د. محمد محمد الأمين عبد الرازق لقد ختمت الحلقة الأولى بوعد للسادة القراء المحترمين، بأن أقدم فكرة عن معاني عقيدة الإسلام، وقد دفعني لذلك تكرار السيد أيوب، لقوله بأنه بسروره لمصادرة حرية التفكير والرأي للجمهوريين إنما كان يدافع عن عقيدة الإسلام،

وسنرى بعد شرح معاني العقيدة أن السيد أيوب وقع في هلكة حقيقية، إذا أنه بفعله هذا إنما كان يقف ولا يزال ضد المستوى العلمي من الإسلام وضد السنة النبوية التي ننتظر أن يبعث الإسلام على هداها في عالمنا المعاصر، لإخراج البشر من طريق العلمانية المادية المقفول إلى الطريق العلمي الذي يزاوج بين الروح والمادة..
إن عقيدة التوحيد، كما هي في القرآن، تقع على مستويين: مستوى الفروع – القرآن المدني – مستوى الشريعة.. ومستوى الاصولالقرآن المكي – مستوى السنة.. والمستوى الاول هو ما كانت عليه الأمة، في حين أن المستوى الثاني، كان عليه النبي في خاصة نفسه.. فالمستوى الأول هو مرحلة العقيدة.. والمستوى الثاني هو مرحلة العلم.. وكل مرحلة من هاتين المرحلتين تقع على ثلاث درجات.. فالمرحلة الأولى درجاتها الثلاث هي: الاسلام، والايمان، والاحسان.. وقد حكاها حديث جبريل، الذي يرويه عمر بن الخطاب.. وفيه جاء تعريف النبي صلى الله عليه وسلم: ( الايمان ان تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر، خيره وشره، واليوم الآخر) أما المرحلة الثانية فدرجاتها الثلاث هي: علم اليقين، وعلم عين اليقين، وعلم حق اليقين.. ثم تجئ الدرجة، الأخيرة من درجات سلّم الاسلام السباعي وهي الاسلام الاخير.. والمرحلة الاولى من مراحل العقيدة هي مرحلة الأمة المؤمنة، والمرحلة الثانية من مراحل العقيدة، هي مرحلة الأمة المسلمة، التي ينتظر ظهورها، عندما يتم بعث الاسلام من جديد، وذلك ببعث السّنة، كما بشّر بذلك النبي الكريم: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء!! قالوا: من الغرباء يا رسول الله!؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها)..
والى هذين المستويين، من مستويات العقيدة، تشير الآية الكريمة : (آمن الرسول بما انزل اليه من ربه، والمؤمنون، كل آمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله ..).. فعبارة (آمن الرسول بما انزل اليه من ربه) اشارة الى العقيدة في مستوى الأصول مستوى الاسلام.. وعبارة (والمؤمنون، كل آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله!!)، اشارة الى العقيدة في مستوى الفروعمستوى الشريعة – مستوى الأمة المؤمنة.. وبالطبع فان الفرق شاسع بين إيمان الرسول وإيمان الأمة المؤمنة.. بل والفرق شاسع بين إيمان المؤمنين فيما بينهم.. ومما يعين على تصور هذا الفرق في مستويات الايمان، حديث النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم عن سيدنا أبي بكر، والذي يرويه على بن ابي طالب، وقد جاء فيه: (لو وزن ايمان أبي بكر بايمان أهل الأرض لرجح بهم).. وعن الايمان عند أمة المسلمين الموعودة يجئ الحديث النبوي، الذي أورده ابن كثير في تفسير سورة البقرة، وقد جاء فيه: (عن ابن محيرز، قال: قلت لأبي جمعة حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. قال: نعم، أحدثك حديثاً جيداً: تغدّينا مع رسول الله، ومعنا أبوعبيدة ابن الجرّاح، فقال: يا رسول الله، هل أحد خير منّا؟؟ أسلمنا معك!! وجاهدنا معك!! قال: نعم!! قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني ..) وفي رواية أخرى يسأل الاصحاب بقولهم: (يا رسول الله هل من قوم أعظم منّا أجراً، آمّنا بالله واتبعناك؟؟).. ويجيب الرسول: (ما يمنعكم من ذلك، ورسول الله بين أظهركم، ويأتيكم بالوحي من السماء؟! بل قوم بعدكم، يأتيهم كتاب من بين لوحين، يؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجراً، مرتين ).. راجع تفسير ابن كثير سورة البقرة.. وفي حديث ثالث: (ألا إنّ أعجب الخلق إلّيّ ايماناً، لقوم يكونون من بعدكم، يجدون صحفاً فيها كتاب، يؤمنون بما فيها) راجع المصدر السابق.
على ضوء هذه الصورة، عن المستويين في العقيدة، يمكن أن نتناول معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، فهي في مستوى الشريعة كانت تعني لا معبود بحق إلا الله، إذ أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام، وبفتح مكة حطمت جميع الأصنام التي كانت منصوبة في الكعبة وعددها 360 صنما، وبذلك صار المعبود الواحد هو الله.. ولكن النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم لم يعبد صنما قط في حياته، فكلمة التوحيد عنده، في مستوى العلم كانت تعني لا فاعل لكبير الأشياء ولا لصغيرها إلا الله، وهذا المعنى أعمق في علم النفس، فالفاعل في الحقيقة واحد هو الله، وإرادته هي النافذة.. والأصنام عند النبي معنوية، كالشره والحرص والبخل والحقد والبغض وكل مذام الأخلاق، فالتوحيد في مستوى السنة يقودنا بالمنهاج التربوي إلى أن نسلم إرادتنا للمريد الواحد فنتحرر من الخوف إذ أن كل الصفات الذميمة التي ذكرناها إنما مصدرها الخوف من الموت جوعا، والتوحيد يقول إن الرزق من الله وهو مضمون بلا نزاع، أكثر من ذلك فهو كالأجل فكما أن الأجل لا يمكن الهروب منه فرزقك لا يمكن أن يستحوذ عليه غيرك..
هذا المحتوى التوحيدي هو الذي يجب أن تدور في إطاره رسالة الإسلام في عالمنا المعاصر وهي دعوة الإسلام في مستواه العلمي وفي كلمة (السنة)..
وعلى ضوء هذين المستويين من العقيدة أيضا، يمكن أن نشير إلى الحديث النبوي: (إن الله قد تجاوز لأمتي ما حدثوا به نفوسهم ما لم يقولوا أو يعملوا)، فهذا مستوى الشريعة (الفروع) لكن في مستوى العلم (الأصول) يجيء قوله تعالى: (إن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله)، ويجيء الحديث: (سوء الخلق ذنب لا يغتفر وسوء الخلق خطيئة تفوح).. فالإسلام في مستوى السنة يطارد الخطيئة في أغوار النفس البشرية، ليطور البشر نحو إنسانيتهم..
باختصار هذه أساسيات فكرة الرسالة الثانية من الإسلام، فهي تدعو إلى الانتقال من مستوى الشريعة إلى مستوى السنة، ومستوى الشريعة عمدته الآيات المدنية، أما مستوى السنة فعمدته الآيات المكية.. والأحاديث النبوية تتبع هذا التقسيم، فهناك أحاديث في مستوى الشريعة وأحاديث في مستوى السنة، والقاعدة في تمييز الأحاديث هي أن أي حديث يتحدث عن عمل النبي في خاصة نفسه، فهو حديث سنة، وأي حديث يقر الأصحاب على عمل عملوه لكن النبي لم يشاركهم فيه، فهو حديث شريعة.. وبعبارة أخرى، عمله سنة وإقراره شريعة، أما قوله فقسمان، فالقول الذي يتناول عمله في خاصة نفسه بالشرح فسنة أما القول الذي يتناول تنظيم حياة الأمة وفق الفروع فكله شريعة..
هذه معالم الفكرة الجمهورية، فهي مؤسسة على أصول القرآن وحياة النبي الكريم، فالسيد أيوب قال عنها أنها تشترك مع البهائية في العقيدة، وكتب مقالته تحت عنوان: وما محمود محمد طه إلا رجل بهائي العقيدة!! فهل هذا الرجل جاد في قوله هذا!!؟؟
أما أنا فأقول: إن السيد أيوب صديق يعلم في دخيلة نفسه أن فكرة الرسالة الثانية من الإسلام لا علاقة لها بالبهائية، ويعرف أنها فهم جديد للإسلام قوي الحجة ولذلك اتجه لتلطيخها من خارجها لتتشوه بادعاءاته هذه.. أسوأ من ذلك هو مغرض وفاجر في خصومته ويبحث عن التحريض والإثارة، فعندما رأى السلطة حرمت الحزب الجمهوري من التسجيل، أراد أن يرسل لها بهذا الكلام الفارغ رسالة: انتي صاح 100 %!!
تحدثنا عن مستويي العقيدة فيما يختص بكلمة التوحيد في التربية الفردية، وسأوظف الحلقة القادة للحديث حول انعكاس مستويي العقيدة في الإسلام على تنظيم المجتمع، وما هي معالم تشريع الإسلام للمجتمع وفق مستوى السنة..