رشا عوض إن وقوع الشباب المسلم فريسة للأفكار المتطرفة واستبساله في الالتحاق بالتنظيمات الإرهابية مثل داعش وأخواتها، مشكلة مركبة ومعقدة، وأكبر من ان يستطيع مواجهتها الآباء والأمهات.

 ولذلك عند تناول هذه المعضلة يجب الابتعاد تماما عن توبيخ الآباء والأمهات ولومهم على تقصيرهم وغفلتهم، لأن مطالبة كل أب وأم باكتساب المقدرة على تحصين الأبناء والبنات من داعش واخواتها لا يختلف كثيرا عن مطالبة كل أب وأم بأن يكون مختصا في طب الأطفال مثلا، حتى يستطيع بنفسه معالجة أطفاله من الأمراض الخطيرة !

المنطقي هو مطالبة الآباء والأمهات بمعرفة قواعد الرعاية الصحية الأولية ومراقبة صحة أطفالهم، وعندما يمرض طفل مرضا فتاكا ان يسرعوا به إلى المستشفى! فإذا انعدمت المستشفيات أو انعدم الأطباء الأكفاء في المدينة وسائر أرجاء البلاد ومات الطفل نتيجة لذلك فلا لوم عليهم ولا منطق في توبيخهم واتهامهم بأنهم قتلوا طفلهم لأنهم لم يدرسوا الطب ويتمكنوا من علاج طفلهم بأنفسهم! في هذه الحالة يجب البحث عن أسباب موت الطفل  في”المجال العام” بمكوناته المختلفة.

إن نقطة البداية في تحصين الشباب المسلم ضد داعش وأخواتها، سواء كان هذا الشباب مهاجرا في الدول الغربية أو مقيما في أوطان المسلمين، هي إدراك حقيقة ان لهذا الشباب احتياجات روحية وأشواق معنوية، وتطلعات لتحقيق “الذات الفردية” ممثلة في “الفرد المسلم صحيح الإسلام” الذي لن يكتمل إسلامه ويصح إلا  من خلال بناء “ذات جماعية” ممثلة في “الأمة الإسلامية” التي تختلف عن كل أمم الأرض وتستعلي عليها بقيمها الخاصة ونظمها الخاصة في كل مجالات الحياة، وواجب هذه الأمة ان تهيمن على الجميع باعتبارها على الصراط المستقيم والعقيدة الصحيحة الوحيدة المرضي عنها من الله، إن هذه الفكرة وبهذا التبسيط الذي أرجو ان لا يكون مخلا هي القاسم المشترك بين كل من يهاجرون إلى داعش أو جبهة النصرة أو أي تنظيم متطرف، ليس هذا فقط بل هي فكرة كامنة في عقول كثير من المسلمين العاديين.

     ، وفي ظل ما تكابده مجتمعاتنا من أزمات اجتماعية وسياسية واقتصادية حادة، وما تعانيه فكريا وثقافيا  من انحسار مريع لتيارات العقلانية والتنوير، فإن الشباب المثقل بأعباء هذا الواقع المرير سوف يبحث عن إشباع تلك الاحتياجات والتطلعات وتجسيد تلك الفكرة(فكرة تحقيق الذات)  فيما هو متاح أمامه من  الأطروحات التبسيطية التي ترهن “الخلاص الدنيوي والأخروي” بمبايعة هذا أو ذاك من الأمراء ثم إرسال العقل الى إجازة مفتوحة لعدم الحاجة إليه حيث يكمن “الخلاص” في الطاعة العمياء ل”ولي الأمر” خليفة كان أو أميرا أو مسؤولا في التنظيم “الإسلامي” المعني.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ما هو البديل الذي أعددناه لأطروحات “داعش وأخواتها”؟ لا سيما ان الإجابات التي تقدمها “داعش” لسؤال الدين ودوره السياسي والاجتماعي هي إجابات مؤسسة على نصوص قرآنية وأحاديث نبوية وفقا لقواعد فقهية وتفسيرية تجد القبول لدى عامة المسلمين، وبالتالي فإن الأسئلة الملحة التي تؤرق الشباب المسلم وعلى رأسها السؤال المركزي:”كيف تكون مسلما صحيح الإسلام” وما يتفرع عنه من أسئلة على شاكلة: “كيف تنشئ كيانا سياسيا واجتماعيا للمسلمين وكيف يتعامل هذا الكيان مع الآخر وما هو وضع المرأة وغير المسلم في إطاره؟ وما موقفه من تطورات الحياة المعاصرة ومفرداتها من ديمقراطية وحقوق إنسان ونظم سياسية وإدارية واقتصادية  ” هذه الأسئلة لها إجابات جاهزة لدى داعش، وتجاوز تلك “الإجابات الداعشية” يحتاج إلى مخاض فكري عسير، وقد تناولت ذلك بالتفصيل في مقالة منشورة بهذه الصحيفة بعنوان”المسلم الحيران ومأزقه مع داعش والقاعدة وطالبان” حيث خلصت إلى أننا لن نتجاوز داعش إلا بتأسيس”نمط تفكير” جديد يتعاطى به المسلمون مع دينهم ومع تاريخهم، وتأسيس “فلسفة تدين” جديدة تجعل عقل المسلم المتدين مشغولا على الدوام  باستكشاف المعاني والقيم الكلية للإسلام، بالبحث عن الغايات والمقاصد النهائية له واستخلاص مضامينه الأخلاقية ، بدلا من الغرق في الأحكام الفقهية الجزئية والتوهان بين أقاويل الفقهاء والمفسرين والمحدثين، ورد الاعتبار للفلسفة وللعقلانية، في سياق استنارة “مقدامة غير هيَابة”  

وإلى ان ينجح المسلمون في العبور إلى تلك الضفة بعد أن يدفعوا استحقاقاتها، ستظل داعش متربصة  بالأبناء والبنات، وسوف تنجح كل يوم في اصطياد أحدهم أو إحداهن.

 ولا ذنب للآباء والأمهات في ذلك، فليس منطقيا أن نطالب كل أب وكل أم بأن يمتلك قدرات نوعية في المناظرة الفكرية والهزيمة المنهجية لفكر مستوطن ومتمكن من العقول لمئات السنين، وحتى لو امتلك الآباء بعض المقدرة على المحاججة فإن الأبناء في مراحل المراهقة والشباب لديهم نزعة قوية للاستقلال بشخصياتهم ومن أهم وسائل ذلك اكتسابهم لمعارف جديدة من المدرسة أو المسجد ومن ثم  تبنيهم لمواقف مختلفة مع آبائهم.

وان قلنا إن دور الآباء في مواجهة معضلة داعش بشكل خاص والتطرف الديني بشكل عام ينحصر في منعهم لأبنائهم من الالتحاق بالمدارس والمعاهد الإسلامية ومنعهم من حضور الدروس والمحاضرات في المساجد فهذا أيضا ليس حلا، لأن “سؤال الدين” سيظل حيا في نفوسهم ولن يتوقفوا عن البحث عن إجابة له! فقد أثبتت التجارب أن قمع سؤال الدين ليس حلا، وتجاهله أيضا ليس حلا فماذا يفعل الآباء؟

عندما يحتاج ابنك للعلاج تذهب به إلى المستشفى وعندما يحتاج للتعليم تذهب به الى المدرسة وعندما يحتاج للترفيه تذهب به إلى الحدائق والمنتزهات، ولكنه عندما يحتاج إلى إشباع حاجاته الروحية لن تعرف إلى أين تذهب به؟! لأن “داعش” كامنة في مناهج التربية الإسلامية في المدارس حتى في الدول العلمانية! وفي خطب المساجد! وفي عشرات ان لم يكن مئات الإذاعات والفضائيات! فما العمل؟

إن هذه المعضلة تستوجب حلا بمستوى تعقيدها،   بان ينتظم مفكرون ومثقفون وتربويون وسياسيون ومختصون في علم النفس والاجتماع من أجل التخطيط لاستئصال التطرف والأفكار الإرهابية وتجفيف منابعها وهذه مهمة عسيرة ومحفوفة بالمخاطر، كما تستوجب إصلاحا تعليميا شاملا بحيث يكون النظام التعليمي بمناهجه ومناشطه محفزا لتشكيل العقلية النقدية ورافدا من روافد الاستنارة ومعززا لثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان والاحتفاء بالتنوع.

 وهذه مهمة تاريخية أكبر من الآباء والأمهات، ولها جبهات عمل متعددة، وإلى ان تكتمل هناك حاجة ماسة لحلول إسعافية تساعد الآباء على تحصين أبنائهم من داعش.