* أبرز تجليات العلاقة العكسية بين التديُّن المُصطنع والأخلاق في ظاهرة "إمتلاء" المساجد بالمصلين * المجتمع لم يكن في الماضي يعيشُ هذه الحالة من "النفاق العام" * هؤلاء الأئمة, صار جُل همَّهم هو تحصيل "العدادات" على طريقة "الفنانين"

 

بابكر فيصل بابكر

كثيرةٌ هى مظاهر الفشل الذي مُنى به ما عُرف “بالمشروع الإسلامي” الذي جاء به دعاتهُ على ظهر دبابةٍ في ليلٍ بهيمٍ قبل أكثر من ربع قرنٍ من الزمان. وقد بدا واضحاً منذ البداية أنَّ ذلك “الوهم الآيديولوجي” الذي سُمى مجازاً مشروعاً, وبحكم التجربة التاريخية والواقع المُعاش, يحملُ بذور فنائه في داخله, في المبادىء و المنطلقات الفكرية والمنهج وأسلوب التطبيق.

قد كان ميدانُ “القيم” هو أكثر الميادين الدالة على إنكسار ذلك المشروع الذي إرتكز في الأساس على المبادىء “الأخلاقية” المُتضمنة في الدين الإسلامي, والذي تمَّ الترويج له في مقابل الدعوات السياسية الأخرى من منصَّة “ربط قيم السماء بالأرض” وبناء “الفردوس الدنيوي” بسواعد الأطهار والأنقياء من أصحاب الوجوه النورانية والأيادي المتوضئة.

ويُدرك كلُّ صاحب بصر وبصيرة أنَّ المنتوج النهائي لذلك المشروع قد تجلى في المفارقة المذهلة المُتمثلة في التناسب العكسي البائن بين مظاهر “التديُّن” الشكلي و”الأخلاق” العامة والخاصة, إذ “تزايدت” الأولى بصورةٍ واضحة لا تخطئها العين بينما “تدهورت” الأخلاق بشكل مريع وغير مسبوق.

قد تبدَّت أبرز تجليات العلاقة العكسية بين التديُّن المُصطنع والأخلاق في ظاهرة “إمتلاء” المساجد بالمصلين, وهو الأمر الذي عدَّه دعاة “الإسلام السياسي” دليلاً قاطعاً على نجاح مشروعهم السلطوي, فتجدهم يُرددون كثيراً أنَّه قبل سيطرتهم على الحكم لم يكن هناك إقبال على الصلاة كما يحدث الآن, ولم تكن المساجد مملوءة بتلك الأعداد الغفيرة من المُصلين التى نراها فى وقتنا الحالى.

لا يختلفُ شخصان في أنَّ الإقبال على المساجد تزايد بصورة كبيرة, فهذه حقيقة, ولكنَّ السؤال البسيط الذي يجب أن يُطرح في هذا الإطار هو : هل كان غرض المشروع الإسلامي يتمثلُ في ملء المساجد بالمصلين أم هدف ذلك المشروع للنفاذ إلى الغاية الأخلاقية من أداء شعيرة الصلاة, وهى “النهي عن الفحشاء والمنكر” ؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي نستطيعُ عبر الإجابة عليه أن نقيس مدى نجاح أو فشل المشروع الإسلامي.

صحيح أنَّ أعداد المُصلين بالمساجد كانت في السابق أقل بكثير مما هى عليه في الوقت الراهن, ولكنَّ الصحيح أيضاً أنَّ “الفساد” لم يكن في الماضي مُنتشراً بهذا الشكل المرعب, ولم تكن “الرشوة” جزءاً من الحياة اليومية للموظف أو المسؤول, ولم يكن “الإحتيال” مُتفشياً بهذه الصورة المُخيفة, ولم تكن “السرقة والإغتصاب والقتل والنهب” تمثلُ خطوطاً يومية ثابتة فى صفحات الجرائد.

إنَّ ذات الأشخاص الذين يحرصون على أداء الصلاة في الصف الأول ويذرفون الدمع خشوعاً عندما يُتلى  القرآن ويأتون بجميع بالأوراد, هم أنفسهم الذين يحلفون بالله كذباً في السوق, ويبيعون البضائع الفاسدة والمنتهية الصلاحية, ويطففون في الميزان ويأكلون حقوق الناس بالباطل.

ومن ناحية أخرى فإنَّ المجتمع لم يكن في الماضي يعيشُ هذه الحالة من “النفاق العام” الذي لم يقتصر على إحتفاء الأفراد “بالمظاهر الخارجية” للتديُّن على حساب “السلوك القويم”, بل إمتد إلى ممارسة “العبادات” بذات الطريقة “الإحتفالية” التي أفرغتها من محتواها الحقيقي وغايتها الأصلية بوصفها “علاقة خاصة جداً” بين العبد وربه.

أضحى السفر لقضاء “الحج” و “العمرة” لدى الكثيرين أقرب “للترفيه” منهُ للعبادة الحقيقية, فتجدهم يتواعدون على اللقاء في أرض الحرمين على طريقة المُسافرين لقضاء عطلة صيفية في شاطىء الأسكندرية أو أرخبيل جزر القمر, يذهبون ويعودون لممارسة الكذب والنفاق والسرقة دون أن يرمش لهم جفن, يظنون أنهم يخدعون ربَّ العالمين بتكرار الذهاب لبيته كل شهرٍ وكل عام.

وعلى ذات النسق تحوَّل المسجد “بيت الله” من مكان لممارسة العبادة, إلى تجمُّع للتظاهر الإجتماعي, وللتعبيرعن التمايز “الطبقي” الصارخ, ويُخبرك العارفون كيف أنَّ ذلك المسجد الشهير الواقع شرق الخرطوم بات مقراُ “لعلية القوم” من “الجماعة” أصحاب الأيادي الناعمة و العمائم و الشالات الناصعة البياض و “المُتمسحين” بأهدابهم ممَّن يقطعون عشرات الكيلومترات حتى يظفروا بالصلاة في ذلك المسجد تاركين خلفهم الكثير من الجوامع ممَّا يشي بأنَّ غرضهم الحقيقي ليس هو أداء الشعيرة.

وفي نفس الإطار تحوَّل أئمة المساجد إلى “نجوم شباك” شأنهم شأن المطربين الشباب, ولاعبي كرة القدم, لكل “خطيب” مُعجبين لا تروق لهم الصلاة إلا خلفه, خصوصاً ذلك الإمام الذي ذاع صيته مؤخراً و ملأ الآفاق, والذي شاءت الأقدار أن يغيب عن الصلاة لفترة لظروف خاصة به فغابت معه جموع المصلين, وأصبح المسجد في غيابه خاوياً على عروشه حتى رجع بعد حين, ليعود معه التزاحم, فتأمل !

هؤلاء الأئمة, صار جُل همَّهم هو تحصيل “العدادات” على طريقة “الفنانين”, فتجدهم يؤمون المصلين في أكثر من جامع, خصوصاً في “المواسم” مثل شهر رمضان, يتعاقد أحدهم مع ثلاثة أو أربعة مساجد في نفس الوقت, ولذلك تجدهم يؤدون الصلاة على عجل, حتى يتمكنوا من تغطية جميع إرتباطاتهم.

وقد روى لي من أثق في قوله, وكان يتحدث بحسرة وإستياء عن موقفٍ جمعهُ مع خمسة أئمة مساجد كانوا يتكلمون عن “الأجور” التي يتقاضونها, فقال أحدهم أنه إتفق مع جهة ما على أن يؤم الصلاة في أحد المساجد مقابل ثلاثة آلاف جنيه شهرياً , فتهكم منه البقية, وقال له أحدهم “والله دي ما تكفي لقراية سورة الإخلاص”!

المُصلوُّن أنفسهم – رجالاً ونساء – أضحوا يتزاحمون في المساجد, خصوصاً في المواسم مثل شهر رمضان على أداء النوافل, مع أنَّ الأصل فيها أن تُؤدى “بصورة فردية”, فتحولت الصلاة “العبادة” إلى مُناسبة إجتماعية, مثلها مثل “عقد القران” أو “السماية” ( العقيقة بحسب تعبير الجماعة), حيث يجلب الناس الطيبات من الأكل وما تشتهيه الأنفس من عصائر وفطائر وأرز باللبن وغيرها, كما تحولت ساحات المساجد الخارجية أثناء التهجد لأماكن “للونسة” والمسامرة.

ليس هذا فحسب, بل أنَّ الحرص على الإحتفاء المظهري والشكلي بالدين قد إمتد إلى “بناء المساجد” نفسها, ففي الوقت الذي يفتقرُ فيه الناس لأبسط حاجاتهم من “العلاج” و “التعليم”, نجد أنَّ الهم الأكبر قد إنصرف إلى الإنفاق الضخم على بناء المساجد وزخرفتها, دون مراعاة لترتيب “الأولويات”, وحتى المساجد يتم بناؤها في الأماكن التي لا توجد بها كثافة سكانية أوحاجة حقيقية, ولكنها تبنى في المناطق التي تلفت أنظار الناس إلى أنَّ هذه هى “دولة الإسلام” !

جميع هذه المظاهر تعكس حقيقة أنَّ “المشروع الحضاري” نجح بإمتياز في فرض نوع من التديُّن المغشوش الذي لا همَّ لصاحبه سوى نيل إعجاب وتقدير الناس ( وليس ربًّ الناس ) من حوله, حتى يظفر بلقب “مُتدِّين” وذلك عن طريق أداء الشعائر بصورة مظهرية,والتمسك الشكلي بالأمور الدينية الثانوية, مما يجعله يشعر بنوع ٍمن “الراحة الوهمية” و “الأمان الزائف” بإعتبار أنهُ إلتزم بأداء “الفروض” الدينية المطلوبة.

    

ولا حول ولا قوة إلا بالله