خالد فضل ضجت منتديات السودانيين الالكترونية بحوارات كثيفة منذ الاسبوع الماضي , على خلفية الكشف عن مجموعة جديدة  سافرت الى تركيا بغرض الالتحاق بتنظيم الدولة الاسلامية (داعش) من الطلبة الجامعيين في جامعة العلوم الطبية والتكنلوجيا

المعروفة في الأوساط الشعبية والاعلامية السودانية بجامعة مامون حميدة , نسبة الى صاحبها البروفسير مامون حميدة , المستثمر الكبير في الحقل الطبي ووزير الصحة في ولاية الخرطوم , ساد حوار حي وموضوعي في غالبه تناول المسألة من جوانب عديدة , ذلك أنّ مناخ الحرية في التعبير الذي تتيحه وسائط الاتصال الحديثة يمكّن كل صاحب رأي من طرح رؤيته وفي النهاية لا يصح الاّ الصحيح كما يقال , وبنظرة  سريعة بين حجم التداول الالكتروني وبين التداول والتفاعل الطبيعي داخل السودان  يلحظ المرء بغير عناء الأثر الواضح لغياب حرية التعبير والنشر داخل السودان عبر الصحافة وأجهزة الاعلام المسموعة والمرئية  على حيوية النقاش والحوار , فالمصادرات الأمنية طالت أكثر من صحيفة حاول محرروها الخوض في هذا الموضوع , والتعتيم هو سيد الساحة لدرجة أجبر فيها الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية السودانية السفير علي الصادق على نفي حديث نسب اليه في مطار الخرطوم وهو في غمرة انزعاجه الأبوي بسفر كريمته الطالبة في كلية الطب بالجامعة المار ذكرها ضمن المجموعة الأخيرة .

وهنا تتجلى واحدة من محطات التأمل والتوقف لسبر ظاهرة داعش وأخواتها , ويغوص النظر عميقا ليس الى البيئة السياسية والثقافية في السودان فحسب أو داخل أسوار جامعة مامون حميدة منفردة , بل يتعداها الى منظومة البلدان الاسلامية كلها خاصة في منطقة الشرق الأوسط وافريقيا . والى النظر في القدرة الهائلة على الرغبة في تدمير العالم وهدم الحضارة الانسانية كلها باعتبارها أوثان وأصنام تعبد من دون الله , وبصورة خاصة يمكن النظر الى اصحاب المذاهب  السنية بصورة أكثر دقة ضمن هذه المنظومة , فالمذهب الشيعي على علاته وارتباطه الروحي بفكرة هلامية عن الامام الغائب وولاية الفقيه الاّ أنّ التجربة الايرانية مثلا  تمتلك حيوية تتفوق بها على سكون جميع البلدان الاسلامية السنية , فهناك ململة ظاهرة وميل وشروع علني ومناداة جهيرة بل خوض غمار التنافس من جانب الاصلاحيين الذين يتحدون المسلمات السائدة ويطالبون باعادة النظر فيها ومن ضمنها مسألة ولاية الفقيه ذاتها , كما تعيش ايران منذ الثورة الاسلامية 1979م والتي اطاحت بالنظام الامبراطوري السابق في حالة استقرار سياسي نسبي وتجرى انتخابات رئاسية وبرلمانية ساخنة في بعض الدورات وبصورة منتظمة , كما تخوض ايران مواجهة جادة وصارمة مع الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص حول برامجها النووية , يصحب ذلك استقرار مستويات المعيشة والتقدم العلمي والصناعي والزراعي والمهني بما لا يمكن مقارنته بأي من دول المنظومة السنية , ربما الاستثناء تركيا التي تعتبر الى حد ما نصف اسلامية ونصف غربية .

كذلك من الملاحظات الجديرة بالتوقف هو نشؤ وتطور الحركات الراديكالية والموسومة بالارهاب الفكري والمادي وسط المذهب السني دون الشيعي , وحتى حزب الله اللبناني الذي صنّف في بعض الأوقات كمنظمة ارهابية من جانب الغرب نجد طغيان الجانب السياسي في هذا التصنيف أكثر من كونه حقيقة منظمة ارهابية ولعل صموده المذهل واجباره لاسرائيل على التراجع مرارا هو السبب وراء ذلك التصنيف الغربي له , بينما في المقابل صاحبت نشؤ الحركات السنية المماثلة شبهات الارتباط بالمخابرات الامريكية والبريطانية كحركة الأخوان المسلمين المصرية التي يشاع على نطاق واسع أنها صنيعة بريطانية , أمّا حركات المجاهدين الأفغان فلا يخفي ارتباطها بفترة الحرب الباردة والتغلغل السوفيتي الشيوعي في افغانستان , ومن ثمّ ظهرت القاعدة وطالبان وغيرها من حركات جهادية ليست بعيدة عن حاضنة المخابرات الغربية حتى بلوغ مرحلة حركات القرن الحالي من داعش الى النصرة وغيرها , وكل هذه الحركات تنحدر من المذهب السني بما في ذلك بوكو حرام النيجيرية , وجماعات التكفيريين الوهابية .

 هنالك علة في هذا الوسط المذهبي الاسلامي , وهناك ضمور واضح بل غياب تام لتقبل مجرد اطروحات اصلاحية تجعل من الممكن مواكبة روح العصر وزمن التقدم العلمي والتقني الرهيب , ولهذا يصدم ناشئة الأجيال من الذين نشأوا وترعرعوا في مظان التقدم البشري العملاق في الغرب بواقع تكلس فكري فظيع تعاني منه مجتمعاتهم الأصلية في بلدان الشرق ويعبرون عن هذه الصدمة القوية بالالتحاق بركب التدمير دون هدي , فلو سألنا أحد هولاء الشبان عما يقصده ببناء الدولة الاسلامية أو إعادة زمن الخلافة الراشدة لما استطاع الاجابة خارج نطاق برنامج بناء الدولة الحديثة سيقول فقط يريدها اسلامية , كيف ؟ لا يسعفه الخيال ولا تمدّه التجربة السنية البائسة بأي نماذج مع الأسف وهنا يقع التخبط والبلبلة , فنظرة الى بلدان الثراء النفطي في شبه الجزيرة العربية والخليج يجد مجتمعات راكدة في أغلب شؤونها يتداول حكمها ملوك وأمراء وأسر منذ نشأتها وحتى الآن , وترتبط فيها مؤسسات الدين الاسلامي على المذاهب السنية المعروفة بالحكم وفق نظرية التبعية المطلقة ومهمتها الوحيدة هي التبرير لما تفعله السلطة واضفاء ورقة توت شرعية  زائفة على الأخطاء الجسيمة في حق الانسان وحق الاسلام نفسه , ثم يعيد الكرّة مرة أخرى فيجد انظمة قمع واستبداد وتنميط غير ما عهد في بلد نشأته الغربي , فتزداد غربته ويتوسم المثال في داعش والنصرة وغيرها .

ويجدر ملاحظة أن ثلّة من النابهين والأذكياء من غير القادمين من بريطانيا والغرب عموما انضموا لحركات مشابهة لداعش , أعرف أسرة تربطني بها علاقة اسرية فقدت اثنين من ابنائها النجباء من خريجي جامعة الخرطوم وفي أعرق وأرفع كلياتها , أحدهم فقد في الصومال والآخر راح ضحية مواجهة عسكرية مع قوات الأمن في حظيرة الدندر , وأعرف شابا آخر فقدته أسرته قبل بضعة أشهر حتى ظهرلهم عبر اتصال هاتفي مقتضب يفيدهم بأنّه بخير والراجح أنّه في ليبيا , وبكل تأكيد يعرف القراء الأعزاء نماذج عديدة ,فليس الأمر مسألة فقراء تم اغرائهم بالمال كما درجت بعض الحركات الاسلامية على ذلك (كالحركة الاسلامية السودانية)أو جمعيات تحت غطاء  البرتابعة للحركات السلفية  وجماعة الاخوان المسلمين وغيرها , الأزمة في تقديري أزمة سيادة جزئية (قاتلوا المشركين ) وهي مدعاة لخلق مشرك من داخل الملّة نفسها (جماعة الخليفي وعباس الباقر) كنماذج عندنا في السودان ناهيك عن آخر مختلف دينيا أو مذهبيا , ومع غياب أسس ل( وفي أنفسهم أفلا يبصرون ) التي تقود الى التأمل والتفكير وما يتطلبه من حرية كاملة وبالتالي الوصول الى خلاصات تعلي من شأن الحياة البشرية وتجعل من الممكن العيش مع الآخر المختلف والتقدم خطوة أكثر جرأة للاسهام في جعل هذا العيش ممكنا وهذا لا يأتي من السماء بل يبدعه العقل الانساني هنا في الأرض , وحتى بلوغ تلك المرحلة سيظل الوباء منتشرا يسمم جسد العالم كله , ويتبع ذلك اجراءات وقائية من حق الآخرين اتباعها في هذه الحالة ربما تبلغ مداها بعودة الاستعمار عديل للبلدان التي تفرخ الارهابيين ويبدأ الموال من أول جديد وفق نظرية ساقية جحا  !