خالد الخاج عبد المحمود ما هو الكفر؟:        كفر الشيء يعني غطاه وحجبه.. والكفر شريعة، هو تغطية الله تعالى وحجبه.. ووجود الكفر ليس وجود حقيقة!! وإنما هو وجود شريعة، وجود حكم عقلي.. في الحقيقة الكفر مستحيل!! 

لاعتبارات عديدة منها، أن الوجود كله في الحقيقة، مسلم لله طائع له، الكافر في ذلك، والمسلم، سواء.. والآيات في هذا الصدد عديدة، منها مثلاً قوله تعالى: “أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ”.. فالله  تعالى أخطر وأجل من أن يحيط بما عنده أحد.. كما أنه أخطر وأجل من أن ينكره أحد أو يحجبه أحد بصورة تامة.. فمن كفر، قد حجب الله بتنزل من تنزلاته.. وهو في كفره هذا، مظهر لاسم من أسماء الله، هو (المضل).. ولله تعالى يرجع الهدى والضلال “فمن آمن فقد آمن بقضاء وقدر، ومن كفر فقد كفر بقضاء وقدر”..

    والكفر حكم شرعي، مرحلي، دخل لحكمة، هي أن يطيع الناس الله عن قناعة، ورضا.. وهذا هو إسلام البشر، الذي يقع فيه الإيمان والكفر.. أما الإسلام العام، إسلام الأمر التكويني، فليس به عبرة، وإنما العبرة بإسلام العقول، التي تملك شريعة أن تطيع أو تعصى.. هذه الميزة هي ما تميز البشر على سائر خلق الله.. فالأبالسة ضربت عليهم المعصية، والملائكة ضربت عليهم الطاعة.. أما البشر فقد أعطوا حق أن يطيعوا أو يعصوا.. أعطوا (حق الخطأ).. وبذلك تميزوا عن سائر خلق الله، وأصبح الباب أمامهم مفتوحاً للتطور في مراقي الإيمان، إلى غير حد..

    ثم إن الكفر حكم شرعي مرحلي، لأن جميع البشر في عالم الملكوت، شهدوا لله تعالى بالربوبية، ولأنفسهم بالعبودية.. يقول تعالى: “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ”.. (بلى شهدنا) هذه قالها كل إنسان، ولكنها نُسيت، فهي موجودة في القلوب، ولكن غطى عليها الرين، من أن تنعكس على العقول، وبذلك حجبت أو كفرت.. ومن هنا جاء الكفر.. والعمل في الدين كله، من أجل رفع الحجب لنصل إلى الحقيقة.. ومن عجز عن أن يصل بعلمه، فالعذاب هو البديل.. وحكمة العذاب هي أن يرد الناس للطاعة..

    والله تعالى متكفل بهداية الناس، وهو تعالى يقول: “إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى”.. وما على الله لا بد كائن، فإن لم يكن في الأولى، سيكون في الآخرة، وما من ذلك بد..

    ففي الحقيقة الوجود كله طائع، مسلم لله فكل دابة في الحقيقة هي، على السراط المستقيم “إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”.. وكل فرد بشري لا بد له من الهداية، وسيكون على السراط المستقيم.. يقول الشيخ عبد الغني النابلسي:

    أيها العقـل الذي قد حار في إدراكه   *  لا تعاند أنت مملـوك وفي تصريفه

    كم إلى كم أنت عنه في التهاء بل به * أنت مشغـول ولا تدري فقد ألهاك هو!!

وعلى ذلك الكفار مؤمنون!! الكافر، ليس عديم الإيمان، وإنما هو من زاد كفره على إيمانه، فنسب إليه.. يقول تعالى: “وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً”.. ويقول: “فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً”..

    ثم إن هذا الدين – الإسلام – موعود بالانتصار، بالصورة التي لا تجعل على الأرض إلا من يشهد شهادة الإسلام.. يقول تعالى: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا”.. الله هو الذي ينصر دينه، وليس نحن البشر، لا داعش ولا إخوان …الخ.. “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”.. فالموفق هو من يوفقه الله باستخدامه الاستخدام الصالح في نصرة دينه.. والمخزي، هو من يستخدمه الله تعالى في تشويه دينه، وهذا أوضح ما يكون عند جماعة الإسلام السياسي اليوم..

    سيقولون: ولكن ماذا نفعل!؟ هل نظل ساكنين بلا حراك لنصرة الدين!؟

لا!! أنصروا الدين في أنفسكم، هذا هو واجبكم الذي تركتموه.. أما نصرة الدين في الآفاق، فهذا عمل الله تعالى وحده، وليس لأحد فيه نصيب، إلا الفضل!! فأنتم تركتم واجبكم، وذهلتم عنه، ثم ذهبتم تَدَعُونَ لأنفسكم ما هو لله!!

    الأمر البديهي هو: الدين لن يقوم في الأرض، إلا بعد أن يتأذّن الله، ويبعث من يخصه بإذنه، خلاف هذا الأمر مستحيل!!

    ولكن الطاغوت، يفعل ويفعل.. ولن يتركنا نعمل لنصرة دين الله!! هذا ما يقوله الإخوان المسلمون بالضبط.. هذا الطاغوت لم يجيء اليوم.. وهو ليس خارجاً من إرادة الله.. فهو أراد أو لم يرد يعمل لنصرة دين الله “ولله جنود السماوات والأرض”.. روح الهزيمة هذه، تجيء من أنكم تربطون أمر الله، بأنفسكم، وليس لكم من الأمر شيء.. وإذا رددتم الأمر إلى الله، فهو لا تغيب عنه غائبة، ولا شيء مفلت من تدبيره، وهو غالب على أمره.. أمره هو وليس أمركم أنتم!!

الكفر بين الأصول والفروع:

لقد بدأ نزول القرآن بمكة، وبعد الهجرة للمدينة جاء القرآن المدني.. والاختلاف بين القرآن المكي والقرآن المدني، ليس فقط مكان النزول، وإنما في مستوى الخطاب.. ففي مكة كان القرآن يخاطب الناس على أساس أنهم أحراراً، ومسؤولين عن حق الحرية، ويمنع الوصاية عليهم، فيقول مثلاً: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ”.. فكأن حق الحياة وحق الحرية مصانان، في هذا القرآن.. نُهى النبي صلى الله عليه وسلم، على كماله، من أن يكون وصياً على الناس.. ولما عجز الناس عن تحمل مسؤولية الحرية، وآذوا المسلمين وقتلوهم، مثل ما حدث لآل ياسر، صودرت منهم هذه الحرية، وتمت مخاطبتهم بالقرآن الذي هو في مستواهم، وكان ذلك بعد الهجرة، وبعد أن تأمروا لقتل النبي، فأذن للمؤمنين بالقتال: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ”.. ثم تنزلت آيات الفروع بالمدينة واعتبرت ناسخة لآيات الأصول، وعليها قام العمل.. فجاء الجهاد بالسيف، الذي قام على آية: “فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ”.. وعليها قام الحديث: “أمرت أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا ألاّ إله إلا الله، وأنّ محمدا رسولُ الله وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فأن فعلوا عصموا مني أموالهم ودمائهم إلا بحقها وأمرهم إلى الله”.. جاء الجهاد بالسيف، وغرضه: أن تكون كلمة الله هي العليا.. وجعل النبي وصياً على الأمة، والمسلمون أوصياء على غير المسلمين، والرجال أوصياء على النساء.. وبذلك، صودرت الحرية، والحقوق التي كانت في مكة، بما يناسب الناس في ذلك الوقت.. ولم تصادر الأصول إلا بعد أن ثبت بالتجربة الطويلة، أن الناس لم يكونوا في مستواها، ونزل لهم إلى مستواهم.. وكانت بداية الخطاب بالأصول، لأن الوضع الطبيعي أن يعطى الناس حقهم في الحرية، ولا يصادر عنهم هذا الحق، إلا بعد أن يثبت عملياً عدم تأهلهم لاستحقاقها..

       نحن يعنينا موضوع الكفر.. ففي مكة كان الكفر حق للإنسان، إن شاء كفر، وإن شاء أسلم.. أما في المدينة، فصودر هذا الحق، بعد أن ظهر عملياً أن الناس لم يرتفعوا لمستواه، فنسخ وأرجئ.. والنسخ هو إرجاء للحكم، والآيات المنسوخة موجودة في المصحف، تنتظر الوقت الذي أُرجأت له، لتطبق، فقرآن مكة هو الأصل، لأنه أدخل في التوحيد، وأكثر تحقيقاً لكرامة الإنسان.. وتحقيق كرامة الإنسان هو غرض الدين..

أصبح عندنا مستويين من الخطاب: خطاب يقول: “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ”.. هنا الكفر والإيمان من حق الفرد “فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ”، لا وصاية عليه من أحد.. وهذا يقوم على أصل التوحيد، لأن الكفر والإيمان في الأصل لله وحده.. كما أنه يقوم على كرامة الإنسان، بإعطائه حق الخطأ، ووضعه أمام مسؤوليته.. وقلنا إن الحكمة من حق الخطأ، أن الله تعالى يريد للإنسان، أن يُسلم عن رضا وقناعة..

       ومن الجانب الآخر، في القرآن المدني، صودر هذا الحق، فلم يعد للإنسان الحق في أن يكفر، وإذا كفر يقتل.. وإذا كان من أهل الكتاب، أما أن يعطي الجزية عن يد، وهو صاغر، أو يقاتل..

       واضح لأي إنسان، أن وقتنا الحاضر، تناسبه أصول القرآن، والفروع في حقه في حكم المستحيلة..

       نريد أن نصل إلى أن داعش وجماعات الإسلام السياسي المختلفة، يبنون على الشريعة – فروع القرآن.. وهم بذلك، يعملون على نقل الشريعة إلى غير وقتها.. صحيح أنهم حتى الشريعة شوهوها بصورة فظة.. والسبب الأساسي في هذا، أن الشريعة في موضوع مثل الجهاد بالسيف، من المستحيل أن تطبق في وقتنا الحالي، لأنها ليست مراد الله بالأصالة، لأن الله هيأ الأرض للأصول، فلا يصلح غيرها..

الذين يعارضون داعش والهوس الديني، من المسلمين يكادون كلهم، لا يتعرضون للجهاد بالسيف الذي تبني عليه داعش وأخواتها.. وهذا تهرب ضار جداً، وبعيد عن مواجهة القضية، في مستواها.. القضية هي:

هل المطلوب، إقامة الشريعة الإسلامية، بكل صورها، في وقتنا الحاضر؟

هل الجهاد، كما هو في الشريعة، تشريع مرحلي للقرن السابع الميلادي، أم هو تشريع الإسلام الدائم؟

       يكاد كل الذين يعارضون داعش والإسلام السياسي، من المسلمين، ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية، بكل صورها، وهؤلاء، لا خلاف مبدئي بينهم وبين داعش، وهم عملياً رصيد لها، وإذا ذهبت داعش يأتي منهم من يقوم مقامها..

       فلنحصر أنفسنا في التكفير والجهاد بالسيف.. هل حسب الشريعة، الفرق الإسلامية المختلفة، كفار، وتجب مجاهدتم بالسيف؟

       الأمر واضح جداً.. إن هذا الإدعاء باطل، شديد البطلان بداهة.. فالشريعة حددت بوضوح، من يقاتلون، ومن لا يقاتلون، وقد أوردنا الحديث: “أمرت أن أقاتل الناس …الخ”.