نبيل أديب ،،لم تثبت التجربة العملية لوزارة العدل في السودان في الفترة التي تلت إنقلاب 1989 أي إستقلال للوزير في قراراته كنائب عام عن السياسة الحزبية الحكومية، بل الثابت هو أن الحكومة أصبحت تسعى لتدعيم سياساتها بالإتهامات الجنائية بأساليب مختلفة،،

عقب نشر مقال الأسبوع الماضي حول الفصل بين منصبي وزير العدل والنائب العام، ذكر السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية، في مؤتمر صحفي تناول عدة موضوعات أن قراراً بالفصل بين المنصبين قد إتُخذ بالفعل . ولا أعتقد أن ذلك المقال كان له دور في صدور ذلك القرار، فأنا أعلم أن الدكتورة بدرية سليمان تحمل نفس الرأي من فترة، و كنت قد تناقشت معها أثناء كتابتى لهذه الدراسة وأبدت حماساً للفصل بين المنصبين، و الدكتورة قريبة من مراكز القرار.

علي أي حال فإن إتخاذ القرار هو مجرد خطوة أولى في الإتجاه الصحيح، وهي خطوة لا بد أن تتلوها خطوات حتى تؤتي أكلها.

 

النشأة والتكوين

ظهرت الأقسام والمصالح الحكومية المكونة لوزارة العدل في السودان عقب إقامة أجهزة الحكم الثنائي تحت رئاسة السكرتير القضائي، وهو أحد ثلاث سكرتيرين يعاونون الحاكم العام. منصب السكرتير القضائي بحسب مهامه أقرب لمنصب Lord Chancellor في المملكة المتحدة قبل سريان قانون الإصلاح الدستوري. فقد كان السكرتير القضائي يؤدي مهام رئيس القضاء، فهو رئيس المحكمة العليا، وأيضاً مهام وزير العدل الذي تتبعه الأجهزة الإدارية للمصلحة القضائية والمصلحة المختصة بإعداد التشريع. وأول من تولي هذا المنصب هو مستر توتنهام. في عام 1904 ظهر منصب النائب العام لأول مرة بمسمى المحامي العام Solicitor General، كمنصب مستقل عن السكرتير القضائي ولكنه يتبع له. وأول من شغل هذا المنصب مستر بيكون، وكانت مهام المنصب تقديم النصح القانوني للأجهزة الحكومية وتمثيلها في الدعاوي التي تقيمها، أو تقام ضدها، ويقوم بتولي الإتهام في الدعاوي الجنائية.

ظهر منصب وزير العدل لأول مرة لدى تشكيل الحكومة الوطنية الأولي عقب إعلان الحكم الذاتي. كان الشيخ على عبد الرحمن الأمين أول من تولى منصب وزير للعدل في الفترة الإنتقالية، وخلفه عند إعلان الإستقلال الشيخ مدثر البوشي. كان النائب العام يتبع وزير العدل ضمن الأجهزة الأخرى ومن ضمنها مصلحة التشريع، ومصلحة الإدارة، ومصلحة الشؤون الدينية. أول من تولى منصب النائب العام عقب الإستقلال هو المرحوم أحمد متولي العتباني.

أصبج منصب النائب العام منصباً دستورياً مستقلاً لأول مرة بصدور دستور 1973 والذي نص في المادة 197 منه على أن يعين رئيس الجمهورية نائباً عاماً لجمهورية السودان يكون بحكم منصبه وزيراً ويعدد القانون مهامه وإختصاصاته ومسؤولياته.

ب.السلطات والمهام

 لم يكن أول الأمر للنائب العام سلطة فتح الدعوى الجنائية، ولا الإشراف على التحري، فقد كان ذلك يتم بواسطة القاضي الجنائي. وكان دور المدعي العام ينحصر فقط في تولي الإتهام في بعض الدعاوي. وبالتالي فقد كانت وكالات النيابة محصورة العدد، وفقط في العاصمة والمدن الكبرى. بدأ التدرج نحو تولي النائب العام سلطة الإشراف على فتح الدعوي الجنائية في عام 1983 بصدور قانوني تنظيم  وزارة العدل لعام 1983 (ديوان النائب العام كما كان يطلق عليه آنذاك) وقانون الإجراءات الجنائية لعام 1983. نص قانون تنظيم  وزارة العدل لعام 1983 على أن يتولى وزير العدل/ النائب العام سلطة الإشراف على التحري وفتح الدعوى الجنائية، ولكن التفصيلات التي حملها قانون الإجراءات قيدت من تلك السلطة، فرغم أن قانون الإجراءات الجنائية لعام 1983 منح وكيل النيابة سلطة فتح البلاغ أو رفضه وفقاً لأحكام المادة 120، إلا أنه ألزمه بإرسال تقرير البلاغ إلى القاضي، والذي كان يجوز له بموجب أحكام المادة 123 أن يتولى التحري بنفسه، أو يشرف عليه إذ أوكل إجراءه  للشرطة، أو النيابة. كما وظلت سلطة أخذ العلم بوقوع الجريمة هي سلطة القاضي وفقاً للمادة 151  من نفس القانون.  إلا أن الأمر قد تغير عند صدور قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991 والذي أوكل فتح الدعوى الجنائية والإشراف على التحري بصورة  كاملة لوكلاء النيابة . ومن ثم تعدل قانون تنظيم  وزارة العدل وأصبحت المادة 6 (2) منه تقرأ على الوجه التالي “على الرغم من أحكام أى قانون آخر،  يختص  وزير  العدل  بأخذ  العلم  بأية  جريمة والتحرى فيها ويتولى الاتهام، وتكون له فى سبيل  ذلك  جميع  السلطات  المنصوص  عليها فى أى قانون ينظم التحري وخاصة  قانون الإجراءات  الجنائية 1991 ،  فيما عدا السلطات المنصوص  عليها فى  المـادتين  60 و 79(3)  و (4) منه ،  على أنه يجوز  للقاضى  المختص  بناء  على شكوى  مقدمة  من شخص  متضرر  تتعلق  بانتهاك حقوقه  الدستورية والقانونية أو مخالفة القانون طلب  يومية  التحرى وأى أوراق  تتعلق  بذلك وممارسة  سلطاته  وفقا  لأحكام  قانون الإجراءات  الجنائية 1991

عقب صدور قانون 1983 تولى وزير العدل منصب النائب العام لفترة قصيرة، وتم إلغاء منصب النائب العام بعدها، وإستعيض عنه بوزير العدل رغم الخلاف الواضح بين المنصبين. وبالتالي فقد اصبح المدعي العام لا يستقل بسلطات النيابة العمومية كما هي مفهومة في الأنظمة القانونية المختلفة، بل يتبع في واقع الأمر وكيل وزارة العدل الذي يتبع بدوره وزير العدل. وهذا أيضاً ينطبق على المحامي العام. وهكذا أصبح وزير العدل الذي حل محل النائب العام القديم، تجتمع فيه الصفتان فهو الممتل القانوني للحكومة في الإطار المدني، و المسؤول عن توجيه الإتهام الجنائي وتولي الدعوى الجنائية، بالإضافة لقيامه بالمهام الإدارية والمالية المتصلة بإدارة الأجهزة العدلية رغم أنه معين تعييناً سياسياً وهو جزء من الحكومة وعضو بمجلس الوزراء .

التجربة بعد 89

لم تثبت التجربة العملية لوزارة العدل في السودان في الفترة التي تلت إنقلاب 1989 أي إستقلال للوزير في قراراته كنائب عام عن السياسة الحزبية الحكومية، بل الثابت هو أن الحكومة أصبحت تسعى لتدعيم سياساتها بالإتهامات الجنائية بأساليب مختلفة، ولكن مواجهة العمل المعارض بالإتهام الجنائي أصبح جزءً من تاكتيكات الحكومة في مواجهة المعارضين. لم يكن ذلك مستغرباً في الفترة الأولى التي أعقبت الإنقلاب حين تم إلغاء الدستور وإستبدل بأوامر جمهورية صادرت كافة الحقوق السياسية، وتضمنت أحكاما عقابية قمعية. كان من الطبيعي أن يكون عمل النيابة العمومية في تمثيل الإتهام يتصل بقمع العمل المعارض، ولكن كان المأمول عقب صدور الدستور بما إشتمل عليه من مبادئ وأحكام أن تخلو الإتهامات الجنائية من إتهامات متصلة بالتعبيرعن الرأي وممارسة الحقوق السياسية الأخرى، مما يبعد المعارضين عن دائرة إهتمام النيابة العمومية. ولكن ذلك لم يحدث وسرعان ما ظهر إنحياز النيابة العمومية ضد العمل المعارض في الفترة الإنتقالية، حين إشتد الهجوم الصحفي على الحكومة، وقابلته النيابة العمومية بأوامر حظر النشر في مواضيع بعينها،  وأوامر بإيقاف الصحف، وهي كلها أوامر لا سند لها من القانون. لم يقف الأمر عند ذلك الحد فسرعان ما عادت الحكومة لإستخدام الإتهام الجنائي في تاكتيكات الصراع السياسي، بتعاون تام من النيابة العمومية. لا نحتاج للعودة لأكثر من العام الماضي حتى يظهر ذلك جلياً. يكفي إستعراض قائمة قادة المعارضة الذين تم توجيه إتهامات جنائية لهم في عام 2014 . في ذلك العام تمت توجيه إتهمات جنائية لإمام الأنصار ورئيس حزب الأمة السيد الصادق المهدي، و الأستاذ إبراهيم الشيخ رئيس حزب المؤتمر السوداني، والدكتورة مريم الصادق نائبة رئيس حزب الأمة، و للأستاذ فاروق أبو عيسى رئيس قوى الإجماع الوطني والدكتور أمين مكي مدني أحد أعمدة القانون في البلاد، بسبب ممارستهم لأنشطة سياسية يقوم بها نظرائهم من المعارضين في الدول الديمقراطية بشكل عادي لا يلفت نظر الأجهزة العدلية في تلك البلاد. تم إبقاء كل هؤلاء في أزمنة مختلفة بالنسبة للثلاث الأوائل رهن الإحتجاز لمدة تزيد أو تنقص قليلاً عن أربعة أشهر على خلفية الإتهامات التي وجهتها النيابة لهم والتي تم بعد ذلك إسقاطها قبل أو أثناء المحاكمة، رغم أنها تعلقت بمخالفة مواد بالغة الخطورة من ضمنها المادة 50 المعاقب على مخالفتها بالإعدام بحيث يدعو إسقاطها للشك في جدية الإتهام. كذلك إستخدمت وكالة نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة المادة 50 ضد ناشطين سياسيين بمناسبة دعوتهم لمقاطعة الإنتخابات، وقد تم شطب البلاغات بواسطة المحكمة بعد سماع الدعاوي، ولكن النيابة أفلحت في حبسهم للزمن الذي إستغرقته الإجراءات،  وإستخدام الحكومة للإتهام الجنائي في مواجهة معارضيها بهذه الكثافة فيما يتعلق بنشاط سياسي عادي لم يكن ممكناً لولا إنحياز الوكالة العامة للحكومة. كل هذا أفقد النيابة العمومية إستقلالها في نظر الرأي العام الذي أصبح يراها لاعباً في السياسة الحزبية، وهذه المسألة بالغة الأثر في إفساد ليس فقط النظم العدلي بل أيضا في إفساد الحياة السياسية وأسس الحكم الراشد.

كشف الإستخدام المكثف لوكالة نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة للمادة 50 أنها تتعامل مع العمل المعارض للحكومة بإعتباره بإعتباره عملاً معارضاً للدولة مع أن الفرق بينهما كبير، ففي حين يجرم القانون عرقلة السلطات الدائمة للدولة ، فإن معارضة الحكومة هي حق دستوري، وعمل مشروع. ومن ذلك يتضح أن النيابة العامة لا تحتفظ بمسافة متساوية تفصلها من الأطراف المكونة للصراع السياسي الحزبي بل هي ترى واجبها في قمع معارضة الحكومة القائمة، إما بسبب تفسير بالغ القصور بالنسبة للقانون والدستور، أو بسبب إنحياز سياسي غير مشروع. إن أي محاولة للزج بأفعال المعارضة السياسية في دائرة الأفعال المؤثمة بالمادة (50) هو في حد ذاته إهدار للمبادئ الدستورية التي تقوم على مسألة خضوع الحكام للمحاسبة، وعلى سيادة الشعب، والتي تعني أن الحاكم يستمد سلطته من رضاء الشعب وقبوله.

قرار صائب ولكنه غير كاف

 على الرغم من أن تجارب الدول الأخرى لا تتطلب الفصل بين منصب النائب العام ومنصب وزير العدل لتحقيق استقلال النائب العام عن السلطة التنفيذية، فمن الدول التي لا تفصل بين المنصبين دون أن تفرط في مبدأ إستقلال النيابة العمومية، أمريكا وكندا وأستراليا ، إلا أننا نعتقد أن هذا الفصل ضروري في السودان. ما يجعل هذا الفصل ضروري هو أن المبادئ الديمقراطية ليست عميقة الجذور بين السلطات الرسمية ولا بين الناخبين عموماً. ولذلك، فإن الوزير المعين لإعتبارات سياسية يميل إلى الخلط بين مصالح الدولة التي يجب أن تكون حادية لقراراته كنائب العام، وبين الإعتبارات الحزبية الحادية لقراراته كوزير للعدل. من ناحية أخرى، فإن الناخبين أنفسهم معرضون للانحياز السياسي أو العرقي أو الديني عند تقييمهم لقرارات السلطة العامة، ومعرفة المسؤول أن السماح للولاء الحزبي بالتأثير على قرار رسمي يبعث على إستهجان الشعب، يشكل جزءً هاماً من آليات الرقابة والمساءلة، نفتقده في نظامنا السياسي في هذه المرحلة. لقد رأينا كيف إضطرجونزاليس لدفع ثمن الأخذ بإعتبارات السياسة الحزبية في ممارسة واجباته بوصفه النائب العام للولايات المتحدة. قد لا يكون هذا هو الحال في السودان في المرحلة الحالية، وبالتالي فإن الحل الصحيح في ظروفنا هو الفصل بين الوظيفتين. ولكن الفصل بين المنصيبن في غياب تجذر المبادئ الديمقراطية، وعلى رأسها نظام الرقابة المتبادلة والتوازن بين السلطات لا يكفي لتحقيق الهدف المنشود.

بالنسبة لكل ذلك فإن الإصلاحات المطلوبة لمنصب وجهاز النائب العام يجب أن تتضمن:

 

1-                       إستقلال النائب العام

أ‌.     إصلاح النصوص: من حيث النصوص، لا يكفي مجرد النص في الدستور أو القانون على إستقلال النائب العام عن السلطة التنفيذية، بل يجب تدعيم ذلك بنصوص تجرم أي فعل يرمي لتدخل السلطة التنفيذية في عمل النيابة، بالإضافة لمنح النيابة العمومية إستقلالاً وإقعيا في مواجهة السلطة العامة.

ب‌.          الإصلاح الهيكلي:

1.إستبعاد وكلاء النيابة الذين يثبت تورطهم في إنتهاكات جسيمة

2.تكثيف التعليم والتدريب لأعضاء النيابة العامة، بالأخص فيما يتعلق بتوعيتهم إلى المثل والواجبات الأخلاقية لوظائفهم، والحماية الدستورية والقانونية لحقوق المشتبه فيهم  والضحايا، و حقوق الإنسان وحرياته الأساسية التي يعترف بها القانون الوطني والدولي .

3. فيما يتعلق بتعيين النائب العام ووكلائه من القانونين الذين يصرفون مهامه نيابة عنه، فإنه يجب أن لا يخضع تعيينهم لإرادة السلطة التنفيذية. أعتقد أن أكثر جهة يمكن لها أن تحل محل وزارة العدل في تعيين الوكلاء القانونيين هي مجلس القضاء الأعلى، بعد أن يعاد تشكيله بحيث يشمل بالإضافة لرئيس القضاء، ونوابه، ووزير العدل، عدداً من المحامين، وأساتذة القانون بالجامعات، بحيث تغلب عليه الصفة المهنية على الصفة الرسمية.

4.يجب تضمين معايير اختيار أعضاء النيابة العامة ضمانات تحول دون تعيينهم على أساس التمييز أو المحاباة، بحيث تستبعد أي تمييز ضد الأشخاص يستند إلى العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي وغيره من الآراء، أو المنشأ الوطني والاجتماعي، أو الأصل العرقي، أو الملكية أو المولد أو الحالة الاقتصادية أو أي وضع آخر.

5. كذلك لابد من أن يتم تحصين النائب العام، والمدعي العام، والمحامي العام، من العزل بحيث يتم وضع القواعد التي تنهي عملهم فقط لإنتهاء فترتهم أو بإختيارهم و لايجوز عزلهم إلا بإجراءات عزل Impeachment بواسطة مجلسي البرلمان. بالنسبة لوكلاء النيابة، والمستشارين القانونيين فإن تحصينهم ضد العزل لا يجب أن يصل لتلك الدرجة ولكن يجوز أن يتم عزلهم فقط بقرار من لجنة مختصة في مجلس القضاء العالي بعد سماع دعوى تأديبية يقيمها وزير العدل أو النائب العام، بناء على شكوى تقدم له.

2-                       إستبعاد المهام الإدارية والمالية عن النائب العام

 يجب أن يقتصر عمل النائب العام على الجوانب القانونية المتصلة بدوره كضابط قانوني الأول للدولة، على أن تتبع المهام الإدارية والمالية المتصلة بذلك العمل والتي يقوم بها الكادر الإداري والمهني وزارة العدل.

3-                       الفصل بين الإختصاصين المدني والجنائي

 يساعد النائب العام في أداء واجباته المحامي العام، ويختص بالجانب المدني، من حيث النصح القانوني، وتمثيل المصالح الحكومية المختلفة والوزارات في المحاكم المدنية والإدارية والدستورية، سواء بصفة مدعية أم مدعى عليها، والمدعي العام الذي يتولي شؤؤن الدولة القانونية من ناحية القوانين العقابية، وعلى رأسها فتح الدعاوي الجنيائية وتولي إجراءات التحري، والتحقيق، وتوجيه الإتهام، على أنه بالنسبة لشطب الدعوى الجنائية والوعد بوقف تنفيذ العقوبة فإنه يجب إتخاذها بواسطة المدعى العام نفسه، أما قرار وقف الدعوى الجنائية فإنه يجب أن يصدر من النائب العام شخصياً ويكون قراراً مسبباً يخضع للطعن فيه لدى المحكمة العليا ويكون قرارها نهائياً بشأنه.

4-                       رقابة القضاء:

لا يعني إستقلال النيابة عدم خضوعها لرقابة القضاء، فقرارات و أوامر النيابة العمومية في المراحل السابقة للمحاكمة تخضع لرقابة القضاء وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية الحالي، بل ويستقل القضاء بسلطة إصدار بعضها كتجديد الحبس بعد ال72 ساعة الأولى. ولكن هذه الرقابة لا تمارس على الوجه المطلوب في غيبة الإجراءات التي تنظم سماعاً إختصامياً، وإتاحة بينات الإتهام للدفاع، وهو ما سنتعرض في مقال مستقل. هناك جدل بشأن القرار بشطب الدعوى لعدم وجود أدلة كافية، وهو قرار يمس حقوق الأفراد ولا يتعلق بإعتبارات تخص السياسة العامة للدولة. والعجيب أن قانون الإجراءات المدنية سمح بإستئناف القرار النهائي لوكالة النيابة بحجز الأموال لقاضي الإستئناف، ولكنه لم يقرر الأمر نفسه بالنسبة لقرار وكالة النيابة بشطب الدعوى. ونرى ضرورة أن يسمح للمتضرر من قرار بشطب الدعوى الجنائية أن يرفع طعن بذلك للمحكمة العليا كجزءً من الرقابة على النيابة العمومية.

5-  الرقابة المجتمعية:

كل الضمانات السابقة لا تكفي ما لم تتم إحاطتها برقابة مجتمعية، وهذه الرقابة تعني أن تقوم مفوضية حقوق الإنسان، و منظمات المجتمع المدني المعنية بالمسائل العدلية عموماً، وبحقوق الإنسان بصفة خاصة، بواجبهم في مراقبة قرارات النيابة العمومية، كما ويجب منحهم بشروط معينة سلطة رفع الدعوى التأديبية ضد وكلاء النيابة، تمكيناً لهم من ممارسة تلك الرقابة.

6-                       الرقابة المهنية

 كذلك لابد من إخضاع وكلاء النيابة والمستشارين القانونيين لدى المحامي لعام للهيئات المهنية التي تراقب أداءهم المهني والتي يجوز لها أن تسحب ترخيصهم بمزاولة المهنة للأخطاء الجسيمة أو التوصية بعقوبات إدارية في حالة الأخطاء الأقل جسامة. وذلك يستدعي إعادة تكوين لجنة تأديب المحامين الحالية وتوسيع إختصاصاتها مع إخضاع قراراتها لسلطة المراجعة القضائية.

7-                       دائرة الإصلاح المؤسسي

الإصلاح المؤسسي لا يؤدي الغرض منه إذا إقتصر على مؤسسة واحدة من المؤسسات الحكومية لأن تلك المؤسسات تعمل سوياً. لذلك فإن الإصلاح المطلوب للنيابة العمومية يتطلب تقوية الأجهزة  الرقابية، وتقوية أداء السلطات التشريعية والقضائية، وضمان إستقلالها عن السلطة التنفيذية.

نبيل أديب عبدالله

المحامي