د. محمد محمد الأمين عبد الرازق بدأ الأستاذ أيوب صديق يكتب بصحيفة الانتباهة 3/8/2015م، ليرد على انتقاداتي لكتابته السابقة حول ادعائه وجود علاقة عقائدية بين البهائية والفكر الجمهوري، وقد وقفت اليوم على الحلقة (1-4)..

وفيها ظهر غاضبا من اتهامنا له بأنه كان مغرضا يتسقط رضاء السلطة حين أيد قرارها بحرمان الجمهوريين حق حرية الفكر والنشر والتسجيل، وقال عني أن هذه التهمة ” صورها له شيطانه”!! على كل حال، لم تقنعني حجج الأستاذ أيوب في دفعه لهذه التهمة فكلها تنظير لا يقوى أمام الواقع، بل ازددت قناعة بصحتها، ولن أذهب في اتجاه الاستفزاز كما فعل هو، فهو قد دعانا إلى الموضوعية “والأدلة القواطع”.. وكان قد قال في السابق: (صراحة خفتُ إبان تسجيل الاحزاب أن يُسجل الحزب الجمهوري، حيث كان سيُسمح له بنص القانون الدعاية لعقيدته من مختلف المنابر) انتهى.. فالسلطة قد سجلت أحزابا معروف عنها أنها لا تأخذ برامجها من عقيدة الإسلام، وتم ذلك وفق قانون تسجيل الأحزاب، فلماذا لم ينتقد السيد أيوب ذلك التسجيل!!؟؟ لماذا ؟؟ الجواب: لأنه في هذه الحالة سيعارض قرارت السلطة وهي قد منحت الرخصة وانتهت!!

فالحزب الجمهوري حرم من حقه الدستوري، ولم يسجل، وانتهى أمره فهل الأولى ملاحقته هو بمخالفة العقيدة أم الأولى معارضة الأحزاب التي سجلت وهي لا تطرح برامج العقيدة الإسلامية، إذا كان الأمر غيرة على العقيدة!!؟؟ فواضح بالأدلة القواطع أن السيد أيوب إنما قصد تأييد قرار السلطة في حرمانها الحزب الجمهوري حقوقه الدستورية..

ويقول السيد أيوب عندما ذكرته باحترام حرية الرأي التي شاهدها في لندن، واستمتع بثمرتها، يقول: (نعم سمعت ذلك وشاهدته، لكن كله في قالب الموافقة على كل أمر يعرض للمناقشة.. فالأمر الواحد في ذلك الوسط الراقي كما في أي وسط آخر، له من يؤيده ويدافع عنه، ومن يعارضه ويحذر منه، فذلك التعامل الراقي الذي تتحدث عنه يا دكتور محمد، يكفل للمرء حق نقد أفكار الآخرين ومواقفهم والاعتراض عليها والتحذير منها، إذ حرية الرأي ليست ذات اتجاه واحد دائما هو الموافقة والتأييد فحسب، وتختلف أنواع التأييد والاعتراض على المواقف والأفكار، من مقالات تنشر في صحف مع أو ضد، إلى مظاهرات حاشدة تغلق لها شوارع المدن استنكارا لما يطرح أو تأييدا له، وهذه، وغيرها ضروب من الأساليب عن مواقف مختلفة تلتقي وتتعارض، وهذا كله من منطق الحرية التي تطالب بها أنت لتكفل لك ما تريد ضربة لازب، وهي نفسها الحرية التي تمنحني أنا كذلك حق الخوف مما تسعى أنت وغيرك إلى تبنيه دستورا وقانونا، والتحذير من الأخذ به نسبة إلى خطورته لأنه أمر متعلق بعقيدة الأمة) انتهى..

اقرأ عبارته: ” نعم سمعت ذلك وشاهدته، لكن كله في قالب الموافقة على كل أمر يعرض للمناقشة.. ” السؤال هو: كيف تسمع الحزب الجمهوري وتناقشه وأنت تؤيد حرمانه من مجرد نشر أفكاره!!؟؟ أين ستجد هذه الأفكار ابتداء!!؟؟

 إن كلامك هذا يا عزيزي أيوب، متناقض، ومضطرب، ولا يقود القاريء إلى النتيجة التي تريدها أنت، وهي مصادرة حرية الرأي!!

لقد قلت في ردي موضوع أيوب، إن السودانيين الذين يعملون في إذاعة لندن ليسوا غائبين عما يدور في وطنهم، فهم يتابعون ويسلطون الضوء على معاناة شعبهم، وأوردت كلمة الطيب صالح المشهورة: من أين أتى هؤلاء.. فاستنكر السيد أيوب قولي هذا وحجته هي على حد تعبيره: (أقول لك إن الأمر ليس كما تدعي جهلا وزورا وبهتانا عن أولئك الرجال، فتأسيسا على قانون هيئة الإذاعة البريطانية، ليس مسموحا لأحد طالما هو في خدمتها، أن يكتب في الشؤون السياسية عن بلد من البلاد، وهذا بند احترمه الطيب صالح كما احترمه الذين من قبله حتى ترك العمل فيها، واحترمناه نحن الذين جئنا من بعده حتى تركنا العمل فيها، ولا يزال مكان احترام الذين جاءوا من بعدما وهكذا دواليك) انتهى..

لكن السيد أيوب كان قد قال عكس هذا الكلام في رد له في سؤال في مقابلة نشرت بالانتباهة 3/2/2015م، إذن فلنقرأ:

    (ثم إنني أجد في سؤالكم اتهاماً لنا بالتقصير نحو بلادنا!!

 وهنا أسمحوا لي بأن أقول انا بخاصة قضيتُ ثلاثاً وعشرين سنة مذيعاً في القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية في لندن، وطيلة تلك السنوات وحتى تقاعدي من خدمة تلك الإذاعة العظيمة، تقاعدا مبكرا واختياراً، أعددتُ وقدمت وبمبادرات شخصية منى كثيراً جداً من البرامج والمواد عن السودان. فعندما التحقت بالإذاعة وجدتُ أن المادة الخاصة بالسودان شحيحة جدا في مكتبتها، رغم أن السودان به أكبر عدد لمستمعيها بالنسبة إلى عدد سكانه، والثاني من حيث عدد المستمعين بعد مصر من حيث كِبَر عدد سكان مصر. فبدأت أعمل ما استطعت في رفد المكتبة بالمادة السودانية، في شتى المجالات؛ الثقافية والفنية والأدبية. بدأ ذلك من ملاحظتي أن المادة الموسيقية السودانية لا تذاع إلا نادرا ضمن برامج الاذاعة وفي مناسبات معينة. بمعنى أنه كل عدة أشهر تذاع مادة موسيقية سودانية واحدة. وعندما استفسرت عن ذلك من الإخوة العرب القائمين على أمر المكتبة الموسيقية، كان ردهم لي أن المواد الموسيقية السودانية في المكتبة قديمة جدا، ثم إن الاغاني السودانية غير مألوفة لعامة المستمعين العرب...
كان ردي عليهم: أما أنها غير مألوفة للمستمعين العرب فذلك لأنكم لا تذيعونها بانتظام حتى تكون مألوفة لديهم، وأما أن المادة التي في المكتبة قديمة جدا فهذا شيء يمكن التغلب عليه...
أخذت أضحي بالجزء الأكبر من إجازاتي السنوية، وأحضر في كل فرصة تتاح لي، إلى السودان لأجمع أكبر قدر من المادة الثقافية والموسيقية لأمد بها مكتبة الإذاعة حتى أقطع دابر تعلِّة قلة المادة هناك. وكنت أجد التشجيع على ذلك الجهد الشخصي من إدارة القسم العربي. ففي مجال المادة الموسيقية اخترت عددا من الاغاني الجيدة وطلبت من الإخوة في الإذاعة في أم درمان تزويدي بها من مكتبتهم كي نبثها من هناك، لأن الموسيقى هي أهم ما يلفت عناية المستمعين لفنون البلد المختلفة. وكان الزملاء في الإذاعة في أم درمان خير عون لي في ذلك، فأخذت هذه المادة معي وبدأت أخوض معركة أن تُضمن في جدول البرامج لتذاع ضمن برامج الاذاعة الأسبوعية، وقد نجحت في ذلك بعد جهد جهيد وبدأت الاغاني السودانية يسمعها المستمع العربي من هناك بانتظام، ومنها مقطوعات موسيقية جياد لبرعي محمد دفع الله وبشير عباس. كما أجريتُ مقابلات مع عدد من الشعراء والكتاب، سواء كان ذلك أثناء مجيئي السنوي الى السودان أم الذين يحضرون إلى العاصمة البريطانية من وقت إلى آخر. وأنشدتُ بصوتي  من مايكروفون القسم العربي قصائد كثيرة لكبار شعرائنا منهم: محمد سعيد العباسي ومحمد محمد على ومصطفى عوض الكريم ومحمد أحمد محجوب ويوسف مصطفى التني وغيرهم. وطلبت من بعض الزملاء أن ينشدوا هم كذلك شيئاً من الشعر السوداني، وقد فعلوا.
أما المقابلات مع السياسيين فكان لها النصيب الأوفى، بحكم أن بلدنا من الناحية السياسية يموج بالأحداث وأخبار التمرد والحروب، ونشاطات المعارضة سواء في داخله أم في عواصم العالم الأخر. فقد أجريتُ مقابلات كثيرة مع مختلف الشخصيات السياسية من مختلف الاحزاب السياسية، جنوبية وشمالية..)..

ثم انتهي إلى القول:

(كل ما ذكرت من مجهود شخصي مني، كان لعلمي بضعف الإعلام عندنا في السودان، ولحاجة الإذاعة كذلك لأي مادة من السودان، ولعلم القائمين عليها بعدد مستمعيها فيه، ولاهتمامهم بما تذيعه ولمكانتها في نفوسهم، وكنتُ أجد منهم كل تشجيع على ما أقوم به من جهود إثرائها بالمادة السودانية. إن ما ذكرته ليس من باب الامتنان، وإنما هو من باب توضيح حقائق أردتُ أن يعرفها كثير ممن يقولون إننا مكثنا في بلاد الغرب ونسينا بلادنا!!)..

هل فعل السيد أيوب كل ذلك مخالفة لقانون الإذاعة البريطانية، ثم تركه الإنجليز يستمر كل هذه السنين!!؟؟

أنا قلت عن أيوب وزملائه أنهم لم ينسوا بلادهم وتفاعلوا مع شعبهم..

 أليس من حقي عليك يا أيوب صديق أن تشكرني، أم تظن أن من ينتقد السلطة كالطيب صالح لا يعمل في مصلحة شعبه!!؟؟

في الحلقة القادمة سأفصل في  معاني العقيدة الإسلامية التي يحاول السيد أيوب أن يضلل بها محبي الدين باستدرار العواطف، وهو أجهل الناس بها..