عبد الله الشيخ  لا شك أن الوزير الكاروري قد امتعض وهو يقرأ أو يسمع كل هذه المناوشات بخصوص عقد وزراته مع الملاحدة القدامى، ونعني بهم هؤلاء الروس، الذين حسُنت صحبتهم  بعد أن أصبحوا أهل عقد و كتاب..! 

على سعادة الوزير ألا يبتئس ، فهذا يحدث في أرقى الوزرات، “طالما هناك ديمقراطية وحرية تعبير”..! وقد حدث شيئاً مثله لأحد محاسيب النظام في قفا البحر.. ولكن، قبل أن نحكي قصة الحسيب، نشير إلى أن كل هذه الاقوال المتضاربة قيلت عن ذهب الكاروري ..

الخريف ممحوق هذا العام، لكن حكومة الكاروري ، وضعت في بطنها بطيخة صيفي، وأكدت أن الشركة الروسية اكتشفت أطناناً من الذهب، لم يشهد التاريخ الانساني لها مثيلا..! و قيل في الاخبار كذلك أن هطول الامطار، تسبب فى جرف المناجم والآبار، وإغلق الطرق وبالتالي تأثرت انتاجية الذهب..! وقيل أيضاً، أن اسعار المعدن النفيس قد تراجعت،في الوقت الذي قرر فيه بنك السودان شراء المُنتج من المُعدنين التقليديين..! وقيل أن جرام الذهب إرتفع الى نحو 310  جنيه، والسبب فى هذه الزيادة ناتج عن  تراجع سعر الجنيه أمام الدولار..! إلخ ، إلخ ..!

وأمام هذا التضارب في الاقوال، يُستحسن أن نرجع إلى حكاية الحسيب ، ففيها بعض تسلية لشيخنا المنقِّب الأكبر..ذاك الحسيب المُشار إليه ،كان قد اشتهر في نواحي قندتو وفتوار، بأنه من زمرة الذين صدّقوا دعاية الانقاذ إلى الله.. فكان يساعد الاخوان ولجانهم الشعبية و التنفيذية في كل مكان يذهبون إليه، فيقوم بتفريش البروش وملء الأباريق..وعندما يجد الفُرصة، كان يقوم بالواجب، تجاه “البكماء”..!

و”البكماء” عنده، هي صلاتي الظهر والعصر..أما عند الصلوات الجهرية فتجده “يِتْحدّد” ويقيف منّها  بعيد..!

كان الحسيب أدري بحركات الجماعة في المظاهر، حتى اذا رأى وفداً من قياداتهم قد حلّ في منتصف النهار،عرف أنهم لن يسمحوا له بأن يتقدّم الصفوف للصلاة بهم،فيقول لنفسه: “الناس ديل، الليلي، ما ظنّيت، يدُّوني عدل في البكماء دي”..!

استدرج الرجل حاله هكذا لسنين عددا..كان يقيم فيهم صلواتهم “البكماء”،ويضرب صفحاً عن الصلوات الجهرية… حتى وصلت الانقاذ مرحلة إكتشافات الذهب التى تحدث عنها الروس والشيشان، قبل أن يعرفها الامريكان..! عندها حانت له سانحة الانخراط في التعدين العشوائي بمناطق قفا البحر، في صحراء بربر والعبيدية، وكُتّمار وكيمَتو، ووغيرها من بلاد السافل والمتوكي..

انطلق صاحبنا بحثاً عن “الدّهب”، بمثل همته في تفريش البروش …فما هي إلا شهور حتى ابتسمت له الحياة،  فتمكن من تعويض الذي فات..أول ما فعل، أنه اشترى بوكس 87 ، بينما سعى ابناءه الجرارات والكسّارات، وانبهلت عليهم القروش وتبدل الحال،حتى تم تلوين الديوان بدهان البوماستيك..!

 ولكن الحسيب ،و بحُكم العادة، لم يتغيّر غرامه مع تلك ” البكماء”..! فكان يغشى بروش بين الحين والآخر، لعل وعسى ” يلقى فيها فركيق”..!

و في المشهد الأخير،بعد ظهور الروس على خط التنقيب،شعر صاحبنا ببعض التغيير..وجد الجماعة “في حال تاني”، إذ صارت أحاديثهم محصورة في الآخرة وعذابها، وفي التحذير من الدنيا الغدّارة الغرّارة..! وجد أن مواعظهم قد اتجهت إلى نبذ الانغماس في الملذات ، خاصة وأن بعض العلماء قد أكدوا، أن القيامة قرّبت ..

صاحبك كان يسمع مثل هذا الكلام..ويصنقع و يدنقر..قال أخير يسكت.. فهو أدرى الناس بأن الجماعة ديل “حنهكم سنين”…!

لكن جماعة الحنك ، استمرأوا الترهيب و تكاثروا عليه فوق البرش، يحدِّثونه عن يوم الحساب ، وان القيامة قرّبتْ..!

 لمّا كتروها خالص، نفض الحسيب يديه عن الابريق،وقال لهم:ــ  خلاس دايرين تَنْجَهوُنَا..؟ بس شفتوها   فجّت مني، ومَسكْتَ لي قرشين من الدّهبْ، قعدتو تقولوا القيامة قرّبتْ والقيامة قامتْ..! قيامة الجن دي ما بتقوم، إلا من “تَالَانَا”..!؟