خالد فضل    سيكون حكم القاضي في تلك المحكمة بمدينة أم درمان بجلد ثلاثة من القياديين في حزب المؤتمر السوداني , وصمة عار أخرى تضاف لوصمات تلطخ كل جسد سلطة الارهاب الانقاذي الاسلامي في السودان. 

لا وصف يليق بتلك الواقعة التي تشهد السودانيين أولا والعالم من بعد على مدى الوحشية والانحطاط الذي بلغه النظام المأفون , فعقوبة الجلد المهينة تم منعها بوساطة وزارة التربية والتعليم في حق التلاميذ الصغار لما تنطوي عليه من شبهات إذلال وقسوة , مما يتنافى مع أسس التربية السوية , فكيف بقاض في محكمة وفي قضية سياسية من الطراز الأول وفي مسألة تعتبر من المسلمات في عرف البشر , ومما أقره الدستور السوداني الحاكم إن كان هناك حاكمية لدستور , ومما أقرته شرائع البشر في سبط الحقوق , ومما أقرته الأديان في نصوص الوحي الإلهي , مسألة بداهة الحق في التعبير . فما الذي فعله الأساتذة مستور ورفاقه عاصم وابراهيم من ذنب حتى به يؤخذون الى ساحة المحكمة فيجلدون وليشهد عذابهم طائفة من السودانيين !!لقد مارس ثلاثتهم حقّهم المشروع والمنصوص عليه في الدستور بحرية التعبير عن الرأي , ونشر الأفكار , ومقارعة الحجة بالحجة ومخاطبة الشعب بالوسائل السلمية المتاحة , فلم يحمل ثلاثتهم بنادق كلاشنكوف أو راجمات , لم يمتط أي منهم ظهر ذات دفع رباعي تجلجل فوقها الدوشكا , لم يروعوا آمنا ولم يرهبوا ساكنا ولم يسط أحدهم أو مجتمعين على بنك في قلب السوق نهارا جهارا , لم يدخلوا الى قاعة محكمة يرأس قاضيها جلساتها فنزعوا عنوة بعض المتهمين الماثلين أمام القاضي , لم يسلبوا تاجرا ضعيفا رزق يومه وحصالة بيعه وشرائه , لم يغتصبوا فتيات بالمئات ولم يهينوا آباء وأخوان وأخوات , لم يبيعوا معدات منشأة عامة بثمن بخس لأنهم قبضوا العمولات , لم يشلعوا مشروع الجزيرة ويدقوا جرس الدلالة في الحصاحيصا للمزاودة على آليات صنعت خصيصا للمشروع, لم يدخلوا حاويات مخدرات , ولم يجلبوا أسلحة فاسدة للقوات المسلحة كما لم يأكلوا في بطونهم مال الزكوات , ولم يسمسروا في مقتنيات الأوقاف , لم يعذّب مستور ورفاقه المعتقلين في بيوت الأشباح , لم يغرسوا مسمارا في رأس الشهيد علي فضل , ولم يغتالوا التاية أبوعاقلة وزملائها في سوح الجامعات , كما لم يزهقوا أرواح عشرات البشر في معسكر العيلفون للتجنيد الاجباري , ولم يقتنصوا الشرفاء في بورتسودان ولم يوجهوا رصاصاتهم القاتلة للمتظاهرين في أمري وكجبار ولا في شوارع الخرطوم ومدني ونيالا والدمازين . لم يقصفوا بالأنتينوف قرى الآمنيين في ديار الفور والمساليت والزغاوة وفي كراكير جبال النوبة وفيافي النيل الأزرق ورقاع الشرق القصية , لم يجتمعوا للتآمر ضد ارادة الشعب , ولم يخونوا عهد التواطؤ الوطني على الحرية والديمقراطية كخيارأصيل للحكم , لم يدمروا الخدمة العامة تحت زعم الصالح العام , ولم يهدروا الأخلاق والقيم على مدارج التمكين ولم يلوثوا دين الاسلام بروث الظلم والنفاق , إنّ مستور ورفاقه لم يفصلوا الجنوب ولم يفسدوا في المال العام , ولم يعزلوا السودان عن ركب العالم وطريق الازدهار , كما لم يجندوا التكفييريين ولم يأوا الارهابيين , كل ما فعلوه هو قولهم بالصوت الجهير (لا) للظلم وألف (لا ) للقهر فهل القاضي الهمام يناصر الطغاة البغاة ؟ وهل عقوبة الجلد التي ترفضها وزارة التربية في حق الأطفال تليق بالناشطين السياسيين , ترى إنْ  دالت دولة المظالم هذه وهي دون شك الى زوال طال بها العهد أم قصر وجيئ بذات القاضي ليجلد هل سيكون من السعداء ؟ إنّ صاحب هذا القلم وكل صاحب ضمير حي يستنكر تلك الأحكام , وهي أحكام جوهرها الحط من كرامة الانسان , والقانون الذي تستند عليه تلك الأحكام مما يجب ازالته فورا من قائمة القوانين التي تحكم البشر السودانيين , ويمتد الاستنكار لمهزلة محاكمة فتيات مسيحيات من اثنية قبائل جبال النوبة تجرى محاكمتهن هن الأخريات بتهمة ارتداء الزي الفاضح , وهل من فضيحة أكثر من أن تحكمنا عقليات عصور الظلام ! ولابد لهذا الليل البهيم من صبح أبلج ولو بعد حين .