تقرير: أمل هباني *هذا هو الفرق بين سجينات "حوش البقر" وسجينات الدرجة الأولى! * مريم يحيى: الضابطة تشتم النزيلات بألفاظ لم أسمعها في حياتي *اكثر من 80 طفلا برفقة امهاتهم داخل السجن .. *تسرب الغاز في المطبخ ..قد يؤدي الى كارثة ..قريبا 

 (دار التائبات ) ….هذه هي اللافتة التي تقابلك امام السجن الخاص بالنساء في ام درمان ….ما أن تتخطاها وتدلف الى المكان … حتى  تغلق انفك بصورة تلقائية من رائحة الصرف الصحي ،فالمجاري طافحة ،والسجن غاية في التدهور البيئي …..فالسجن يسع 500 سجينة الا أن عدد النزيلات قد تجاوز الألف وخمسين نزيلة حين ولوجونا اليه …..

العنابر من الزنك الذي تتخله فتحات يتسرب (رقراق ) الشمس من خلالها على رؤوس النزيلات اللاتي يقبعن هناك ،ولا مراوح تخفف من حرارة الشمس …الحوائط (زبالة ) والأرض (تراب ) ….مجارى الصرف الصحي تطفح في كل المكان ….

السجن يتم تمويله بقليل من اموال وزارة الداخلية وكثير من الصدقات والتبرعات التي تأتي من الخيرين ومن ديوان الزكاة وعدد من المنظمات …..

هنالك بين 80-100 طفل دون سن الخامسة  برفقة امهاتهم هناك يعيشون في هذه البيئة السيئة وينمون فيها …هنالك عنبر وحيد للامهات برفقة أطفالهن الا ان الأسرة الموجودة لا تكفي كل العدد لذلك تنام الامهات مع اطفالهن على الأرض …

في السجن كثير من العنصرية والجهوية والتفرقة الطبقية ،إذ تعيش سجينات الشيكات أوضاعا افضل لان معظمهن من طبقة اقتصادية ميسورة وحتى من سحنات مختلفة عن بقية السجينات اللائي ينظر اليهن بازدراء وتحقير، كونهن محكومات في قضايا دعارة، أو بيع خمور أو قضايا الاحكام الطويلة مثل القتل والحشيش ….كما أن سجينات الشيكات لهن المقدرة المالية لتخديم بقية النزيلات ودائما ما تجدهن يغسلن لهن ملابسهن أو ينظفن لهن أو يصنعن لهن طعاما بالمقابل المادي….

المطبخ عبارة عن مكان ضيق عرشه من الزنك ،يوصل الغاز فيه عبر مواسير وليس اسطوانات حفاظا على السلامة ….الا أن المواسير فيها تسريب شديد ،ويمكن أن يحدث انفجار في أي لحظة خاصة مع سخانة المطبخ وضيقه …وقد سمعنا رواية أن احد  النزيلات اشتعل فيها الغاز المتسرب ….وتم انقاذها بعد اصابتهابحروق بسيطة ….

تتعامل معظم الضابطات بطريقة شرسة وبها كثير من الاذلال ،ومنظر احدى الضابطات وهي تكفت(تصفع) نزيلة يعتبر عاديا تماما …والشرطيات انفسهن ليس لدي معظمهن أي وعي بحقوق الانسان ولم يتلقين  أي تدريب على كيفية التعامل مع السجينات ..ويعتبرن أن التعامل الفظ العنيف يصنع لهن هيبة ومكانة وسط النزيلات إذ يصبحن على درجة من الخوف منهن ،ويمنع النزيلات من التمرد على الشرطة …..

مريم يحي، المتهمة بالردة والمحكومة بالإعدام العام الماضي، والتي أفرجت عنها السلطات تحت ضغوطات دولية، واحدة من أشهر النزيلات في “دار التائبات” خلال العام الماضي  ، قضت حوالي ثمانية أشهر بالسجن وانجبت مولودة هناك، سألتها “التغيير الإلكترونية”  حول الاوضاع  داخل سجن النساء بامدرمان،  فردت من مقر اقامتها  بامريكا قائلة :” خلال فترة اقامتي بالسجن وفي الحراسات بعدد من أقسام الشرطة بولاية الخرطوم واجهتني أشياء مؤلمة ، لم أكن أتوقع ان الشرطة التي ترفع شعار ( الشرطة عين ساهرة )  وحماية للمواطن. ترتكب كل هذه الفظاعات،  تم ترحيلي الى سجن النساء بأمدرمان وكان ذلك اسود يوم في حياتي ، عندما تسمع الضابطة تنادي النزيلة وتشتمها بشتائم مخجلة وانا لم اسمعها في حياتي فما بالك بما تفعله العسكريات ، داخل السجن هناك قوانين خاصة وصارمة يتم تنفيذها بلا رحمة اذ ان القاضي هو الضابطة او مديرة السجن ، اذا ارتكبت اي مخالفة يتم عقابك عقاب فوري من غير ان تأخذ فرصة لتدافع عن نفسك ، هناك أقسام داخل السجن : اولا الأحكام الطويلة وتتراوح مابين ٢٠ ، ١٥،١٠، ٧ ، ٥ ،٣،٢.والإعدام ،وهي جرائم القتل والمخدرات والنصب والاحتيال والدعارة.القسم الثاني الأحكام القصيرة وتتعلق بجرائم السرقة والخمر والغرامات الصغيرة والدعارة وهذا شي محير وهو ان هناك بعض المتهمات بالدعارة تتم محاكمتهن باحكام طويلة اذ ان هناك متهمات تمت محاكمتها بفترة ٢٠ عام واحدة عمرها ٥٠ واُخرى ٥٥ وهذه تمت محاكمتها من اول جلسة .وأخريات  تمت محاكمتهن بستة أشهر او سنة وهذا القسم يسمى حوش البقر وهو عبارة عن مبنى مثل حظائر الأبقار ومع ذلك لا يتسع لكل الناس فتجد معظم النزيلات يفترشن الارض ، تحت الشمس والأمطار والبرد  ، وهنالك مبنى اخر يسمى بالجملون وهذا مخصص لأمهات الأطفال به عدد قليل من الاسرة والباقيين يفترشون الارض . وهناك قسم خاص بجرائم الشيكات وهذا به بعض الامتيازات التي لا توجد في باقي الأقسام الا انه ليس به حمامات ، والقسم الأكثر سوءا هو الخاص بالمنتظرين اي الذين لم تتم محاكمتهم بعد ، وهو عبارة عن برندات من الزنك او مظلات وهو ايضا لا يسع لربع العدد الذي يوجد به والنزيلات في هذا القسم عبارة عن ضيوف فقط، من واجب إدارة السجن ان تمنحهم مكان ينامون فيه ووجبتين يوميا ، لان المحكمة هي المسؤولة عنهم اي انه اذا مرضت احد النزيلات عليها ان تنتظر حتى يتم احضار إذن من المحكمة بخروجها من السجن . هناك عيادة تتبع للسجن لكن لا يوجد بها حتى بندول . مع العلم ان هناك مرضى بالسكري والسرطان والايدز والامراض الجلدية والضغط والازمة والقلب ، لكن يجب ان تتكفل المريضة بتكاليف العلاج مع العلم ان معظم النزيلات يواجهن مشاكل مادية بسبب تنكر اهاليهن اذ ان بعض المتزوجات منهن يتم طلاقها بسبب دخولها السجن وتحرم من رِؤية اطفالها ..اذ ان الواحدة منهن لا تتذكر حتى ملامح وجوه ابنتها او ابنها الذي تركته ودخلت السجن .وكثيرا ماتخرج السجينة  لتجد ابنتها  تزوجت وأنجبت ،  وحدثني  احدى النزيلات عن ابنتها التي تركتها وهي عمرها ٥ سنوات والآن اصبح  عمرها ١٠ سنوات ،لكنها  علمت من شقيقتها الكبرى أنها تبكي طوال الليل وتنادي على أمها وأنها صارت تعاني من التبول اللاإرادي بسبب الخوف الذي تعيشه بسبب افتقادها  أمها )…

الأوضاع المتردية داخل سجن أمدرمان للنساء، أو”دار التائبات”، لم تكن مفاجأة، لانها تعكس حالة التردي لاوضاع حقوق الإنسان في البلاد ككل، فإذا كانت المدارس والمستشفيات ودور المسنين، ومصحات الامراض العقلية تعاني من الإهمال وانهيار البيئة، فلا عجب ان تكون السجون بذات الوضعية، ولكن مأساة السجون تكمن في ان من بداخلها يعانون في صمت وبعيدا عن الأنظار ولا حول لهم ولاقوة، وقد لا يجدون التعاطف او الحماس الكافي لقضيتهم رغم ان كيفية معاملة السجناء والسجينات معيار مهم للحكم على درجة تحضر الدولة.