرة, فقال أنَّ منزل شيخه ( لا زال مزاراً بمعانيه الكبيرة وليس مزارًا فقط للتباكي هو مزار لانطلاق فكرة الحرية والديمقراطية ).

يعتقدُ السيد كمال عمر أنَّ رؤوسنا قد “إنتعلت أحذية” وأصابنا “ألزهايمر”, أو لربما إستمرأ مقولة أنَّ ذاكرة الشعب السوداني ضعيفة فخرج علينا بهذا القول “الثقيل” : إنطلاق فكرة الحرية والديموقراطية, من أين ؟ من منزل الشخص الذي “تآمر” على الحرية والديموقراطية وذهب للسجن حبيساً, فتأمل !

ليس هذا فحسب, بل أنَّ السيد كمال عمر يمضي ليعطينا دروساً “مجانية” في الديموقراطية, ويفيدنا بأنَّ حزبه “الإنقلابي” يتفوق على القوى “العلمانية” في تمسكه بالحرية و بالنظام الديموقراطي, فيقول :

( نحن نقول الديمقراطية “حكم الشعب” ونحن لا نقولها هكذا ونقول إنَّ الدستور لا بد أن يعبر عن الشعب في انتخاب جمعية تأسيسية ونواب من قبل الشعب منتخبين لأمانة الدستور واستفتاء شعبي لتأكيد الدستور بمعنى أننا نعتقد أن العقد الأسمى لا بد أن يعبر عن إجماع الشعب عليه. والقوى العلمانية إلى حد كبير تعتبر المؤتمر الدستوري والأحزاب هي التي ستضع الدستور ).

منذ متى كان أهل الإسلام السياسي يؤمنون “بحكم الشعب” ؟ لو أنَّ السيد كمال سأل شيخهُ أن يُدرسه – كما علمه الصلاة – المنطلقات الفكرية الأساسية للاخوان المسلمين, ورأي المرشد المؤسس “حسن البنا” في الديموقراطية, إضافة للأحكام التي أصدرها “سيد قطب” في فكرة حكم الشعب, إذاً لأدرك أنه بقوله هذا دخل في زمرة “الطاغوت” وأعداء الدين الذين يحاربون الله ورسوله والمؤمنين.

أمَّا رابعة الأثافي في حديث التضليل “الكمالي” فتكمن في مقارنته لفكر جماعته مع رؤى العلمانيين : ( نحن نتحدث عن حرية مطلقة ونحن لدينا استعداد في أن الديمقراطية إن أتت بقوى علمانية وأتت بالحزب الشيوعي نحن مقتنعون به . هُم لا هم لديهم قيمة أعلى من الديمقراطية والشرط الأساسي لهذه الديمقراطية أن لا تأتي بالإسلاميين بدليل أنهم أيدوا إنقلاب في دولة مجاورة. ونحن نتحدث عن سيادة حكم القانون العادل ).

من المؤكد أنَّ “الحرية المطلقة” التي يتحدث عنها السيد كمال عمر ليست من أفكار الاخوان المسلمين , أمَّا كلامه عن قبول الديموقراطية فهو يتعارض مع تاريخهم القريب في السودان حيث كانوا جزءاً من النظام الديموقراطي, في واقع الحال كانوا الكتلة البرلمانية الثالثة, ومع ذلك تآمروا عليه, وقاموا بتنفيذ الإنقلاب العسكري الذي أعقبته المآسي التي لم يشهد تاريخ السودان منذ الإستقلال لها مثيلاً.

ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ من يؤمن بالديموقراطية وينبري للدفاع عنها بهذه الطريقة التي يتحدث بها السيد كمال عمر يتوجب عليه وقبل أية شىء أن يتقدَّم بإعتذار صريح للشعب السوداني عن القيام بالإنقلاب وما جرَّه من مشاكل أدخلت البلاد في  نفقٍ مظلم طويل.

أمَّا إيمان كمال عمر وحزبه “بسيادة القانون العادل”, فقد رأيناهُ رأي العين في سني الإنقاذ الأولى التي كان فيها الترابي هو الحاكم المطلق, رأيناه في السجون والمعتقلات, و بيوت الأشباح, و أحكام الإعدام الجائرة, و تشريد الناس من وظائفهم دون وجه حق, وفي قمع التظاهر السلمي, وفي سياسة التمكين البغيضة.

لا تقفُ “إبداعات” كمال عمر عند هذا الحد, بل تمتدُ لتوصيفه لحالة التوتر في علاقة دول الخليج مع الاخوان المسلمين, حيث يقول بجرأة يُحسد عليها ( واضح جداً أن التحالفات الإقليمية لأسباب متعلقة بطريقة حكمها الوراثي الملكي العسكري لديها إشكالية مع الإسلاميين لأنهم يطرحون مشروع “الديمقراطية” والشورى والحريات ولذا هناك إشكالية بينها وبين هذه القوى الإقليمية التي لديها إشكاليات مع الإسلاميين باعثها الخوف على مستقبلها ).

هذا قولُ رجلٍ يهرِفُ بما لا يعرفُ, فحقائق التاريخ تقول أنَّ القوى الإقليمية التي يعنيها صاحبنا (السعودية والخليج) ظلت تشكل الحاضنة الرئيسية ومصدر الدعم الأكبر للإخوان المسلمين منذ نشأة الجماعة ومروراً بمرحلة صراعها مع عبد الناصر وحتى الأمس القريب, و الخلاف الأخير لم يكن بسبب طرح الإخوان لمشروع الديموقراطية والحريات  كما يزعم بل كان بسبب تآمرهم للإستيلاء على السلطة في تلك البلدان.

والجميع يعلمُ كذلك من أين جاءت الأموال التي أنشأ بها الترابي وجماعته مؤسساتهم المالية والإقتصادية والدعوية التي كانت بمثابة المقدمة الحقيقية لتطبيق “إستراتيجية التمكين الكبري” التي تُوِجَّت بالإنقلاب العسكري.

ختاماً نقول : يعيشُ بلدنا المنكوب في محنةٍ كبيرة, ومأساة متعددة الأوجه, و يتمثل أحد مظاهر هذه المحنة وتلك المأساة في بروز “قيادات” مجازية لا تتمتعُ بأية صفة من صفات القيادة الحقيقية, ولكنها ظهرت نتيجة لحالة الجمود و الإنحطاط العام التي وسمت الأوضاع الإجتماعية والسياسية بسبب طول العهد بالإستبداد.

ولا حول ولا قوة إلا بالله