خالد الحاج عبد المحمود التكفير: إن أكثر من أشتهر بالتكفير، في التاريخ الحديث، الأزهر، وأشياخه.. فتاريخ الأزهر كله، يكاد يكون تاريخ تكفير.. فقد كفر الأزهريون: الشيخ عبد الرازق، ومحمد رشيد رضا، وطه حسين، وقاسم أمين.. أما عمر لطفي المحامي، فقد وصموه بالإلحاد، لدعوته  للجمعيات التعاونية!!

وقد يكون التكفير لأسباب تافهة جداً، مثل لبس البرنيطة.. قد هاجم علماء الأزهر، الشيخ محمد عبده هجوماً شديداً، لأنه أفتى بأن لبس البرنيطة حلال، فحاربوه بكل قسوة، واتهموه بالزندقة!! راجع كتاب (زعماء الإصلاح) أحمد أمين، طبعة 1965م،ص110..

       أما جماعة الإخوان المسلمين في مصر، فقد رفعوا ظاهرة التكفير إلى أبعاد جديدة، وركزوا على تكفير الحكام والحكومات، ثم المجتمع كله.. والتكفير عندهم وسيلة للسلطة، فعلى التكفير تقوم دعوتهم للجهاد، لتغيير أنظمة الحكم والمجتمعات.. وقد بدأت الظاهرة مع مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا، ولكنها علي يدي سيد قطب وصلت قمتها، وأصبحت المصدر الأساسي لجميع جماعات التكفير في العالم.. ونحن هنا نركز على سيد قطب، وكتابه (معالم في الطريق)، فإلى هذا الكتاب ترجع كل صور التكفير، والعنف والجهاد، عند مختلف الجماعات، التي عرفت بهذه الاتجاهات.. فسيد قطب هو المُفلسف الأساسي، لمبادئ حركات الهوس الديني، في العالم الإسلامي.. والقضية لا تقف عند مجرد التكفير، وإنما تذهب إلى تغيير الواقع بالعنف، باسم الجهاد.. فالمجتمع كله، عند سيد قطب ومن تبعه مجتمع جاهليٌ.. ولإقامة الإسلام، لا بد من تحطيم الجاهلية، قبل قيام الإسلام.. يقول سيد قطب مثلاً، من كتابه (معالم في الطريق)، ما نصه: “نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم.. كلما حولنا جاهلية .. تصورات الناس وعقائدهم،عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم.. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية،وتفكيرا إسلاميا..هو كذلك من صنع هذه الجاهلية” ص33.. أن يقول سيد قطب: “نحن اليوم في حالة جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم”!! هذا القول وحده، كاف جداً، لتقييم فكر صاحبه.. فهو يدل على تعصب أعمى.. فمن المستحيل أن تكون الجاهلية المعاصرة، مثل الجاهلية الأولى، خلِّ عنك أن تكون أظلم!! إن الاختلاف بين جاهلية اليوم، والجاهلية السابقة، كالاختلاف بين السفر بالصاروخ والسفر بالناقة!! وقول سيد قطب المذكور هو جهل بالتوحيد..

 فالجاهلية، أي جاهلية، هي من صنع الله، الذي لا يدخل في الوجود غير ما يريد.. فهذه الجاهلية، هي إرادة الله متجسدة، ولله من وراء ما يريد حكمة، فلا شيء، على الإطلاق، يمكن أن يدخل الوجود لغير حكمة.. وحكمة الله تعالى من وراء واقعنا المعاصر، عظيمة جداً، وتحتاج منا الشكر العظيم.. لاحظ أن سيد قطب يقرر أن الكثير مما هو إسلامي في وقتنا الحاضر، ليس إسلاميا!! فهو يقول: “حتى كثير مما نحسب ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكير إسلامي، هو كذلك من صنع الجاهلية”!!

مثلاً: المراجع الإسلامية الأساسية عند جميع المسلمين اليوم، هي القرآن والسنة، فكيف تكون هذه من صنع الجاهلية!؟

    ما هو المطلوب فعله إزاء هذه الجاهلية عند سيد قطب!؟ يقول سيد: “إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع”.. “مهمتنا تغيير هذا الواقع من أساسه” ص23.. “إن أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، ولا نعدل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيراً لنلتقي معه في منتصف الطريق” ص23.. ويقول: “وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق” ص24..

    وتغيير الواقع عند سيد قطب لا يكون إلا بالحرب، بالجهاد بالسيف، فمنهج الدين عنده، يقوم على: “إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعاً، وتعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد!! لا بقهرهم على اعتناق عقيدتنا ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة.. بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة، أو قهرها حتى تدفع الجزية، وتعلن استسلامها”.. بالطبع كتاب سيد هذا نفسه، طبع ووزع مع وجود الطواغيت، والأنظمة الحاكمة!! ويؤكد سيد توكيداً شديداً، أن الإزالة، لا بد أن تكون بالقوة، وخلاف ذلك عنده سذاجة!! “أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية فلا بد من إزالتها بالقوة” ص90.. وعنده إذا كانت دار الإسلام آمنة أو مهددة من جيرانها، فلا سلام إلا إذا أصبحت جميع البلاد فيها “الدين كله لله” و “عبودية الناس كلهم لله”.. وعنده الحرب حالة دائمة في الحياة، وهي وسيلة دفع الناس بعضهم ببعض.. فالحق والباطل لا يتعايشان، فالقتال هو الشأن الدائم: “إذن هو الشأن الدائم لا الحالة العابرة، ألا يتعايش الحق والباطل في هذه الأرض” ص93.. والمستهدف بتحرير سيد قطب هو الجنس الإنساني كله.. وعنده مهما صلى الناس وصاموا، وأقاموا الأركان، فإن مجتمعهم ليس إسلامياً!! “ليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناساً ممن يسمون أنفسهم (مسلمين) بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون هذا المجتمع وإن صلى وصام وحج البيت الحرام” ص141..

هذا أخطر نص!! ولكن أنت وإخوانك تعيشون في هذا المجتمع، فما الذي يميزكم عن باقي المسلمين، طالما أن المعيار الوحيد هو أن يكون للشريعة الحكم الزمني!؟ عند سيد المحك هو الحكم الزمني، حسب ما يفهمه هو، أسمعه يقول: “ومن ثم لا يكون هذا المجتمع في دين الله الذي يحدده قوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ).. وبذلك يكون مجتمعاً جاهلياً، ولو أقر بوجود الله سبحانه ولو ترك الناس يقومون بالشعائر لله” ص142.. وفق هذه الشروط، يكون مجتمع المسلمين في مكة، على عهد النبي، مجتمعاً جاهلياً، طالما أن الشريعة لم يكن لها السلطة الزمنية.. ولكن ما هو وضع الأخوان المسلمين حسب هذا التحديد!؟ هؤلاء وحدهم هم المسلمون!؟ لماذا!؟ “لأنهم انتقلوا من العبودية لغير الله، إلى العبودية لله، وقرروا أن يقيموا نظام حياتهم على أساس هذه العبودية” ص109.. لاحظ هذا التمييز: المسلمين الذين يكونون على الإسلام، عقيدة وعملاً، هم مجتمع جاهلي، طالما أن السلطة الزمنية لم تقم على الشريعة.. أما الإخوان المسلمون، فهم مجتمع مسلم لمجرد أنهم قرروا أن يقيموا نظام حياتهم على الشريعة.. وهذا عنده هو: الانتقال من العبودية لغير الله، إلى العبودية لله!! المجتمع المسلم عنده، لا يقوم إلا إذا قامت جماعة حسب مواصفاته هو “إن هذا المجتمع الإسلامي لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله في العبادات والشعائر.. ولا تدين لغير الله في النظام والشرائع”.. فالمحك هو (النظام والشرائع)!! ولكن ما هو هذا النظام والشرائع، عند سيد قطب، وجماعته!؟ هذا ما لا ينبغي السؤال عنه، والسؤال عنه هو لمجرد إحراج الحركة.. يقول: “إن الجاهلية التي حولنا كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية، فتجعلهم يتعجلون خطوات المنهج الإسلامي – هي كذلك تتعمد أن تحرجهم فتسألهم أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ودراسات، ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة”.. إلى أن يقول: “وهي سخرية هازلة يجب أن يترفع عليها كل ذي قلب يحس لهذا الدين بحرمه.. إن الجاهلية لا تريد بهذا الإحراج إلا أن تجد لنفسها علة في نبذ الشريعة، واستبقاء عبودية البشر للبشر.. وإلا أن تصرف العصبة المسلمة عن منهجها الرباني” ص28..

موقف سيد قطب هذا، هو نفسه موقف البنا، مؤسس الجماعة، فقد أورد عنه هنداوي دوير، أحد زعماء الأخوان بمصر قوله: “فكان رأيه أن محاولة صياغة رأي الإخوان في القضايا التفصيلية، وكيفية تطبيق الشريعة الإسلامية، على حياة المجتمع المعاصر هي محاولة ضررها أكبر من نفعها، فإذا كانت صياغة مثل هذه، قادرة على مواجهة الخصوم السياسيين الذين أخذوا على الإخوان دائماً أنهم يطرحون شعارات عامة، ولا يقدمون حلولاً تفصيلية للمشاكل، فإنها تفتح الباب في نفس الوقت لشقاق كبير بين المسلمين أنفسهم لتعدد المذاهب والاجتهادات”.. فهم يعترفون بأن الاختلاف بين المسلمين قائم.. وهو قائم بدرجة تكفير بعضهم بعضاً، ومقاتلة بعضهم بعضاً، ولكنهم لا يريدون لهذا الخلاف أن يسوى عن طريق الحوار.. ولا بد عندهم من أن يسوى عن طريق الحرب!! وبديهي أن من ينتصر في الحرب، سيفرض تصوره على من يخالفوه، وهو منذ البداية فرضه لدرجة مقاتلتهم!! رغم أن الجهاد، في مستوى التنظير يطال كل أهل الأرض، على اعتبار أنهم في جاهلية، إلا أنه من الناحية العملية الجهاد قاصر على المسلمين فقط!!

    هل تجهل جماعات الإسلام السياسي، الإمكانات العسكرية الموجودة في الأرض اليوم!؟ من المفترض أنهم لا يجهلون، لأن المعلومة متوفرة لكل إنسان!! لكنهم يتجاهلون هذا الأمر، وكأنه غير موجود، وكأن وجوده ليس وراءه أي حكمة!! وإثارته يعتبرونها من باب الإحراج، ليس إلا !!

       ونحن عندما نفرد لسيد قطب هذه المساحة، إنما لأن كتابه هذا (معالم في الطريق)، هو الذي يقوم عليه عمل كل الجماعات الجهادية.. فمن هذه الناحية هو أخطر كتاب.. ومع كل ما فيه من ضعف فكري، إلا أنه مكتوب بلغة جذابة للشباب، تخاطب عواطفهم الدينية، بما يثير عواطفهم وحماسهم لما يسميه سيد قطب الجهاد..