خلف الله عبود * جلسنا منذ الخمسينيات وبعضنا منذ الستينيات وحتى السبعينيات على مقاعد الدراسة في الخلوة ثم المرحلة الإبتدائية ثم المرحلة المتوسطة ثم الثانوية ثم الجامعة، ولم نسمع بحفلات التخريج إلا في نهاية المرحلة الجامعية 

ووفق تقاليد راسخة ومنسجمة مع هذا المستوى الذي وصل إليه الطالب، بعد مجهود كبير، وبصورة لا إرهاق فيها لأحد… لا للطالب الخريج ولا لأولياء الأمور ولا للجامعات، رغم أن التخريج طوال سنوات الماضي لم توضع تكلفته على أكتاف الطالب، وإنما هي موازنة سنوية عادية من حصة الجامعات في الميزانية العامة للدولة… ولا نريد أن نعدد أوجه النظام والمؤسسية التي يتم بها التخريج السنوي للطلاب، ولا نريد أن نفاخر بالمستوى الرفيع الذي كان ينتظم جامعاتنا في الماضي وقبل حكم هذا (الإنقاذ)، والذي تحول فيه، الآن، كل شيء إلى اللامعقول….

أما تخريج الطلاب الآن فقد أصبح شيئا مثل حفلات العرس، لايمت للقيم التربوية بشيء، وبدلا من أن يكون حفلا رسميا بضوابط تليق بالمستويات العالمية للخريجين نجده حفلا لا يختلف عن حفلات الصالات الصاخبة … ويتم بإشتراكات يدفعها الخريجون تزداد مع ازدياد مستوى الحفلة ومستوى مطربيها!!!… وقد علمنا أن هناك تقايعات غاية في الغرابة وهي ما يسمى ب (جنة الخريج والخريجة)… من كان يتصور أن يقوم خريج الجامعة بتلوين يديه أو رجليه بالحنة ليكتمل تخريجه؟… أليست هذه من المهازل؟

أما البدعة الغريبة والتي خرجت بها رياض الأطفال فهي تخريج أطفال الرياض بصورة تشبه تخريج الجامعيين فتلبسهم الكاب والروب الجامعي المشهور… وبدلا من أن تكون حفلات ختام سنوات الرياض  صغيرة تليق بمستوى الأطفال، صارت حفلات كبيرة وكأن هؤلاء الأطفال خريجون جامعيون، بل أكثر من ذلك، فهذا التقليد يوحي للطفل بأنه قد أكمل تعليمه كاملا وليس له ما يرهق نفسه في طلبه بعد ذلك. أضف إلى ذلك ماتقرره إدارة الروضة من مبلغ ضخم يفوق الـ”ستمائة” جنيه أحيانا نظير مشاركته في الحفل… وهو مبلغ غالبا ما يفوق طاقة أولياء الأمور ولكنهم يظلون مرغمين على توفيره على حساب ضروريات الحياة الأخرى، حتى لا يصاب أطفالهم بالإحباط وهم يرون اقرانهم يدفعون كل ما تطلبه الروضة من مصروفات… أما مصروفات الرياض فانها تقدر بالملايين في السنة الواحدة، مما يضاعف معاناة أولياء الأمور…

جاء في صحيفة الوطن بتاريخ 10/3/2015 مايلي: “إصابة طفلة روضة بهستيريا بسبب حرمانها من التخرج بسبب الرسوم”!!! وكم غيرها ياترى أصيب بالإحباط وضيق ذات اليد بعد أن أقعدت الفاقة ولي أمرها عن الوفاء بمبلغ يحتاجه أولاً لإطعام أطفاله قبل أن يلبي ضروريات تخريج ابنته من الروضة؟.

إن المبالغة في حفلات التخريج لأطفال الرياض، إنما هي نوع من الدعاية للروضة وجذب الأطفال إليها بغية الحصول على أكبر عائد مادي من هذا “البزينس”… ويتم هذا على حساب طاقة أولياء الأمور، ويعزف أصحاب هذه الرياض على عواطف الأطفال الأبرياء الذين لايعرفون غير رغباتهم.

وأخيرا فإن أصحاب هذه الرياض يعرفون تماما من أين تؤكل الكتف، وقد أعطتهم وزارة التربية اللقمة السائقة في قرارها العجيب بعدم قبول تلاميذ مرحلة الأساس في السنة الأولى إلا بشرط الحصول على (تخرج) من الروضة!!! فتناول أصحاب الرياض القفاز من الوزارة ورقصوا على معاناة الأسر…

 ألا يمكن أن يكون طفلي قد دخل الخلوة وتعلم فيها تعليما يؤهله لبداية التعليم الأساسي، والذي هو يشتمل على أبجديات التعليم؟ … والحق يقال أن مرحلة ماقبل المدرسة، المطلوب منها أن تعد التلميذ للتعود على الدراسة في مرحلة الأساس، وأهمها ألا تكون المدرسة غريبة بالنسبة له…. وأكثر من ذلك، فإن كثيراً من الأسر يعلمون أطفالهم قبل سن المدرسة الكثير من السلوكيات الحميدة مما يجعلهم قادرون على التفاعل مع المدرسة بسهولة ويسر.

وإذا كانت وزارة التربية حريصة على أن يأتي الطفلِ لمرحلة الاساس، وهو قد مر بمرحلة رياض الأطفال، فلماذا لا تعمم الرياض الحكومية القليلة جدا على كل الأحياء؟.

ولا نريد أن نعلق على مجانية التعليم  (المعلنة رسميا) والتي هي وجه العملة الآخر لإلزامية التعليم… فمن الغريب أن تدعو الدولة لإلزامية التعليم دون أن تحقق مجانية التعليم، فإجبار ولى الأمر لإلحاق إبنه أو ابنته بالمدرسة وهو غير قادر على مصاريف تعتبر باهظة بالنسبة له، فهو ظلم واضح… وتعلم الوزارة جيدا أن تلاميذا يطردون من المدرسة لعدم سداد مصاريف هي أصلا غير قانونية، ولكن إدارات المدارس تستخدمها لسد النقص المريع في حصة المدارس التي لا تأتي من المحليات أو تأتي ناقصة.

* مختص التربية الفنية البيئية

khabboud@gmail.com *