خالد فضل *كيف يريد الرئيس الاستمرار في الحكم مدى  الحياة وهو لا يطيق"الأعباء" *هل انتهى التمرد بجرائم الجنجويد واستوزار السيسي وابو قردة؟ *هذا ما عودنا الرئيس على سماعه عند كل زيارة 

بحسب ما نشر من تصريحات الرئيس البشير في لقائه مع الجالية السودانية بموريتانيا إبان زيارته الأخيرة لها مطلع الاسبوع لماضي , أنّ التمرد قد انتهى في دارفور ولم يبق الاّ جيب صغير من حركة عبدالواحد محمد نور في مدخل جبل مرّة . وبحديثه ذلك يعيد الرئيس البشير ذات السيناريو عند بداية شرارة الثورة في ذلك الاقليم , فقد عُقد مؤتمر أهلي ضمّ حوالي 500من القيادات وزعماء القبائل في الاقليم وبرعاية من والي شمال دارفور وقتذاك الجنرال ابراهيم سليمان في عام 2003م , تداول المؤتمرون حول الأزمة الناشبة حديثا في الاقليم وبداية حمل السلاح وميلاد حركة جيش تحرير السودان كتنظيم سياسي يتخذ الكفاح المسلح واحدا من وسائلة للتعبير عن الظلم والمعاناة التي يواجهها سكان الاقليم والتهميش والاقصاء المركزي الممارس ضدهم وانعدام التنمية والخدمات , واختلال هيكلة الدولة السودانية وعدم مراعاتها لتمثيل كل تعدديات البلاد وجهاتها في السلطة والثروة . مطالب بدت عادية حينها , بل مطالب مشروعة صدع بها ملايين السودانيين في الاقاليم النائية , والتف حولها ملايين المهمشين اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وعرقيا ودينيا . وكانت أهمّ توصية خرج بها مؤتمر الفاشر التداولي ذاك هي رفض الحل العسكري والأمني للأزمة واعتماد التفاوض والحوار والنقاش كوسيلة وحيدة لحل المشكلة , وبالفعل كوّن ذلك المؤتمر وفودا من القيادات التي شاركت فيه للقيام بزيارات لمناطق تمركز الشباب المتمردين في جبل مرّة في محاولة استكشافية، والاستماع الى مطالبهم ومن ثمّ بداية حوار جاد معهم من جانب الحكومة . وبالفعل سافرت بعض تلك الوفود الى مناطق المتمردين , وسرت شائعات في صحف الخرطوم حينها أنّ المتمردين قد أسروا أحد تلك الوفود وأنّ الاتصال قد انقطع معهم … إلخ , مما درجت أبواق الدعاية الاعلامية للسلطة ممارسته عند كل مأساة تصنعها سلطتها وتنوي حلّها بما يكرس من الأزمة محل النظر , والسجل حافل بمثل تلك الممارسات.

 المهم , في الواقع لم يتم أسر أي وفد سافر للإلتقاء بالمتمردين , بل تمت مقابلتهم باحترام , وتم توجيه سؤال للوفد إنْ كانت وساطته تلك من وجهة نظر قبلية أم سياسية ؟ هكذا حدّثني ذات يوم البروفسير أبوالقاسم سيف الدين , أحد قادة الوفد الذين قابلوا قيادة حركة جيش تحرير السودان بحسب توصيات ذلك المؤتمر المار ذكره , قبل وصول وفد الوساطة كانت قوات عمر البشير قد سبقتهم الى مداخل جبل مرّة وألقت حممها فوق رؤوس أولئك الشباب ومعسكرهم وقرى أهلهم , عند وصول الوفد وجد أنّ الحل العسكري والأمني للقضية قد ابتدأ فعلا مما أوقع الوفد الزائر في حرج كبير , إذ كيف يناقش المتمردين لترك تمردهم واللجوء لخيار التفاوض إذا كانت السلطة التي يجب مفاوضتها تتنكب طريق الحوار وتضرب بكل الجهد الذي بذل في المؤتمر التداولي عرض الحائط , وتزعم أنّ هولاء شرذمة من قطّاع الطرق ليس لهم قضية وإنّما مجموعة متفلتة لا تزيد على مائة يمكن سحقهم بسرعة ويسر , (بلاش تفاوض ووجع دماغ) . فهل يدرك الرئيس البشير أن حكمة البصيرة أم حمد تلك قد أوصلت سعادتو الى منصة أعلى محكمة جنائية في العالم بتهم يندى لها الجبين وتأباها نفس الكريم ويعافها كل صاحب ضمير حي وحسّ سليم , إبادة جماعية , تطهير عرقي , اغتصابات للنساء, جرائم  حرب  إلخ إلخ , ثمّ هاهو يعيد ذات الموّال بعد كل ما صار أفلا يتعظ الرئيس ! ألا يتعلم من تجاربه الخائبة العديدة وما آل اليه حال البلد تحت حكمه المشؤوم ؟ أما يزال على ذات موّال استهانته بالقضايا الكبرى , والمنعطفات الخطيرة ؟ فالجنوب وانفصاله بالنسبة اليه (بلا وانجلا وعبء وانزاح) ألم يقل ذلك في حشد جماهيري ؟ بل حتى مشروع الجزيرة عنده عبء , ولا يدري المرء كيف يريد البشير أن يستمر رئيسا مدى الحياة وهو لا يطيق تحمّل الأعباء .

   عودا على بدء , هل انتهى التمرد في دارفور حسبما يشتهي الرئيس البشير ؟أم هي الحرب كرّ وفرّ ! يوما لك ويوما عليك ؟ ما الذي جعل التمرد ينتهي في دارفور؟  هل لأنّ التجاني السيسي وابوقردة ودبجو وآخرين لا يعرفهم أحد الاّ عند إذاعة نبأ توقيعهم على اتفاق مع المؤتمر الوطني أو إحدى حكومات الولايات قد انضموا الى قائمة المستوزرين الذين يمنحهم جهاز الأمن مرتبات ومخصصات مالية نظير الدعاية الاعلامية؟ أم أنّ التمرد انتهى لأنّ أموال السلطة الاقليمية قد دخلت الى الجيوب حسبما قال السيد تاج الدين نيام ذات يوم في ورشة عمل لرجال الأعمال بنيالا , محددا مبلغ 200مليون دولار هي جملة قيمة الحراك الذي تشهده دارفور من جملة 2مليار دولار تم تخصيصها من قطر وفق اتفاقية الدوحة , أين ذهب مليار و800مليون دولار ؟والتجاني السيسي وابوقردة يتبادلان الاتهامات ثم ينقسمان الى حزبي عدالة وتحرير وعثمان نهار ينطق باسم حركة ما , لذلك يرى الرئيس أنّ التمرد انتهى !  لأنّ الجنجويد تحت مسمى الدعم السريع قد عادوا لممارستهم المعهودة في ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية , أم التمرد انتهى لأنّ الرزيقات والمعاليا يبيد بعضهم بعضا , ويتكفل سوء التغذية والأمراض والغارات الوحشية في ابادة النازحين واللاجئين ؟ أم لأنّ ربّاطة المؤتمر الوطني وجنجويد الجامعات قد اغتالوا الناشطين , وأحرقوا سكن الطلبة والطالبات الدارفوريين ؟

  لقد بلغ سيل الاستهتار الزبى , وبلغت الاستهانة بقضايا البشر حدّا لا يوصف , وفي كل مجمع اقليمي وعند كل زيارة له لدولة من الدول التعيسة يصرّح الرئيس بما لا يتجاوز التهريف هذا إذا أحسن المرء الظنّ وانتقى مهذّب التعبير . ولا حول ولا قوة الا بالله .