خالد الحاج عبد المحمود        الفرق الإسلامية التي تحاربها داعش، كلها ممن يشهدون أن (لا إله إلا الله) ويقيمون الأركان، وليس في الحديث أي إشارة للتحاكم إلى الطاغوت، التي يتحدث عنها الإخوان المسلمون، ولا إشارة للحكم الزمني!! وفي الشريعة، المنافق، طالما أنه يسلم الإسلام الظاهري، هو مسلم، ولا يحق لأحد أن يقول عنه خلاف ذلك..

فزعم سيد قطب وإخوانه، وداعش وصحبها، تكفير المجتمع تكفيراً يوجب قتاله بالسيف، زعم باطل، وضلالة تقوم على الخروج الواضح على الشريعة.. وهو كذب مفضوح، فإذا كانوا صادقين في دعواهم، لجاهدوا أهل الكتاب – ليس أهل الكتاب الذين في العالم الإسلامي – وإنما أهل الكتاب، في دولهم، يقول تعالى: “قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ”

       فهم لم يقاتلوا أهل الكتاب هؤلاء، ولا طلبوا منهم جزية، فمن لا يُقاتل حسب الشريعة، هم قاتلوه، وقتلوه، ومن يُقاتل حسب الشريعة، هم تركوه!!

       في الواقع وحسب الشريعة، النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن مقاتلة، من ينطق بالشهادة!! وحديث أسامة بن زيد مشهور، فقد جاء فيه: “بعثنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سرية إلى الحرقات، فنذروا بنا فهربوا فأدركنا رجلاً فلمّا غشيناه قال: لا إله إلاّ اللّه، فضربناه حتى قتلناه فذكرته للنبي فقال: “من لك بلا إله إلاّ اللّه يوم القيامة؟” قال: قلت: يا رسول اللّه، إنّما قالها مخافة السلاح والقتل، فقال: “أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا ؟ من لك بلا إله إلاّ اللّه يوم القيامة؟” قال: فما زال يقولها حتى وددت إني لم أسلم إلاّ يومئذ”.. فنقول لداعش وجماعات التكفير، ومجاهدة المسلمين: من لكم بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ بل من لكم بالصلاة والصيام والزكاة والحج،يوم القيامة!!

       وفي حديث ذو الخويصرة، عندما قال للنبي: أعدل!! “قال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه!؟ قال رسول الله: لا.. ولعله يكون يصلي.. فقال: إنه رب مصل يقول بلسانه، ما ليس في قلبه.. فقال رسول الله: إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس، ولا أشق بطونهم”!!

       الأحاديث الواردة عن نهي التكفير عديدة.. منها مثلاً حديث مسلم: “أيما امرؤ قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال أو رجعت إليه”.. وفي حديث آخر: “من قذف مؤمناً بكفر، فهو كقاتله”.. ولكن الداعشيون يرمون عموم المسلمين بالكفر، فيقتلونهم بذلك، ثم هم يقتلونهم حسياً، ويستبيحون أموالهم وأعراضهم، بوصفهم كفاراً أسروا في حرب جهادية، كما يزعمون..

       المهم أنه في الشريعة، مجرد قول لا إله إلا الله، باللسان، يعصم صاحبها من أن يقتل، دون أي مجال للتأويل، أقالها صادقاً أم لا.. ومن ينطق الشهادة، لا يُكَفَر بذنب، قال المعصوم: “كفوا عن أهل لا إله إلا الله، لا تكفروهم بذنب”!!

       الشاهد أن جماعة الإسلام السياسي، والتكفيريون السلفيون، يكفرون المسلمين، تكفيراً يستبيحون به دماءهم.. ويسفكون دماء المسلمين، في حرب واسعة، تشمل العديد من دول العالم، ويهينون كرامة الإنسان المسلم، باتخاذه رقيقاً يباع في الأسواق.. وهم في حربهم هذه، لا يعفُّون من قتل الشيخ، ولا الطفل البريء!! ويتم كل هذا باسم الإسلام والجهاد الإسلامي، والإسلام منهم براء، والجهاد منهم براء..

أدب الجهاد:

       الحرب الحديثة، بحكم طبيعتها، لا يمكن أن تكون حرباً جهادية.. فالسلاح الحديث، من المستحيل السيطرة عليه بالصورة التي يقتضيها الجهاد، وأدب الجهاد.. فلأن الأمر دين، كان الأصحاب في جهادهم، شديدو الحرص، على أن يكون جهاداً في سبيل الله.. وكانوا كثيراً ما يسألون الرسول، حتى يتبينوا صحة جهادهم، فيقولون: “الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فيجيبهم المعصوم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله”.. ويسألون يا رسول الله: أرأيت رجلاً يلتمس الأجر والذكر ماله؟ ويجيبهم الرسول: لا شيء له!! ويكررها ثلاثاً، ويزيد موضحاً: “إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً”.. فيرجعون ليمحصوا نواياهم..

       نورد هنا نموذجاً واضحاً للجهاد في وقته، ولأهل الجهاد.. فقد ورد أن عليا بن أبي طالب، في أحد الغزوات، صرع أحد الكفار، واعتلاه، وعندما رفع سيدنا علي سيفه ليغمده في صدره، بصق الكافر من تحته في وجهه، فما كان من سيدنا علي إلا أن نزل من فوق الكافر، ولم يضربه!! الأمر الذي أدهش الكافر والمؤمنين معاً.. وعندما سئل سيدنا علي عن تصرفه، قال: إنه عندما كان يريد قتل الكافر، إنما كان يريد قتله في سبيل الله، ولكن عندما بصق الكافر في وجهه، خشي أن يقتله انتقاماً لنفسه، ولذلك تركه!! وقد أدى هذا العمل من سيدنا علي لإيمان الكافر..

       وفي حديث المقداد بن الأسود قال: “قلت يا رسول الله أرأيت أن لقيت رجلاً من الكفار، فقاتلني، فضرب أحدى يدي بالسيف، ثم لاذ عني بشجرة، فقال: أسلمت لله.. أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال: لا تقتله.. فإن قتله، فأنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال!!”..

ونورد هنا طائفة من آداب الجهاد، نقلاً عن المقدم أحمد فرج، من كتابه (السلام والحرب في الإسلام) فقد جاء: “فالإسلام قصر الحرب على الجيش المحارب، فلا يجوز التعرض للنساء والأطفال والشيوخ والرهبان.. وروى عن الرسول أنه قال: “لا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع” وروى أيضا: “لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا صغيرا، ولا امرأة “.. وأخرج مسلم عن بريدة قال: “كان رسول الله إذا أمّر الأمير على جيش أو سرية أوصاه فى خاصة نفسه بتقوى الله تعالى، وبمن معه من المسلمين خيرا ثم قال: “أغزوا باسم الله، فى سبيل الله.. قاتلوا من كفر بالله.. أغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا.. ولا تقتلوا وليدا “.. ولقد أوصى أبو بكر أسامة بن زيد فقال: “لا تخونوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل”.. وقد حرم الإسلام تحريق المقاتلين بالنار، فالنار لا يعذب بها إلا الله.. كما أن الإسلام يمنع استخدام الطعام كسلاح لتجويع الأعداء.. كما أمر الإسلام بالوفاء بالعهود والمعاهدات.. وأمر بإعلان الحرب قبل البدء في القتال، وأمر بحسن معاملة الأسرى “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا”.. كما نهى عن القتال في الأشهر الحرم، أو عند المسجد الحرام إلا إذا قوتلوا فيه” انتهى حديث المقدم محمد فرج..

        في حديث أنس، قال صلى الله عليه وسلم: “انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين”.. وعن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن النهب والمثلة..

        هذا طرف من أدب الجهاد.. وهو أدب مجرد استخدام الأسلحة الحديثة، يجعله في حكم المستحيل!!

 وهذا وجه من وجوه إبطال الله تعالى للحرب، فهي في وقتنا الحاضر، لا يمكن أن يأتي منها أي خير..

        أما أدعياء الجهاد اليوم، فعملهم ضد الجهاد، بصورة تامة، هذا إلى جانب أن جهادهم هو عمل ضد المسلمين بالذات.. وهو بالضرورة لمصلحة أعداء الإسلام.. لا يوجد ذنب أكبر من قتل المسلم أخيه المسلم، من غير ذنب جناه.. إن حيلة تكفير، من نهى الله ورسوله عن تكفيره، لا تجوز على أحد، وهي نفسها من الكبائر!!

        عند سيد قطب – وجميع جماعات الإسلام السياسي – العالم ينقسم إلى فريقين فقط.. يقول: “الإسلام لا يعرف إلا نوعين أثنين من المجتمعات.. مجتمع إسلامي، ومجتمع جاهلي” ص141.. ويعرف المجتمع الجاهلي بقوله: “إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم”.. وكل مجتمع تعطل فيه شريعة الله، هو دار حرب، يقول: “وكل أرض تحارب المسلم في عقيدته، وتصده عن دينه، وتعطل عمل شريعته، فهي دار حرب ولو كان فيها أهله وعشيرته وقومه وماله وتجارته” ص195.. هذا ينطبق على جميع دول العالم الإسلامي، فهي جميعها “تعطل عمل شريعته”، حسب سيد قطب.. حاصل الأمر، تقسيم سيد قطب للمجتمع إلى مجتمع إسلامي، ومجتمع جاهلي، هذا من حيث التنظير، أما من حيث الواقع الفعلي، عنده، المجتمع كله دار حرب، ولا توجد دولة واحدة تخرج من هذا التحديد، ولا مجتمع واحد، سوى مجتمع سيد قطب وجماعته!!

وعلى ذلك هو يكفر العالم كله، ويحكم عليه بالجاهلية، ويريد قتاله ليرده عن جاهليته، ولا يوجد أي سبيل عنده، لرد المجتمع إلى الإسلام، غير القتال (الحرب الجهادية)!!

        هؤلاء القوم، كل التقدم الذي حدث في الحضارة البشرية، عندهم لا يساوي شيئاً!! هو ليس أكثر من جاهلية، ينبغي أن تحطم، وهذا هو الحل الوحيد، والمعاملة الوحيدة التي تستحقها هذه الجاهلية، فقد رأينا أن سيد قطب يقول: “كل ما حولنا جاهلية.. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم …الخ”.. ويقول عن عدم مسايرة المجتمع الجاهلي: “وحين نسايره خطوة واحدة، فإننا نفقد المنهج كله، ونفقد الطريق”!! والمنهج عنده “هو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعاً”.. فهو عنده كل شيء في الحضارة، أو أنتجته الحضارة، طاغوت يجب أن يزال!!

        ولكن أليس ما يحدث في الأرض، هو من فعل الله، ولله فيه حكمة!؟

ما يؤدي إليه تصور سيد قطب هو أن فعل الله شيء، وفعل الطواغيت شيء آخر لا علاقة له بالله.. وهذا الضعف الشديد في التوحيد، هو العلة الأساسية في كل جهالات سيد قطب، ومن هم على شاكلته، من جماعات الإسلام السياسي، والهوس الديني.. الأمر البديهي في التوحيد، أن كل هذه الجاهلية، التي يتحدثون عنها، حدثت بإرادة الله، ولم تحدث مغالبة له تعالى.. وله تعالى، في حدوثها حكمة جليلة، من تغيب عنه ينبغي أن لا يحدث الآخرين عن الدين، لأنه يفقد جوهره – التوحيد!! والغريب أن سيد قطب كثيراً ما يستخدم الآية: “وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ”.. وألوهيته تعالى في الأرض، تعني أن كل ما يجري في الأرض، هو بإرادته.. ومهما فعل سيد قطب وصحبه، لن يستطيعوا تحطيم ما يريد الله.. الفهم التوحيدي السليم يقول: إن إرادة الله يدخل بها كل شيء: الحق والباطل، الإيمان والكفر، الخير والشر.. وعمل الدين، هو معرفة مرضاة الله في إرادته والأخذ بها.. معرفة ما ينفع الناس والأخذ به، وترك الزبد ليذهب جُفاءً.. هذا هو التوحيد، وهذا هو ميزانه، الذي ينبغي أن يأخذ به المؤمن.. فالله تعالى، أنزل الميزان ليقيم الناس الوزن بالقسط.. وأخبرنا ضمن ما أخبرنا، أن الزبد سيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض..

        كل هذه الجماعات تهمل التربية إهمالاً تاماً، فليس لهم وقت، وليس لهم هم، غير السعي إلى السلطة، ويحاولون مداراة قصورهم هذا، بمقولة: “إن الله ليزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن”.. والمقولة، بالطبع تتحدث عن السلطان المُرَبى، تربيةً سليمة.. وبسبب القصور في التربية، وتبرير هذا القصور تبريراً دينياً، إذا وصلوا إلى السلطة، تظهر المفارقة الصارخة للقيم، بصورة تتجاوز فساد الأحزاب التقليدية بآماد بعيدة!! ثم يستخدم السلطان، لحماية الفساد..

وعندما كفروا المسلمين، وقاتلوهم وقتلوهم، دخلوا دائرة سفك الدماء الشريرة، فاستباحوا دماء بعضهم البعض، كما استباحوا دماء غيرهم.. وبسبب المنافسة على الدنيا والسلطة، أصبح بأسهم بينهم شديد، وعداوتهم لبعضهم البعض أكثر من عداوتهم لغيرهم.. ووقتها تموت الشعارات الدينية، ويسخرون من دعواهم السابقة، ومن بعضهم  البعض، ومن شعاراتهم..

هذا ليس مجرد تحليل، وإنما هو تجربة حية، عاشها كل سوداني.. فإذا كان الفكر أصلاً غائب، والتربية غائبة، والعاطفة الدينية التي كانت في البداية، بردت، فماذا يبقى!؟