عيسى إبراهيم * * حثت "منظمة العفو الدولية" الحكومة السودانية على إسقاط تهم بارتداء الزي الفاضح  وجهتها الشرطة  لعشر فتيات مسيحيات "فورا ودون قيد أو شرط" فيما أدان الاتحاد الأوروبي محاكمة الطالبات وإثنين من القساوسة.

وناشدت المنظمة – وفقا لموقع «سودان تربيون» مساء الجمعة – الرئيس السوداني عمر البشير، ووزيري العدل والداخلية، لحض السلطات السودانية على إسقاط التهم الموجهة ضد الطالبات المسيحيات العشر فورا ودون قيد أو شرط، وإلغاء عقوبة الجلد، وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة، إلى جانب إلغاء المادة «152» من القانون الجنائي، التي وصفتها بـ «غامضة الصياغة وذات الطابع التمييزي»، والتي لا تتماشى مع الالتزامات الدولية للسودان حيال حقوق الإنسان. (التغيير الالكترونية 11 يوليو 2015 – أ.ش.أ)

* أحاط الشارع الكريم “العِرض” بحصانات تمنعه من أن يبتذل، أو يستسهل، أو يخاض فيه بلا دليل قاطع، حدده الشارع (جلَّ وعلا) بأربعة شهود عدول يرون الفعل رأي العين، فإن تشكك أحدهم في شهادته، يُجلد أربعتهم ثمانين جلدة، ولا تقبل لهم شهادة أبداً، ولم يكتف الشارع بذلك بل قرر “وأولئك هم الفاسقون”، (والفاسق هو الذي ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس)، وهذه الأخيرة هي جريمة الـ “قذف”؛ “قذف” المحصنات، بينما الأولى هي جريمة “الزنا”، واستهدف الشارع بهذه الضوابط حتى لا ” تشيع الفاحشة في الذين آمنوا”!، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لَا تُؤْذُوا عِبَاد اللَّه وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتهمْ فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَة أَخِيهِ الْمُسْلِم طَلَبَ اللَّه عَوْرَته حَتَّى يَفْضَحهُ فِي بَيْته”، وسيكون هذا هو مدخلنا لمناقشة المادة (152) من القانون الجنائي السوداني لعام 1991 مدى شرعيتها، وقانونيتها، ودستوريتها!..

* قرر الشارع الكريم عقوبة الجلد لثلاث جرائم هي: 1/ 100 جلدة للزاني والزانية غير المحصنين، 2/ 40 جلدة لشارب الخمر، 3/ 80 جلدة للقاذف، وقامت سلطات الانقاذ بتعميم الجلد في حالات أخرى، لا تتماشى وحكمة الشارع الحكيم في إقرار عقوبة الجلد، إمعاناً منها في إذلال المتهمين والمتهمات، وإهداراً للكرامة، وأخيراً طبقتها على سياسيين حيث أثار هذه الفعل الشنيع الرأي العام السوداني مستنكراً هذه البشاعة في حق منسوبي الحزب السوداني!..

* تقع المادة (152) من ضمن مواد الباب الخامس عشر من القانون الجنائى السودانى لسنة 1991 المتعلقة بجرائم العرض والسمعة والآداب العامة وهى (16) مادة، يقول نص المادة (152) الآتى:

1/ من ياتي في مكان عام فعلاً او سلوكاً فاضحاً أو مخلا بالآداب العامة، او يتزيا بزي فاضح او مخل بالآداب العامة، يسبب مضايقة للشعور العام، يعاقب بالجلد بما لا يجاوز اربعين جلدة او بالغرامة او بالعقوبتين معا.ً

2/ يعد الفعل مخلاً بالآداب العامة، اذا كان كذلك في معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل، او عرف البلد الذي يقع فيه الفعل.

* أول خلل ارتكبه المشرِّع إيكاله أمر الضبط لشرطة النظام العام، وكان الأولى (إذا سلمنا جدلاً بقانونية المادة ومناسبتها) أن يوكل أمر التضرر إلى المجتمع الذي هو وحده من يقرر أن هذا الفعل يسبب مضايقة الشعور العام أم لا!، فإذا لم يتحرك المجتمع ليتضرر من الفعل دلَّ ذلك أن عرفه ودينه مرعيان، وإلا انتقل الأمر تلقائياً ليشير إلى خلل بالمجتمع، وخلل المجتمع لا يعالج بالقانون وإنما بالتوعية، وخلل المجتمع يقود (بلا أدنى ريب) إلى تعذر سن قانون عقابي لمجتمع لا يتمتع بقاعدة سلوكية يتمتع بها – على الأقل – (50% فما فوق من المجتمع المعني) وهي الحد الأدنى لسن قانون عقابي!.

* المادة (152) في رأي د. كمال الجزولي: ” تخالف أبسط ضوابط النصوص الجنائية التي ينبغي أن تصاغ بأكثر الأشكال تحديداً، حتى يكون القانون وتفسيره ثابتين وأكيدين؛ إذ لا يجوز أن يكون أمر التجريم فرضياً، أو يكون النص الجزائي مطاطياً مترامياً، أو محملاً بأكثر من دلالة، أو مثقلاً بما يفضي لتعدد تأويلاته“، و” ترك أمرها (يعني أمر المادة 152) لتقديرات رجال الشرطة، على تفاوت أعمارهم، وتربيتهم، وتعليمهم، وأذواقهم، وتركيباتهم السايكولوجية، وانتماءاتهم الإثنية، والجهوية، وتصوراتهم الدينية، والثقافية .. الخ“، ويواصل الجزولي القول: وفي البند/30 جاء رد السودان على المسألة، متضمناً إقراراً جهيراً، في ما يشبه الاعتذار الصريح، ضمن الحديث عن منظومة “قانون النظام العام”،  بأن “بعض السلبيات لازمت التطبيق، وقد تمثل ذلك في أ/ عدم ضبط الصياغة التشريعية لأحكام بعض المواد ـ ب/ تجاوز بعض أفراد الشرطة لصلاحياتهم أو إساءة استخدامها”. (المصدر: طلب لوقف الدعوى تحت المادة (58) إجراءات جنائية لسنة 1991م كمال الجزولي – طارق الامين 11-06-2013)..

* عقلية الاسلامويين الانقاذيين عقلية ذهانية، تريد أن توهم المجتمع بأنها تقوم بتطبيق الشريعة الاسلامية ليس إلا، ومن المفارقات العبثية المضحكة: “كانت العروض (في عهد الانقاذ) تقام بدون إظلام قاعات العرض حسب القانون (شوفو الظن السيئ دا!)، حيث مثلت الحالة الوحيدة في العالم، وقامت أخيراً بإعدام جميع أو جل قاعات العرض السينمائي في البلاد، ذكرت الوكيبيديا: “الرقابة “الدينية” (في عهد الانقاذ طبعاً) المشددة تعوق الإنتاج الحكومي أو الخاص، لدرجة وصلت إلى حد منع فيلم تسجيلي قصير عن الحياة البرية، لأن “أرداف النعامة موحية” بحسب التقرير الرسمي“!!..

* بدأ الخلل الماحق على الأسرة والمجتمع السوداني والشريعة، حينما أعلن نميري قوانين سبتمبر فهلل المهوسون وكبروا، ومن ضمن قوانين سبتمبر المادة 93 من قانون العقوبات لسنة 1983م حيث تنص على جريمة الشروع في ارتكاب الجرائم، وجاء منها الاتهام بالشروع في الزنا ليتهم بذلك كل من يسير مع أبنته أو أخته أو حتى زوجته في الطريق العام اذا لم يثبت ذلك بالوثائق التي يجبر على حملها، والمادة إفتئات على الشريعة الاسلامية إذ فيها تحديد قاطع إما أن تكون الجريمة جريمة زنا، أو قذف، وليس هناك احتمال ثالث، وكما قلنا: “واستهدف الشارع بهذه الضوابط حتى لا ” تشيع الفاحشة في الذين آمنوا!“، ولم يكلف واضعو قوانين سبتمبر الثلاثي “عوض الجيد والنيل أبو قرون وبدرية سليمان” أنفسهم عناء المواءمة بين الشريعة وهذه الجريمة، جريمة الشروع في ارتكاب الجرائم، حيث استلوها من القوانين الوضعية لا غير!، إذ الشروع في ارتكاب الجرائم يعد جريمة في القانون الوضعي، ولكنه لا يعد جريمة قائمة بذاتها في رأي جمهور فقهاء المسلمين.    

* قانونيو الانقاذ قامو بالقفز على أهم عنصرين من مرشحات (فلاتر) الضبط؛ ضبط السلوك العام، وهما الأسرة، والمجتمع، فسنوا المادة (152) جنائي، وأوكلوا أمر المراقبة والضبط والتطبيق لجهاز الشرطة، فإذا كان الشخص المتهم – رجلاً كان أو امرأة – مر بمرشح الأسرة ثم بمرشح المجتمع أثبت ذلك أحد أمرين: قبول الأسرة والمجتمع للفعل الذي مر من خلال المرشحين، أو أن خللاً ما لحق بالأسرة والمجتمع يتطلب التدخل لازالة الخلل بالتوعية عبر المتاح من وسائل الاتصال المباشر أو عبر الميديا، لا عبر القانون!.

    

* eisay@hotmail.com