عيسى إبراهيم * * أكتب هذا العمود وفي اعتباري هدفان يبدوان - من حيث الظاهر - أنهما متناقضان، الهدف الأول ألا أجرح مشاعر الأسرة المكلومة بفقدها فلذة كبدها، ولا أريد أن أطفف من حزنها فمن حقها أن تحزن، أو أطعن في حسن نية الفقيد في هجرته لما يريد،

فالرب رب قلوب وهو علام الغيوب وله الحكم في الأولى والآخرة، والهدف الآخر لا أريد أن أهدر حق المجتمع في الوعي بما يحيط به من أخطار التطرف والعنف وبشأن الوطن الحبيب، الحرم الآمن، ويتخطف الناس من حوله، ونسأل الكريم أن يواصل حفظه.. 

* يقول ضياء الدين بلال رئيس تحرير صحيفة السوداني (في عموده – ضجة اسفيرية بصحيفة السوداني 27 يونيو 2015): الذين شنوا هجوماً على (السوداني) لنشرها إعلاناً نعى فيه أب ابنه، الذي “قُتِلَ” وهو ضمن جيش النصرة في سوريا. لهم مواقف عدائية ضد كل الحركات الاسلامية من النصرة مروراً بداعش وصولاً إلى فرقة الصحوة الغنائية، وهي في نظر ضياء الدين بلال وجهة نظر متطرفة.. طيب يابلالنا: طيف الرأي ثلاثي الأبعاد في تفريعاته الأولية، عدائي “ودا إنت ما معاهو”، باقي من الطيف “حميمي ومحايد”، إنت “مع ياتو”؟!..

* أورد ضياء تعليق رئيس قسم الأخبار بالصحيفة “ياسر عبدالله”:

1/ “ الإعلان من والد الشاب، ولم يُكتب باسم جبهة النصرة، ولم يُمجِّدْها،”: ونقول لكليهما ضياء وياسر: الإعلان مجَّد – في الحقيقة – جبهة النصرة فايراد الآية القرآنية والحديث النبوي هو تمجيد لعمل جبهة النصرة “المعيب” باعتباره جهاداً في سبيل الله وماهو بذلك!، ومجدها حين وصف رفقاء ابنه بأنهم: “ميامين من أرض الشام..وطن النشامى والماجدات “أرض الوصية””، ومجدها حين قال: “والذي لقي ربه…مع كوكبة من رفقاء دربه من جبهة النصرة”!..

2/ أورد ضياء على لسان ياسر أن الاعلان لم يقدم دعوةً للشباب للانضمام لجبهة النصرة، ولم يدعُ: “للانضمام إليها”، والاعلان دعا – بلا مواربة – للانضمام إلى جبهة النصرة حين أورد القصيدة التي تقول: “هيا فهبوا”، “هيا نلبي”، “فليت قلوبنا أصغت إليه” (يعني أصغت إلى النداء) وهناك الكثير المثير الخطر ومن ذلك أن الإعلان دعا لنا الله أن يرينا الخير، كل الخير في الأعزاء لدينا، وتمامة ذلك في الالتحاق بجبهة النصرة!..

3/ أورد الإعلان: “كان يقول دائماً لشقيقته: خرجنا وفي نصب أعيننا ثلاث: إعلاء كلمة الحق، نُصرة المستضعف، الذود عن أهل السنة المحمدية السليمة”، وفيما ورد يتضح أن عمل جبهة النصرة لا يعدو أن يكون مذهباً سنياً ضد مذهب شيعي “علوي”، وفي طي القول يظهر بوضوح الخلاف حتى بين أنصار السنة أنفسهم، فكلمة “السليمة” التي وردت في حديث الشقيق لشقيقته، يدل على أن هناك أهل سنة محمدية “غير سليمة” في نظره، ومن هنا تأتي الفتنة والشروع في القتال على أديم الدين الواحد، وليس هناك فرق بين “داعش” و”جبهة النصرة” فكلاهما نبت وترعرع على أرض القاعدة، فالجهاد – إذن – ببساطة يكون في سبيل الله لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا المذهب الخلافي!.

* ضياء يقول في عموده سالف الذكر أن صحيفة السوداني تلتزم بسياسة تحريرية متوازنة تراعي بمسؤولية، المصالح العليا للدولة والقيم الاجتماعية المتفق عليها، ودلل ضياء على أن الصحيفة رفضت نشر إعلانات مدفوعة الثمن لأن محتوياتها تتناقض مع تلك المصالح والقيم، وسنرى في سردنا لمضامين الاعلان المنشور في السوداني هل هو متفق مع مصالح الدولة العليا والقيم الاجتماعية المتفق عليها أم لا!:

– جبهة النصرة – في سوريا – لا تعدو كونها مذهباً دينياً سنياً متطرفاً في مقابل مذهب شيعي علويٍّ متطرف، والاعلان في محتواه يؤجج المشاعر الدينية السالبة، فلماذا لم ترفض السوداني نشره؟!..

– جبهة النصرة في حركتها في سوريا تمارس العمليات الانتحارية وتسميها “الاستشهادية”، وما هي كذلك، وتقوم بفرض الشريعة قسراً وعنوةً على مواطني المناطق التي تحت سيطرتها، فهل في ذلك مراعاة لقيم التسامح المجتمعية الراسخة والمتفق عليها في المجتمع السوداني؟، وهل في ذلك مراعاة لمصالح الدولة العليا؟!..

* حقيقة الأمر تحدث معارك طاحنة ودامية بين جبهة النصرة وداعش، وكلاهما سني المذهب ونبت وترعرع في أرض القاعدة، والذي حدث أن “البغدادي” الذي حاز لقب أمير الجماعة عارض أيمن الظواهري ويعتقد بتتويجه أميراً قد أنهى عقم القاعدة الذي دام ثلاث سنوات وعجزت عن تتويج خليفة لرمزها المقتول، فهو بذلك يريد من الظواهري أن يسلم له مقاليد الزعامة، وهي حقيقة معركة على فُتات الدنيا وتنافس عليها لا معركة دينية، وقد ورد الحديث الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وسلم): “إني لا أخشى أن تُشركوا من بعدي ولكني أخشى عليكم أن تتنافسوا على الدنيا”!..

* القسمة التي حدثت بين “داعش” و”جبهة النصرة” في سوريا تجري بلورتها الآن في السودان، وهي السبب في التباس المواقف، ومهما يكن من انطلاء الالتباس على سائر الناس فلا عذر مطلقاً للصحفي الذي هو زرقاء يمامة الشعب، ورد في سودانيزأونلاين:

“في غضون ذلك برز اتجاهان وخطان في أوساط السلفيين الجهاديين في السودان حيال الموقف من ما يجري في العراق وسوريا وربما أدى الأمر في المستقبل القريب إلى حدوث مصادمات مباشرة بين الجناحين بعد وقوع مواجهات ونقاشات حادة بين مناصري داعش من جانب والمؤيدين لجبهة النصرة من جانب آخر الأمر الذي يشير إلى أن خروج موكب الجمعة الماضية الذي قاده الشيخ الجزولي يعبر عن وجه من وجوه الصراعات المكتومة والخفية بين السروريين والسلفيين الجهاديين بالخرطوم في أعقاب الموقف الناقد والهجوم الحاد الذي يمثله دعاة الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة ورابطة علماء المسلمين الذين يقفون في خندق معارضة الدولة الإسلامية ويميلون لتأييد جبهة النصرة وبين شريحة الشباب الداعم لداعش والمناهض لسياسات واتجاهات جبهة النصرة التنظيم المستقل عن الدولة الإسلامية ويكتفي بالقتال في المدن السورية دون غيرها وليست له ارتباطات تنظيمية أو عضوية بالفصائل المقاتلة في العراق.”

 (المصدر سودانيزأونلاين http://www.sudaneseonline.com/board/470/msg/1404564727.html)

* الخطورة لا تكمن (يا ضياء ويا ياسر) في من يموتون في جبهات القتال، ولكنها كامنة في من يبقون على قيد الحياة ويعودون إلى بلدانهم وهم مشبعون بالقتل والسحل، ويفخخون أنفسهم ويفجرونها في بيوت الله باعتبارها مناوئة لمذهبهم، وفي أماكن أخرى، راجين هزيمة أعدائهم، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، فجل عناصر جبهة النصرة عند تأسيسها كانوا من السوريين الذي قاتلوا سابقاً في ساحات القتال مثل العراق وأفغانستان والشيشان وغيرها, ممن لهم باع طويل في قتال الجيوش. وهي مطعمة كذلك بمقاتلين عرب وأتراك وأوزبك وشيشانيين وطاجيك وقلة من الأوروبيين.

* المحيرني إنو الأعلان وظيفة من وظائف إدارة الصحيفة، لا التحرير، وتصدى للدفاع عنه ضياء الدين بلال رئيس التحرير، الزول ملكي أكتر من الملك و”اللا شنو”؟!..  

eisay@hotmail.com *