عبد الله الشيخ أخشى ما نخشاه، أن يكون الاعتداء الذي وقع على زميلنا الصحفي هيثم كابو، في مسائية خيمة الصحفيين، قد جاء في سياق "الدعشنة" التي تسود الأوساط "الزيتونية" هذه الأيام..!

 بل أخشى ما نخشاه، أن يكون ذلك الإعتداء، ذو علاقة بأي كيان، من كيانات التديُّن العديدة التي تحتشد في  هذا السودان..! فنحن على يقين، بأن دراويشنا، إذا تم تحفيزهم و” قاموا”، فإنّهم  من شاكلة “دخلوها وصقيرا حام”..!

نحن على يقين بأن نار الدروشة، التي أشعلها المهدي في القرن التاسع عشر، أي قبل مائة عام ونيف، لا يخفى تسعُرها.. فاحذروا دراويشنا، إذا أصابتهم ” الهلّا هلّا “، فإنّهم إذا ما خرجوا في ذلك السبيل، فإنّهم سيتجاوزون الحدود الوهمية التي رسمتها أحذية الجنرالات..! فالدنيا أصلاً مُكركِبة، ونحن ــ بالضبط كِدا ــ نعيش في قلب نيران التطرُف، حيث أن بوكو حرام تتواجد بغضّها وغضيضها، إلى الجنوب من بلادنا.. وفي غربنا الحبيب إستبقت القوى الدولية “يوناميدها “، بينما تسيطر ميليشيات لا حصر لها ،على  أقاليم دولة القذافي المتصدِّعة.. وفي الشمال، فإن الشياطين الـ “13 ” ومعهم بقية العفاريت، يخوضون معركتهم اليائسة ضد الدولة العميقة، بينما تدور في جهة الشرق، رحى الحرب ضد الحوايثة..!

أما هنا ، فإن آلة التجنيد قد أفلحت في تفويج عدد لا بأس به من المتدعشنين إلى مقر دولة الخلافة.. .. ولن نخوض في هذا الباب.. .. فقط نشير إلى أن هناك دوافع ، تؤجج سوق الدّعشنة بين المتميزين من أولئك الشباب، وهي التي تدفعهم إلى تفضيل الدعشنة على امتحاناتهم المصيرية في الكلية..!

هناك دوافع، يجب أن تكتشفها جهات الاختصاص..!

 أما مناخنا العام حتى هذه اللحظة، فلا خوف عليه ..اطمئنوا، اطمئنوا .. هذه البلاد محروسة إذا حسُن الأداء السياسي..هذه البلاد، سيظل التطرُّف الديني فيها مجرّد ظاهرة..مجرّد تلقيحة إعصار، تأخذ فورتها ثم تختفي.. والسبب في ذلك، أن البيئة الاجتماعية لا تسمح باستشراء مثل تلك المفاهيم هنا.. فلو كانت هذه البيئة الاجتماعية تسمح باستشراء التطرف، لكان السودان، من بعد المهدية، ومن بعد “هؤلاء”، في عِداد المفقودين..!

هذه بيئة متسامِحة، يختنق فيها التنطُّع الفقهي و ينهزم  فيها التزمُّت الديني،،ولولا أن نفراً من الأدعياء، قد ساق هذه السماحة السودانية ، إلى مذبح المناورات السياسية، لكنّا اليوم أصفى بلد في هذا العالم..!

و من المفارقات المُضحِكة، أن السودانيين وبعد تجربة القهر الطويلة بإسم المُقدّس، قد بدأوا يستوعبون طرافةً في أصل الحِكاية، ويستوحون مِن بلواهم  التاريخية تفاصيل “التريقة” على كافة المُتدعشنين، قُدامى ومُحدَثين..!  فقبل ظهور ناس “الدّقينات”،على الهيئة التي قلبت حياة أهل الشرق إلى جحيم، وصل مغترب سوداني لمعاودة أُمّه، في قريته النائية عند أطراف بلاد النوبة الشمالية، حيث لا يوجد غير حفنة قليلة من الشباب، تمّ إستبقاؤهم خصيصاً هناك، لحفر قبور العواجيز من رجال ونساء..! يبدو أن ذلك المُغترب قد فارق قواعد السياق، وتدعشن مع طول المُدّة ، فما أن جاء إلى قريته حتى قرر تجنيدها ، و “بلّشْ يحكي” ضد المعتقدات والمورثات السائدة، وأخذ  يُلِح على ضرورة منع الاختلاط، وإلى فصل الرجال عن النساء، إلخ إلخ…! كان أهله يعترضون عليه قائلين: وطيِّب/ وتيِّب، مين اللي هيجيب الفطور في الجنينة..؟ مين اللي حيزرع اللوبيا..؟ مين اللي حيمشي الطاحونة..؟ مين اللي حيحلب الغنم..؟!

 قالوا له الكثير، ولم يعرفوا معه صرفاً ولا عدْلاً.. و في ليلة عودته إلى غربته المُتدعشنة، تجمع الأهل لوداعه كالعادة مع كل المسافرين.. بدأ الحديث شفيفاً ،حتى وصل إلى تفنيد دعواه بدعشنة البلد..ولما غلِبوا الحيلة في إقناعه، قال له أمام الجّامِع :” يعني أيه إختلاط..؟ يعني نفيسة أُمّك دا، لو إنزلق في البحر، ما نجرّوا نمرقو، وننتظرك لحدي ما إنت تجينا راجع من الهَليج / الخليج ، واللّا أيه”..!؟

وما أعظم غضبك يا شعبي، فأنت الوحيد، القادر على هزيمتهم ..!