خالد فضل *هل أرسل علي بن أبي طالب انتحاريين لمعسكرات معاوية؟ * كيف يستمتعون بإبداعاتهم ثم يبيدونهم! * لم يعد أحد من الدار الآخرة ليخبرنا عن هذا....

   تجربة الجماعات السياسية الاسلامية تنضح بالمفارقات , وعلى مختلف مسميات تلك الجماعات (سلفية كانت أو جهادية أو تكفيرية )فهي تتخذ من التكوينات الحديثة نظمها وهياكلها , وتستخدم كل المنتج البشري التقني الذهني والمادي , وتستفيد من براح العلوم الانسانية و التطور المذهل في عالم الاتصالات والمواصلات ومع ذلك تسعى بتصميم شديد على ابادة كل ذلك المنتج الانساني وابادة العناصر البشرية التي ابدعته تحت زعم معنوي بائس مفادة (أنتم الأعلون) كنص حاف دون مقدمات أو حواش أو خلاصات , فإذا ما وضعت هذه العلوية المزعومة على منهج البحث العلمي ومعايير القيم الاسلامية وليست النصوص اللغوية التي يتذرع بها الاسلاميون على مختلف مشاربهم , جاءت النتائج المخيّبة للآمال , فتتصدر دولة مثل نيوزيلندا صدارة دول العالم في تطبيق وممارسة تلك القيم على أرض الواقع , وفي المجالات التي تهم البشر على ظهر البسيطة , كالنظام الاقتصادي ومعدلات الرفاه , وسيادة حكم القانون وكفالة حقوق الانسان , والعلاقات الدولية الصالحة وأسس الدبلوماسية الفعالة , واستقرار الحكم ونزاهته وعدالته. بينما الدول الاسلامية في ذيل القائمة وأفضلها تحتل المراكز الوسطى بين العالمين , ويحق لنا هنا التساؤل مرة أخرى عن معيار العلوية في الدنيا على الأقل , فليس هناك من عاد من الدار الآخرة ليضع لنا ترتيب المسلمين وجماعاتهم هناك !وكل التراث الاسلامي والديني عموما فيما يتعلق بالدار الآخرة غير خاضع بالطبع لمناهج البحث العلمية التجريبية والمقارنة, لطبيعة الوعود التي لا يمكن قياسها .

  كما أنّ الدولة الاسلامية التي تسعى الجماعات الاسلامية بكل ما أوتيت من طاقات تدمير على بلوغ سدتها وتزعمها لم تكن هذه الدولة تاريخيا من صنع المسلمين الأوائل , فالمعروف أنّ تنظيم شؤون الحكم وانشاء الدوواين( الوزارات) وتراتبية الجيوش , ونمط الحكم اللامركزي (الولايات) والنظم المالية والمحاسبية في دولة الخلافة الاسلامية الأولى وبرئاسة أمير المؤمنين عمربن الخطاب قد تم استلافها كاملة من نظم وهياكل الدولة الساسانية الفارسية التي كان اكاسرتها يتقربون لله زلفى عن طريق (نار المجوس), وبلغت أوجها على يدي العباسيين المنحدرين من صلب العباس بن عبدالمطلب عم النبي محمدا (ص), وفي عهدهم ذاك عرفت الحدائق الغناء والقصور المنيفة والجواري الفاتنات والمغنيين المطربيين والشعراء الماجنين , مثلما نهض المعتصم بالله بجيشه الجرار إثر استغاثة امرأة (وا معتصماه ) فخلّد الواقعة أبوتمام حبيب بن أوس الطائي في بائيته المشهورة السيف أصدق إنباء من الكتب في حدّه الحد بين الجد واللعب , أين موقع الحركات الاسلامية المجاهدة من الدولة الاسلامية التاريخية؟ ولمصلحة النقاش نفترض أنّها النموذج الذي يجب أن يحتذى , فهل أُثر عن النبي مثلا في دولته مضايقة النصارى حتى في الطريق كما تزعم بعض الفتاوى الرائجة الآن في أدبيات الكراهية الدينية؟ هل ذبح عمر بن الخطاب المسيحيين في بيت المقدس وهدم كنيستهم غداة استيلائه على القدس فاتحا ؟؟وهل أرسل عليا بن أبي طالب انتحاريين لمعسكرات معاوية بن أبي سفيان والجيشان متماسكا الحزز في صفين؟

  ثم والحركات الاسلامية تنشأ في كنف المجتمعات الحديثة , بأحزابها ومفاهيمها وخطوط المترو ومحطات الكهرباء واتحادات المهنيين وضباط البلديات ونقاط الشرطة وأجهزة الأمن والجمارك ونقاط العبور وحرس الحدود وصحفها وإذاعاتها وسينماتها وفنادقها وسياحتها وعريها وحشمتها وإلحادها وتدينها إلخ … فماذا هي فاعلة في هذه المجتمعات ؟ أتريد تحطيم أسس مدنيتها وتدمير بنيانها المادي والمعنوي لصالح ماذا؟ ودوننا تجربة طالبان في أفغانستان التي أعدمت جهاز التلفاز في ميدان عام بعد أن وأدت مظاهر الحياة في ذلك البلد التعيس , دوننا تجربة بوكو حرام والتي تعني (التعليم المدني حرام وخاصة تعليم البنات ) فتكون النتيجة سبيهن وتزويجهن بالدستة لأمراء الحرب ومشائخ الجهاد , أو بيعهن سبايا مثلما رشح من أنباء تطبيقات داعش على النساء الآيزيديات . ثم والحركات الاسلامية ذاتها تجهد في لبس لبوس العصر فتتظاهر بالرضا والقبول بالديمقراطية كخيار شعبي لتداول السلطة وفق آجال محددة عبر آلية الانتخاب , حتى إذا ما لاح لها سرج السلطة ممهدا بالصناديق , أظهرت نواياه في ذم هذه الآلية ورجمها بالعيب ومن ثمّ المناداة جهرا بأنّ الشريعة هي ما يجب أن يسود ولا انتخابات مع الشريعة بل هي  البيعة والشورى وطاعة ولي الأمر وعدم جواز الخروج عليه مهما طغى وتجبّر , فعلت ذلك جبهة الانقاذ الاسلامية في الجزائر عشية بداية ظهور تفوقها في الانتخابات البلدية عام 1989م , وبعدها جرى ما جرى , فالاسلاميون والسلطة بينهما علاقة (يا فيها يا أطفيها) فهم إما حاكمون مستبدون لا يراجعون ولا ينزعون منها مهما فعلوا وأفسدوا وتكبروا وتغطرسوا وإما هم في حرب ضروس ضد الحاكمين بالارهاب والتفجير والحزام الناسف والاغتيال يمطون شفاههم مطّا  بآيات القتال والجهاد ضد ذات الدولة التي اسعفتهم نظمها بفرصة الحياة بشرط وحيد هو الاذعان لناموس طبيعتها التداولية , يفعل إخوان مصر وهم خارج السلطة ما لو مارسه خصومهم عندما كان مرسي متوسدا كرسي العرش لدمغوهم بأشدّ العبارات قسوة وبأغلظ الممارسات فعلا , ولدعموا مواقفهم بالآيات والأسانيد من الفقه الاسلامي العتيد غير آبهين بالسياق التاريخي . فهم في السلطة تمكينيون , يخنقون أوجه حياة الناس كما في تجربة السودان , لا يجوز لغيرهم حق في الوطن وليس من أدبياتهم حقوق الانسان , وهم في قطاع غزة كما في تجربة حماس يضحون برقعة من الوطن في سبيل تمكين سلطانهم ويحولون القطاع الى كانتون معزول طمعا في استبدادهم بالسلطة تحت زعم المقاومة للاحتلال وهم أشد وطأة من الاسرائليين . وهكذا كل نماذج الحركات الاسلامية , فلو تخيلنا أنّ أمريكا وروسيا والصين والهند والمانيا ونيوزيلندا وايرلندا قد دنا عذابها وفتحها مجاهدو السودان أو أفغانستان أو بوكو حرام أو جبهة الانقاذ , فهل يمكن تخيل عالم تسوده هذه الحركات ؟