عادل العفيف مختار إختلف الناس معهم في طرحهم، وإتفقوا معهم في سلوكهم ورفعة أخلاقهم ، وأمانتهم وصدقهم. هم نتاج تربية قويمة ونتاج معلم بارع وأستاذ عبقري. عرفناهم بأخلاقهم فلم نجد من بينهم طعاناً، ولا لعّاناً ولا غمازاً، ولا فاحشاً ولا بذيئا. 

يحترمون خصومهم، يجادلون معارضيهم وقلوبهم لا تحمل لهم كرهاً او غلاً أو بغضاً . حفظوا وصية معلمهم عندما أوصاهم بلقاء أحد النافذين في عهد نميري، بأن لا يحملوا له بغضاً وهم يجادلونه. كل تاريخهم مشّرف وليس فيه ما يخجل. تصالحوا مع أنفسهم فتصالحت الطبيعة معهم. عملوا بما علموا، فاورثهم الله علماً لا ينضب.

   حادثة حدثت لي اليوم إستفزتني وجعلتني أسطر في حق مقامهم الرفيع هذه الأسطر. وهي أن جاءني في مكتبي أحد الزملاء، وكنت ساعتها مشغولاً بمراجعة بعض إجابات الطلاب، سألني إن كنت أعرف شركة في السودان تقوم بتشيّد  منزل ذو طوابق ثلاث، لم أفكر كثيرا ورددت بأن لنا تجربة مع بعض المهندسين، ولو قلت لك من هم سوف تصرف النظر عن الموضوع بأكمله، وذلك لأني أعرف أن له موقفا غير إيجابي تجاههم. قلت أن المهندسين الذين سوف يشيدون منزلك هم من الجمهوريين، معتقداً أن تلك إجابة كافية  ومختصرة تجعله علي الأقل يغادرني، ويجعلني أكمل مراجعة أوراقي، فإذا به يسحب كرسيا ويجلس قائلاً ” أنا الان أكثر إطمئناناَ”، مردفاً ” هؤلاء من أصدق البشر”

   الأشجار الطيبة المباركة تعرف بثمارها، والغرس الطيب لا يعطي إلا ثمراً طيب. لقد رأينا غرس محمود متمثلاً في تلاميذه، نجابة ونباهة، وصدق وأمانة وحلو حديث، أي رأينا الإسلام مجسدا فيهم ويمشي بقدمين. رأينا ذلك في سعيد الطيب شايب، وعبدالله النعيم، واحمد المصطفي دالي والنور حمد والقراي واسماء محمود. أماجد وماجدات يفخر بهم المرء، سيرة ناصعة مشرقة تجعل النفس تتقمصها روح الفرزدق، وتنادي مفاخرة “أولئك آبائي فجِئني بمثْلِهم ــ إذا جَمعتنا يا جريرُ المَجامِعُ”.

   عند تشييع الاستاذ سعيد الطيب شايب، خرجت مدينة ودمدني وماجاورها في موكب مهيب، كان إستفتاء صادقاً في شعبية الرجل والجمهوريون، كشف مدي الحب الذي يحمله أهل السودان لهم. حب أثار صاحب النفس غير المطمئنة، القلقة السوداوية ،علي عثمان محمد طه، فعلق بتلك الكراهية المتأصلة في دواخله قائلاً :” أن هذا الموكب المهيب لم يكن لأنه جمهورياً، بل لأنه متواصل إجتماعياً مع كل قطاعات المجتمع” وليته أدرك، وهو الداعي إلي الإسلام أن التواصل الإجتماعي هو الإسلام في قمة تجلياته.أنه يثبت الفضل لسعيداً، من حيث أراد أن ينفي. إن كان لا يعلم فإنا نذكره بما ورد في الأثر ” احب الناس إلي الله انفعهم للناس”. ولا أخال اننا بحاجة لتذكيره بالحديث” لئن يمشي أحدكم في حاجة أخيه، خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا”.

   قال الشهيد  الأستاذ أن الإنسان الصالح تألفه الوحوش، وهذه الإلفة مصدرها نفس المألوف، وخلوها من كل شرور النفس البشرية، لقد رأيت في عام التنفيذ وأنا وقتها لا أدري شيئاً عن الجمهوريين ، في أحد بيوت الاخوان في الثورة الحارة الرابعة، أن هناك رجال شرطة يحرسون بيوت الأخوان، فيما يشبه الإعتقال المنزلي، لكن الشي الذي لفت إنتباهي وأثار إستغرابي، هو أن هؤلاء العساكر وضعوا  أسلحتهم علي الأرض وهم مستلقون علي الأسرة، ويأكلون مع من يفترض أنهم أعداء. ليس هذا فحسب، فقد تغير سلوك هؤلاء الحراس من الغلظة المألوفة لديهم، بل تغير نمط حياتهم وطريقة حديثهم، فقد أدركوا أن هؤلاء القوم غير ما تقول به سلطتهم الحاكمة حينها. لم أسأل وقتها ربما لصغر سني وعدم إدراكي الكافي، لكن بعدها علمت أن النفس الراضية المطمئنة المتصالحة مع ذاتها ومع الاخرين ومع الطبيعة من حولها، تستطيع كسب إلفة حتي الوحوش الضارية، وكان لسان حال أولئك الحراس يقول :”ياليت قضاة النار، من مكاشفيهم وحاج نورهم ومهلاويهم يدركون”..

عادل العفيف مختار

محاضر بالرياض

adilafifi@hotmail.com