شهد الأسبوع الماضي حلقة جديدة في مسلسل الفساد وانعدام الشفافية في السودان، حيث تم التوقيع في القصر الجمهوري وبحضور رئيس الجمهورية على اتفاق بين وزارة المعادن وشركة روسية للتنقيب عن الذهب.

 وأُعلن على الملأ ان الشركة اكتشفت احتياطيات من الذهب في السودان تقدر ب46 ألف طن، قيمتها 289 مليار دولار! وسوف يبدأ استخراج هذه الثروة الخرافية في غضون ستة أشهر من الآن، وقبل ان يجف مداد التوقيع فاحت تلك الرائحة!

وثبت ان الصفقة مشبوهة وان هناك أطرافا خفية(في الغالب نافذين في الدولة أو مسنودين بنافذين)  هي الشريك الأكبر والأهم، كما شكك الخبراء في الكميات المعلنة وقطعوا باستحالة اكتشافها إلا عبر عمليات فنية معقدة تتطلب عملا ميدانيا يستغرق عامين على الأقل، وتساءلوا هل الشركة الروسية شرعت في العمل فعلا قبل عامين من التوقيع على العقد؟ وما هو التكييف القانوني لذلك؟ ام أن الإعلان عن هذه الآلاف من أطنان الذهب مجرد بروباجاندا(دعاية) حكومية الهدف منها الخروج من مأزق انهيار الجنيه أمام الدولار ومطاردة ثقة المستثمرين المفقودة في الاقتصاد السوداني، من جهة، وتخدير الشعب المكتوي بنيران الغلاء وإيهامه بان فرجا قريبا في الطريق؟ كما تساءلوا حول إهمال وكالات الأنباء العالمية لخبر صفقة بهذا الحجم(289 مليار دولار)،لا سيما بعد الاستقالة التي تقدم بها مستشار وزارة المعادن محمد أحمد صابون  ورد فعل الوزارة المتشنج عليها، وإلغاء مؤتمر صحفي كان من المفترض ان يخاطبه وزير المعادن قبل نصف ساعة من موعده، ومن ثم بقاء كل تساؤلات الخبراء وتساؤلات الرأي العام دون اجابات رسمية مقنعة.

حتما سوف تكشف الأيام أسرار هذه الصفقة في إطار حرب المصالح المشتعلة داخل النظام، وستجد كل التساؤلات المثارة حولها الإجابات، ولكن السؤال المركزي في هذه القضية هو لماذا تفترض الحكومة ان الشعب السوداني يجب ان يفرح باكتشاف الذهب او غيره من المعادن؟ ألم يفرح ذات الشعب يوما ما بالبترول؟ ألم يدخل البترول من 50 – 90  مليار دولار إلى الخزينة العامة وبدلا من ان تستخدم هذه الأموال في التنمية وتأهيل القاعدة الانتاجية تم تبديدها في الفساد والحروب والقمع  والانفاق الاستهلاكي؟

إن “المعدن النفيس” الذي يجب ان يشارك في التنقيب عنه كل السودانيين والسودانيات هو”الحكم الراشد” وأركانه المشاركة والشفافية والمساءلة وسيادة حكم القانون، وبدون العثور عليه سيكون مصير اي “ثروة” مثل مصير البترول، فنظام الإنقاذ الذي يجتهد الآن في تخدير الشعب بالذهب هو من بدد”الذهب الحقيقي والدائم” ممثلا في الزراعة، وبدد “الذهب الأسود” وحتما سيبدد اي ذهب مهما كانت كمياته.