خالد الحاج عبد المحمود        عندما نتحدث عن (داعش) هنا، نحن نقصد الظاهرة أكثر من الجماعة المعينة.. نقصد داعش والإسلام السياسي وعلى رأسه تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، والفكر السلفي عموماً.. فجميعهم شيء واحد، بمسميات مختلفة.. وأهم الظواهر التي يشتركون فيها، هي:

 

1/ عملهم على تطبيق الشريعة، كنظام دولة.. وهذا يتم تحت مسميات مختلفة، مثل: تحكيم شرع الله أو تحكيم التنزيل أو الحكم بما أنزل الله.. وهذه المسميات وغيرها، تعني عندهم الوصول إلى السلطة الزمنية، بحجة إقامة الدين.. والدين لا يعني عندهم أيِّ شيء سوى الشريعة التي حكمت في القرن السابع الميلادي.. فجلهم، إن لم نقل كلهم، لا يفرقون بين الدين والشريعة..

2/ القضية الأولى والأساسية عندهم، في تحكيم الدين، هي الجهاد.. الجهاد بالسيف.. ومعلوم أن الجهاد بالسيف في الشريعة هو ضد المشركين وأهل الكتاب.. وهو يقوم على نصوص واضحة، وقاطعة، ومحكمة، معروفة عند الجميع، وسنتعرض لها..

3/ لا مجال إطلاقاً، في الشريعة، لأن يكون الجهاد بالسيف، ضد المسلمين أنفسهم!! فقتال المسلم للمسلم أمر ممنوع، ومحرم، بنصوص واضحة، لا تخفى على أي مسلم!! ومع ذلك فجهاد جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسهم تنظيم الإخوان المسلمين، ولحقت به مؤخراً جماعات عديدة، جميعها ترجع للإخوان المسلمين والفكر السلفي.. أقول، جهاد هؤلاء، كله ضد المسلمين بالذات، ولا يكاد يتعداهم!!

4/ ليحصر هؤلاء جهادهم في المسلمين وحدهم، لجأوا إلى حيلة غريبة هي: تكفير المسلمين، والحكم على المجتمع كله بأنه مجتمع جاهلي، مثل المجتمع الجاهلي في القرن السابع الميلادي..

5/ هذا المجتمع الجاهلي، الذي كفروه، هم لا يعملون على بعث الإسلام فيه!! ولا يدعونه الدعوة الفكرية التي تقوم على الرأي!! ولا حتى يشيرون إلى مرجعية، أحقيتهم في إقامة دين الله على خلق الله.. هم لا يزعمون أن الله تعالى أذن لهم بهذا الأمر الخطير، وإنما يفعلونه من تلقاء أنفسهم..

6/ حتى لو سلمنا جدلاً، بتكفيرهم للمسلمين، فمن المستحيل شريعةً أن يكون هذا التكفير في المستوى الذي يعطي حق قتالهم جهاداً!! فالجهاد، في الشريعة، يقوم على نصوص واضحة كما ذكرنا وعلى رأسها آية السيف: “فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”.. وقد قام عليها الحديث النبوي: “أمرت أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا ألاّ إله إلا الله، وأنّ محمدا رسولُ الله وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا عصموا مني أموالهم ودمائهم إلا بحقها وأمرهم إلى الله“.. أما جهاد أهل الكتاب فيقوم على الآية: “قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ”..

7/ رغم هذه النصوص الواضحة والتي قام عليها التطبيق الواضح، فإن داعش، وما يلحق بها من جماعات، يجاهدون، ويقتلون، من هم محرم جهادهم وقتلهم، من المسلمين الذين يؤمنون بالله ورسوله، ويقيمون أركان الدين!! ويتركون من جهادهم هذا المزعوم، من أمرت الشريعة بجهادهم.. أكثر من ذلك هم يتعاونون مع هؤلاء لقتال المسلمين!!

ولقد كان طمع جماعة الإسلام السياسي، ممثلاً في الإخوان المسلمين، الوصول إلى السلطة في الدولة الواحدة– على الأقل في بداية الأمر.. أما الطمع في السلطة على يدي داعش فيتجاوز، من سبقوها من جماعات الإسلام السياسي.. ولم تعد الظاهرة تكتفي بالسلطة في دولة واحدة، وإنما طمعت بالانتشار في عديد الدول، وربما تطمع في العالم الإسلامي كله!!

إن محاربة ظاهرة الإسلام السياسي، ينبغي أن تكون في ميدانه – ميدان الدين.. المحاربة العسكرية أمر قائم، ولكن وحدها ليست كافية، ولا بد من المحاربة الفكرية، التي تعمل على تجفيف الظاهرة في العقول.. بصورة خاصة لا بد من مناقشة موضوع التكفير، وموضوع الحاكمية، وهما يمثلان المنطلق الديني الأساسي، عند جميع جماعات الهوس الديني، والإسلام السياسي، منذ نشأته، وحتى ظهور داعش وأخواتها..

وأكبر، وأخطر، من فلسف للظاهرة، وعمل على أن يعطيها سندا دينياً، هو الأستاذ سيد قطب، في كتابه (معالم في الطريق).. ولذلك لابد من إعطاء هذا الكتاب أولوية خاصة، من أجل دحض الحجج الواهية لهذه الجماعات، والتي ترجع جميعها إلى كتاب سيد قطب المذكور.. ولذلك نحن عندما نتحدث عن (معالم في الطريق) يعنينا في المكان الأول، ضعف وتهافت حجج جماعات الإسلام السياسي، في تكفيرهم للمسلمين ومقاتلتهم..

الواقع الحضاري وواقع المسلمين:

قبل الدخول في لب الموضوع، لا بد من صورة موجزة عن الواقع.. الواقع الحضاري، الذي يعمل هؤلاء على إقامة دولتهم فيه.. فالخطاب الفكري والديني، لا بد أن يكون في مستوى الواقع الذي يخاطبه، ليحل مشكلاته، ويستجيب لتحدياته.. ثم لا بد من الحديث عن واقع المسلمين، فهم يمثلون الدائرة التي يتحرك فيها الإسلام السياسي، ويستهدفها قبل غيرها..

بالنسبة للمسلمين، فالأمر الواضح جداً، أنهم ليسوا على شيء من الدين.. فقد أدركتهم نذارة المعصوم، التي وردت في عديد الأحاديث، ومنها قوله: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كتداعي الأكلة على القصعة.. قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله!؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء، كغثاء السيل، لا يبالي الله بكم”.. والغثاء، هو ما يحمله السيل من أشياء، خفيفة الوزن، متنوعة الأشكال والألوان.. والوزن عند الله إنما يكون بالتوحيد.. فلغياب الوزن، جاءت عبارة (لا يبالي الله بكم).. فإنما يبالي الله تعالى، بمن قلوبهم عامرة بالتوحيد، وعنده تعالى “مثقال ذرة من لا إله إلا الله، أثقل من جبل أحد”.. وفي حديث آخر يقول المعصوم: “لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراع بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه”.. ومن كانوا قبلنا هم اليهود والنصارى، وقد دخلوا جحر الضب الخرب، ودخلنا معهم!! فجحر الضب الخرب، هو المادية، وقد دخله أصحاب الأديان الكتابية، جميعهم.. كان اليهود والنصارى، هم الأسبق، ثم لحق بهم المسلمون، فاليوم، جميع أصحاب الأديان، يظهرون الدين ويبطنون المادة.. وأسوأ من ذلك، فإن جماعة الإسلام السياسي، جعلوا الدين وسيلة للدنيا!! عكس ما هو مطلوب.. فالمسلمون اليوم يذهبون إلى المساجد، ولكن في الحياة، في السوق، لا فرق بينهم وبين الآخرين في التعامل، فكأن الله عندهم في المسجد، ولكن خارجه غير موجود!!

في حديث ثالث، يقول المعصوم: “افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي”.. وأمر تعدد الفرق الإسلامية، أمر واضح ولا مجال للخلاف حوله.. ولم يقف الأمر عند مجرد التفرق والتحزب، وإنما هذه الفرق يحارب بعضها بعضاً، وهذا ما تقوم به داعش، وسلفها من جماعة الإسلام السياسي.. يحق لأي فرقة من الفرق الإسلامية، أن تزعم لنفسها أنها على الحق، وأنها الفرقة الناجية.. وفي حالة مخاطبة الفرق الأخرى عليها أن تقيم الدليل الواضح، على أنها الفرقة الناجية.. العقيدة الذاتية في هذا الصدد لا تكفي.. فطالما أنك خاطبت الآخرين، فلا بد من الدليل الواضح الذي يقنع العقول، بصحة دينك، دون دين بقية الفرق.. أما إقامة الدين في الأرض، وحكم الآخرين به، من قبل فرقة من هذه الفرق، فأمر غير وارد تماماً، حتى ولو كانت الفرقة على الحق البين!! فالدين بصورة مبدئية، لا يقام بأمر الناس، وإنما يُقام بإذن الله!! ومن يزعم أن الله، أذن له في إقامة دينه على عباد الله، عليه هو أن يظهر دليله، على إذن الله!!

نأتي لعرض الصورة الموجزة، للواقع الحضاري، الذي يخاطبه الدين في وقتنا الحالي.. أيِّ بعث ديني، يقوم اليوم، إنما يقوم في واقع الحضارة الغربية السائد، وما يحدده هذا الواقع من شروط.. فالخطاب الديني دائماً حسب طاقة الناس وحاجتهم: “لا يكلف الله نفساً إلا وسعها”.. و “نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم”.. وأوضح، وأكبر، وأعظم، إنجاز للحضارة المعاصرة، هو التقدم العلمي الهائل، وما انبنى عليه من تقدم تكنولوجي، أثر تأثيراً هائلاً، على جميع نواحي الحياة، عند الإنسان، حتى أصبح تصور الإنسان للكون، واستخدام الإنسان للعلم لإخصاب الحياة اليوم، يكاد الشبه يكون منقطعاً، بينه وبين القرون السابقة، بما فيها القرن التاسع عشر..

يكفي أن الإنسان وصل إلى البداية المادية للكون – نظرية الانفجار العظيم.. وأقام في المجالات الصغيرة علماً كاملاً، علم المجالات دون الذرية.. وليس من الضروري أن نذكر التطور في المجالات المختلفة، فهو معلوم، بل إن المعلومات العلمية، التي يتحصل عليها طالب المدارس الثانوية، أكبر، وأدق، وأعمق، من علم كبار العلماء في التاريخ، بمن فيهم نيوتن نفسه!!

ثم إننا دخلنا عصر البيولوجيا الجزيئية، وتمت معرفة الجينوم – الخريطة الجينية للإنسان.. ثم جاءت النظريات العلمية الكبيرة، التي غيرت أساسيات المسلمات العلمية القديمة، وعلى رأس هذه النظريات: النظرية النسبية، ونظرية الكوانتم..

ثم جاءت ثورة المعلومات، وشهدنا بعد التلفزيون، الكمبيوتر والإنترنت.. ورأينا السعة الهائلة في تخزين المعلومات، في حيز، لا يكاد يذكر.. ورأينا السرعة الهائلة في التواصل، على مستوى الكوكب الأرضي.. وتوحد الكوكب الأرضي، بحيث أصبح الناس فيه يشاهدون الحدث الواحد، في جميع أنحاء الكوكب الأرضي، وقت حدوثه!! وبالطبع نتيجة لكل هذا التقدم، وغيره كثير، زاد الوعي..

ومن الجانب الآخر طور الإنسان من أسلحته، حتى وصل لما يُسمى بأسلحة الدمار الشامل.. وبلغ منها مبلغاً، لو لا قدر الله، نشبت حرب عالمية ثالثة، أو حدثت حرب، استخدمت فيها هذه الأسلحة – وهذا أمر دائماً وارد – فإن النتيجة المحتمة، هي فناء الحياة على الأرض!!

لقد كان للحرب دورها الإيجابي في التاريخ، فهي قد كانت من أهم وسائل التفاعل الحضاري، وإليها، من بعد الله، يرجع الفضل، في جميع التحولات الحضارية الكبيرة.. والآن، بفضل الله، ثم بفضل التطور الهائل، انتهى الدور الإيجابي للحرب، بصورة نهائية.. فلم يعد التفاعل الحضاري في حاجة إليها.. وأصبحت الحرب، لا ينتج عنها إلا الشر المستطير، وإذا قدر لها أن تنشب في مستوى أسلحة الدمار الشامل، فإن نتيجتها ما ذكرنا.. وبذلك انتهى دور الحرب التاريخي، ولم تعد مما ينفع الناس، بأيِّ وجه من الوجوه.. أصبحت زبداً، لا بد أن يذهب جفاءً..

ومن الجانب الآخر، توحُّد الكوكب الأرضي، جعل أهل الأرض جيراناً.. وهو جوار أقرب من الجوار بالأبيات.. أصبح العالم قرية – كما يُقال.. ولم يعد يصلح لهذا العالم الموحد، من الأخلاق، إلا ما يناسب علائق الجوار – علائق السلم والتكافل..

فلأول مرة في تاريخ الحضارة البشرية، توحّد الكوكب الأرضي، وهذا أمر لا بد أن تكون له تبعاته.. ولأول مرة في تاريخ الحضارة البشرية، تفقد الحرب الدور الإيجابي، المرحلي، الذي كانت تقوم به، وحل مكانها ما هو أكفأ منها، بما لا يقاس: التواصل والتفاعل عن طريق وسائل الاتصال الحديثة.. وبذلك انتهى الدور الحضاري للحرب، ولا بد لها أن تدخل متحف التاريخ.. والبشر ليسوا مخيرين في ذلك.. فإما نهاية الحرب، أو نهاية الحياة على الأرض!! إما السلام، ومواصلة الحياة مسيرتها، وإما نهاية الحضارة والحياة.. هذا هو التحدِّي: إما السلام أو الفناء!!

ثم إن الواقع الحضاري، يفرض مستوى معيناً من الخطاب.. فأيِّ دعوة للتغيير، دينية كانت أو غير دينية، لا بد أن تحل مشكلات الإنسان المعاصر، وعلى رأسها مشكلة السلام، وأزمة الأخلاق الطاحنة، ومشكلة البيئة …إلخ..

ثم لا بد أن تخاطب عقل الإنسان المعاصر، في مستواه، ومستوى حاجاته، وطاقاته، ومستوى يلبي أشواقه.. والدعوة التي تقصِّر عن هذا التحدي، لا حاجة للإنسان بها..

أيِّ دعوة تدعو للحرب، أو تبررها، بأيِّ صورة من الصور، دعوة باطلة ابتداءً، ولا تستحق مجرد النظر فيها.. وأصحابها هم من عماء البصيرة، بحيث أنهم عجزوا، عن رؤية حكمة الله الواضحة، وراء تطوير السلاح.. وانتهاء الدور الإيجابي للحرب..

ثم إن أيِّ دعوة، دون الحضارة الغربية، السائدة اليوم، الإنسانية ليست في حاجة إليها.. أي دعوة للتغيير، لا بد أن تتفوق على الواقع الحضاري القائم، وإلا فمن الأفضل لأصحابها أن يحتفظوا بها لأنفسهم.. فالإنسان لا يقبل، ما هو أقل مما عنده..

إذا كان الدين في العهود السابقة، يخاطب منطقة محددة من الأرض، والأرض نفسها لم تتوحد، فإن الدين اليوم لا يكون إلا للأرض جميعها.. لقد انتهى العهد الذي تكون فيه الأرض، أرض مصر، أو أرض كنعان.. انتهى العهد الذي فيه كان الرسول يُرسل لمائة ألف أو يزيدون.. وبذلك، أصبح هنالك مستوى معيناً، وهو أن يكون الدين عالمياً، لجميع أهل الأرض.. وعلى من يدعو له أن يبين وجه العالمية فيما يدعو له..

على ضوء هذه المقدمة الموجزة، عن الواقع، نعود لنرى موقف داعش والإسلام السياسي، ونبدأ بطرح القضية الأساسية عندهم (التكفير)..