صلاح شعيب أفادت الأنباء أن الدكتور حسن الترابي يعكف على توحيد قوى السودان الوطنية لمجابهة التحديات التي تعاني منها البلاد. وبدءً، ذلك من حقه كزعيم جماعة ظل مؤثرا في السياسة السودانية في البلاد لمدى نصف قرن، سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر،

أما أخلاقيا فمن أولى أولوياته الدينية أن يكف عن استسهال النظر إلى حلول البلاد من زاوية عدم احترام عقول الناس التي ضاقت الويل، والثبور، وعظائم الأمور، من مكره الخادع. فالأسئلة المطروحة التي يحتاج الشيخ الثمانيني إلى الإجابة عنها، قبل الشروع في “استهبال” جديد هي: ماهي الفرص المتاحة أمامه “عمليا” لإنجاز ذلك التصور الذي يعده مثاليا، وهل يسعفه عام لتجسيد المشروع الجديد الذي يضم إسلاميين، وأحزاب طائفية، وبعثيين، وشيوعيين، وكجوريين، كما أعرب عن أمله في رؤية ذلك التحالف واقعا مجسدا قبل رمضان المقبل؟ وهل قدر الدكتور جيدا أن الأزمة تكمن في التفرق الموضوعي لهذه الكيانات الوطنية، أيدي سبأ، أم أن أن القضية الجوهرية تكمن في غياب رجال دولة، وإسلام، حقيقيين يمكن أن يعهد إليهم تحقيق هذه الخطة الطموحة ظاهريا؟ وإلى أي مدى يمكن لهذه القوى التي اختارها الدكتور، والذي ساهم بعضها في الانحدار بموارد البلاد إلى الخراب، أن تساعد على حل أزمات السودان الكأداء؟ وهل يبقى وجود هذه القوى نفسها ضمن “تحالف احتيالي” في المشهد السياسي هو الأزمة بعينها، أم هو تحديدا لقطع سبيل قوى البلاد السياسية التي تنوي اقتلاع الاستبداد من جذوره؟ وأخيرا ما هي معطيات تحليل الزعيم الإسلاموي للأزمة ذاتها قبل أن ينادي بتوحيد أهل البلاد لفك تعقيداتها التي أرقت مآقيه، ولعل رجلا مثله يدرك تماما أن هناك أسبابا عضوية لافتراق الأضداد، ولا تحتاج إلى رسالة دكتوراة لفهمها، والتي جعلت الأمر بدهيا ألا يتوحد هو مع محمد عثمان الميرغني، والصادق المهدي، مثالا؟

إن المشكلة الأساسية التي فات على الدكتور الترابي، أو فوت، فهمها هي أنه هو نفسه كان، وما يزال، يُعد معوقا في النصف قرن الماضية لأي تطور للبلد في اتجاه وجود نظام سياسي راشد يحقق جزءً مما ينادي به الآن. ولعل أمل الترابي في توحيد السودانيين عبر نظامه الخالف يعني ضمنيا أنه لا يأبه لأي تنح ٍ فاضل من جانبه لآخرين حتى يقرروا هم في مصير البلد التي بعثرها. وهذا التنحي، بكل موضوعية، يمثل أمرا ضروريا، ما دام قد وجد فرصته الكافية في إدارة قطاع سياسي فاسد، ومفلس، ثم وجد فرصة لإدارة دولة قادها إلى فشل ذريع في الحفاظ على وحدتها. وأولم يحسب الدكتور أن هناك الآلاف من المثقفين مثله ينتظرون دورهم لتجريب ما لم يجربه، بل ألم ير أن عوامل سنه، والاتهامات بالجرائم التي ارتكبها، وخصوماته، وثأراته، وغبنه، لا تساعد على توطين سنة التوحد السوداني التي ظل الشعب يرغب فيها لرفع كاهل المعاناة عنه منذ ذهاب الاستعمار؟.

بناء ًعلى معرفتنا بعقلية الترابي، فإنه لن يعترف أصلا بأن الحركة التي زرعها في تربة السودان تتحمل المسؤولية الأكبر في هذا الفشل التاريخي الذي يتطلب تسليم البلد لأهله حتى تدار بإرادتهم. ولن يعترف ثانية بأنه ساهم بقسط وافر في قتل طموح الملايين الذين كانوا يرجون وجود نموذج حكم وطني يمنحهم الصحة، والتعليم، والأمن، لا الرفاهية. ولن يعترف بأن استمرار قناعته هو، وتلاميذه، بمنهجه الذي أثبت فشله هو قاصمة الظهر لبلد متنوع مثل السودان. ولن يعترف بأن رجلا مثله ينبغي أن يقدم نفسه طواعية في نظام جديد لا دور، أو وجود، له فيه كي “يتحلل” قضائيا من جملة الاتهامات التي ينتظر المتظلمون رفعها ضده؟ ولن يعترف كذلك بأنه ليس سوى رجل يفتقر إلى التحليل العميق للمشكل السوداني، وضمنيا ذلك يعني أن أي حلول يضعها الآن تمثل نوعا من ذر الرماد في العيون، أو هي بمثابة محاولات جوفاء لإنسان ما تخلق بخلق الإسلام، أو أهل السودان، أو استفاد من تأهيله الأكاديمي في الغرب لاستيعاب أسباب تطوره.

ولعل الشعب السوداني لا يحتاج منه إلى اعتراف، أو من تلاميذه، بأنهم سبب كوارث السودان طوال ربع قرن ماضية، فالاعتراف الذي يعني تأكيد المصداقية في إخلاص  ضميرهم، لن يقدم أو يؤخر شيئا في جهد أبناء السودان العاكفين ليل نهار الآن على التخلص من التركة الثقيلة لمشروع أسلمة الدولة بالقهر، والاغتصاب، والقتل، والفساد. وضف كل الموبقات التي جربها مشروع الترابي في “عشريته” الأولى، وطورها تلاميذه بعده للحد الذي لم يبق هناك شئ منكر لم يرتبط بتسييرهم لشؤون الدولة، أو سيرتهم كحاكمين.

الحقيقة أنه ليس في جعبة الترابي السياسية ـ الفكرية، أو الدينية ـ الفقهية، أي ماثرة، أو منقبة، إطلاقا، في الاعتراف بقدرة الآخرين من بني، وبنات السودان، على معالجة الشائكات من قضاياه بكثير من الحكمة التي ظن أنه وحده يمتلكها، وليس في عقيدته السياسية المنغلقة مجالا للظن أن هناك معايير أفضل لتحقيق تطلعات الشعب في حياة حرة، وكريمة، وقائمة على أسس أخلاقية مستقاة من مواريثهم المعتقدية، وتواريخ تساكنهم، وتثاقفهم الإنساني. فهو ما يزال بفكرة نظامه الخالف يمارس غشه الديني والسياسي معا في ظل هذا الصمت الكئيب لرجال البلد الذين أهينوا، وذلوا، ومرمطت سمعة أسرهم في الداخل، والخارج، وما يزالوا عاجزين أمام حياة الانكسار، والخضوع، لتلاميذه الذين ما ورثوا منه فضيلة إسلامية واحدة تؤرخ لهم.

لقد ظل الترابي منذ ستينات القرن الماضي يحفر عميقا في المشهد السياسي السوداني حتى يستفرد بحكم البلاد، ومن ثم تتأتى له قيادة السودانيين بالقمع، والإذلال، حتى يرضخوا لمشروعه الأيديولوجي البائر، والمبني على تقسيم المسلمين إلى فئتين. واحدة حاكمة لها ما شاءت إن أثرت بشكل فاحش، أو ساقت الناس عنوة بالكرباج، والفئة الأخرى هي المستعبدة التي ما حق لها سوى الإذعان التام لإرادة الأولى التي لا ترى في فعلها فرقا بين إرادة البشر، وإرادة الإله. وهكذا هو الإسلام السياسي الذي نبتت في تربته قوى التطرف، والكراهية، والإرهاب، في أيما دولة إسلامية حتى كادت هذه الدول تفتقد وجودها لصالح القوى التي تتربص بها. والحال كذلك فليس هناك شيئا تقدمه الفئة المُستبِدة للحفاظ على موروثات الدولة، أو تقدمها، سوى شق إرادتها الوطنية، وتجزئة مسلميها، ومسيحييها، وكجورييها، إلى نثارات اجتماعية، وذلك بهدف اغتنام خيراتها، وتوزيعه على من يؤمنون بأن الإسلامويين هم ظل الله في الأرض.

إن قدرات الترابي المعرفية، والأخلاقية، لا تسعفه إطلاقا في تصحيح مشروعه الذي غرس أشجاره وما أثمر إلا هذا القيح السياسي النتن، والذي من آياته، فصل الجنوب، وإشعال الحرب في أطراف البلاد، وسفك دماء أهلها، وجلد النساء اللائي لا يملكون قوات دعم سريع باطشة، وتحطيم المشاريع الانتاجية، وتجفيف مواقع الخدمة العامة من الكفاءات، وكفاءة الخدمة، واستشراء الفساد الذي أنجزه تلاميذ الدكتور باعترافه، وتخريب سمعة البلاد إقليميا، ودوليا، وغيرها من المحن، والكوارث، والمصاعب، التي ألمت بشعب السودان طيلة سيطرة أصحاب المشروع الإسلاموي على مقاليد سلطة البلاد. ولعل الترابي عرف مدى عمق قهر تلاميذه المستبدين للشعب، ولذلك ما استحى من أن يخرج للناس الآن مبتسما ليرسم لهم طريقا للخلاص مما هم فيه. يفعل ذلك وهو الذي أسس بحنكة لتشتيت الأحزاب، وزرع الفتنة في مناطق البلاد، وضرب تجمعات الناشطين في الداخل والخارج. فمشروعه الذي نفذه ما هدف إلا إلى تعجيز هذه الفئات عن إزالة هذه الطغمة التي توطنت في البلاد، وسلمته للمفسدين الذين صاروا يضخون النصائح السياسية، والدينية، والعنصرية، حتى لا ينهال مبنى السودان العتيق على بنيه، وبناته؟. إلى متى يعايش شعب السودان هذا التزييف الديني والسياسي للإسلامويين، وهو لا يتحرك لرد كرامته، وإلى متى يكف الذين دمروا نسيج السودان الموحد من إلقاء المواعظ والنصائح الخادعة؟ وما ـ أو من ـ الذي يسكت الترابي عن استمراء غش أهل السودان، وهو على أعتاب هذه المرحلة الحرجة من العمر، والتي تتطلب التخلي عن منهج التزييف بوصفه الزلفى إلى رب العالمين؟.