نبيل أديب *هذا القانون... متخلف بشكل مثير للرثاء! *كيف تمنح سلطة القبض لمواطنين عاديين! *هناك غموض في أسباب القبض بدون أمر قبض

أحكام القبض وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية

“إننا نؤمن بأنه من الحقائق البديهية، أن البشر خُلِقوا متساوين، وأن خالقهم حباهم بحقوق معينة لا يمكن نكرانها أوالتصرف فيها، ومن بينها الحق في الحياة والحرية والسعي في سبيل نشدان السعادة”

توماس جيفرسون وثيقة إعلان الإستقلال الأمريكي
حسناً فعل السيد وزير العدل حين إفتتح عهده، حسبما صرح في الصحف، بالبدء في تشكيل لجان لإصلاح قانون الإجراءات الجنائية، فهو قانون قد تخلف عن المستوى الدولي بشكل مثير للرثاء. نبدأ اليوم في الإدلاء بدلونا في المسائل الأكثر حوجة للإصلاح في ذلك القانون فنبدأ بالقبض. القبض هو إعتقال شخص ووضعه تحت حراسة السلطات “الشرطة عادة”، وذلك بإحتجازه لفترة من الزمن كافية لتحقيق الغرض من القبض، ونحن هنا معنيين بالقبض على الأشخاص الذي يتم بسبب إشتباه معقول في أن لأولئك الأشخاص صلة بجريمة وقعت بالفعل، أو يُعتقد أنها وقعت.

 

الحق في الحرية والأمان

القبض السابق للمحاكمة ما لم يتم ضبط أحكامه يتعارض مع إفتراض البراءة فى المادة 34 والخاصة بالمحاكمة العادلة فى الدستور. وكذلك مع الحق في  الحرية الشخصية الذى كفلته المادة “29” من الدستور حين نصت على أن (( لكل شخص الحق في الحرية والأمان، ولا يجوز إخضاع أحد للقبض أو الحبس، ولا يجوز حرمانه من حريته أو تقييدها إلا لأسباب ووفقاً لإجراءات يحددها القانون)) . وهي مادة لا تقتصر على حماية الحرية الشخصية، بل تلزم الدولة أيضاً بتوفير الأمان لكل من هم على أرضها، وذلك بحمايتهم ضد كل ما يهدر أمنهم الشخصي، و تلزمها أيضاً بأن تمتنع هي نفسها عن تهديدهم وإفقادهم للشعور بالأمان عن طريق قوات الضبط فيها، وهي تفعل ذلك حين تمنح تلك القوات سلطات تحكمية (لجنة حقوق الإنسان الأفريقية في دعوى دياس ضد أنقولا)

ورغم أن المادة تجيز تقييد حرية الشخص لأسباب ووفقاً لإجراءات ينص عليها القانون، إلا أن تلك الإجراءات، يجب أن تكون متفقة مع الدستور.

 

التقيد بالمستوى المتطلب دولياً

و يجب على القانون أن يتقيد بالعهود الدولية الخاصة بالحريات العامة، ليس فقط تلك التي صادق عليها السودان والتى أصبحت جزءً من الدستور، بل أيضاً العهود الدولية التي لم يصادق عليها السودان، متى كانت تقنيناً للعرف الدولي ،أو أصبحت جزءاً من العرف الدولي، كإتفاقية مناهضة التعذيب مثلاً. فهذه العهود تظل أحكامها ملزمة للمشرع السوداني، سواء صادق السودان على تلك الإتفاقيات  أم لم يصادق.

 في دعوى كيمانش ضد فرنسا ذكرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أن القبض يجب أن يكون متفقاً مع القواعد التي وضعها القانون الداخلي للدولة المعنية، بشرط أن يكون متفقاً مع الأسس التي وضعها العهد الأوروبي لحقوق الإنسان، بحيث لا يكون القبض صحيحاً إذا تم وفقاً لقانون داخلي يتعارض مع ذلك العهد. وهذا المبدأ وإن كان في ظاهره يتصل بالعهد الأوروبى فقط ، إلا أن القواعد الخاصة بالقبض في ذلك العهد لا تختلف عن تلك القواعد في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وهي عهود ملزمة لنا.

 

سلطة القبض بدون أمر قبض

 

قسم القانون الجرائم إلى نوعين: نوع يجوز فيها القبض دون أمر قبض، والثاني لا يجوز فيه ذلك. والجرائم التي يجوز القبض فيها بدون أمر تكاد تكون نصف الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي، وهي ليست بالضرورة جرائم خطيرة، فبعضها معاقب عليه بالسجن الذي لا يجاوز ثلاثة أشهر (الإزعاج العام) ،أو بالجلد والسجن الذي لا يجاوز شهراً (78 “1”) .

أما بالنسبة للجرائم التي يجوز القبض فيها بدون أمر، فيجوز فيها لأي شرطي أو إداري شعبي أن يقبض على أي مشتبه في إرتكابه أي من تلك الجرائم. و بالنسبة لسائر الجرائم  فإن الشرطى والإدارى الشعبى يجوز له القبض على أى شخص إرتكب في حضوره فعلاً قد يشكل جريمة، ورفض إعطاء إسمه وعنوانه الصحيح، وكذلك أى شخص يكون قد وجده في ظروف تدعو إلى الريبة ولم يقدم أسباباً معقولة لوجوده، أو وجد في حيازته ممتلكات يشتبه في أنها مال مسروق، أو إرتكبت بشأنها جريمة. بالإضافة لذلك فقد منحت المادة “68” (3) من قانون الإجراءات الجنائية للأشخاص العاديين سلطة القبض فى هذه الحالة الأخيرة بحيث يجوز لهم أن يقبضوا على أى شخص يجدونه فى الظروف المذكورة. هذا حكم يؤدي لفقدان الحرية بناء على تعابير غامضة وسلطات نزقية. وهذه الأحكام تخرق المستوى الدولي المتطلب في تحديد المسئولين الذين يكون لهم سلطة حرمان المواطنين من حريتهم، فالمادة “12” من الإعلان الخاص بحماية كل الأشخاص من الإختفاء القسرى، الذى تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1992م، تلزم الدولة أن تصدر تشريعات تحدد الرسميين الذين لهم سلطة حرمان الناس من حرياتهم، وتحدد الشروط التي يجوز لهم فيها إصدار تلك الأوامر. حكم المادة “68” (3) من قانون الإجراءات الجنائية يخالف ذلك حين يمنح سلطة القبض دون تحديد أي درجة للشرطة في الجرائم التي لا يحتاج القبض لدى الإشتباه في إرتكابها لأمر قبض. بل ويصل به الأمر في تلك الجرائم لمنح سلطة القبض لغير الرسميين من المواطنين العاديين، وهى سلطة تتضمن حرمان للناس من حرياتهم، وكل ذلك لا يتفق مع المستوى الدولي الذي قصد من إلزام الدول بتحديد المسئولية عن القبض، أن يكون ذلك في يد سلطة قضائية أو في الحالات الإستثنائية في يد مسئولين على درجة عالية في السلم الوظيفي، تبرر منحهم هذه السلطة.  ويلاحظ هنا أمرين الأول أن القانون لم يشترط درجة معينة من الخطورة في الجريمة، بل إختار جرائم كيفما إتفق ليمنح فيها لأي شرطي سلطة القبض على أي شخص، بل وذهبت به الإستهانة بالحق في الحرية الشخصية لمنح سلطة القبض حتى للأشخاص العاديين. ومن الناحية الثانية فإن الأسباب التي أوردها القانون للقبض بدون أمر قبض هي أسباب غامضة، و تمنح الشرطة سلطات ترقى لأن يحددوا لأنفسهم أسباب القبض على الناس، إذ لا يوجد معنى محدد لوجود الشخص في ظروف تدعو إلى الريبة ،وما يريب زيد قد يجده عبيد أمراً عادياً.

وفى دعوى باباخريستو ضد مدينة جاكسونفيل، حين تم القبض على شابين من السود وفقاً لقانون التشرد في مدينة جاكسونفيل لأنهما كانا يجوسان بعربة دون أن يقصدا مكاناً بعينه، وفي صحبتهما فتاتين من البيض. قررت المحكمة العليا الأمريكية أن القانون بأسره غير دستورى، لأنه يعطي الشرطة سلطة للقبض على كل الذين يسلكون سلوكاً مريباً، أي أن القانون يتطلب من الناس أن يسلكوا في حياتهم المسلك المقبول للشرطة، والمحاكم، وهو أمر غير دستوري إذ قد ينتج عنه إدانة أشخاص بناءً على تعابير غامضة، وغير منضبطة تفسرها المحاكم بالطريقة التي تروق لها، وذكرت المحكمة أن إفتراض أن محاكمة من تبدو طريقة ممارستهم لحياتهم مدعاة للتهمة في عين الشرطة أو المحاكم، لا يتفق مع الدستور الذي يتطلب أن تكون الأفعال المجرمة واضحة.

PAPACHRISTOU v. CITY OF JACKSONVILLE, U.S. Supreme Court 405 U.S. 15 (1972) 405 U.S. 156

 وقد يكون هنالك خلاف بين القانونين، فالقانون السودانى هو قانون إجرائى لا شأن له بالتجريم، إلا أن إجازة القبض لذلك السبب يؤدى إلى إنتهاك حريات الناس بدون ضوابط معقولة.

صحيح أن القانون ألزم من يوقع القبض من غير الشرطة أو وكلاء النيابة والقضاة أن يسلم المقبوض عليه لأقرب رجل شرطة (م 75 (2)) ولكن ذلك لا يوفر الأمان اللازم إذ كان يجب على القانون أن يحدد الجرائم التي يجوز القبض بواسطة الشخص العادي فى الجرائم الأكثر خطورة، وذلك فقط في حالة التلبس بإرتكاب الجريمة، وبشرط أن يكون عدم توقيع القبض من شأنه هروب الجانى، أو إخفاء معالم الجريمة .

 

أسباب القبض

رعم أن قانون الإجراءات الجنائية قد منح سلطة إصدار أمر القبض للقاضي أو لوكيل النيابة في الجرائم التي يحتاج القبض لدى الإشتباه في إرتكابها لأمر قبض، إلا أنه لم يقيد السبب في الإصدار بوجود بينة بوجود ظروف تدعو لإشتباه معقول، كما وأجاز القبض على أي شخص فتحت ضده دعوى بإرتكاب جريمة (مادة 67 -أ). ويعني هذا أن مجرد فتح الدعوى الجنائية في مواجهة الشخص مدعاة للقبض عليه، دون تحديد للغرض من الإجراء. الغرض من القبض على الشخص هو إحتجاز ذلك الشخص فى حراسة الشرطة لزمن معين، لتحقيق غرض يتفق مع الحدود الدستورية لتنظيم حق الحرية الشخصية. فإذا لم يكن هنالك غرضاً مشروعاً لإحتجاز الشخص، لا يكون هنالك سبباً للقبض عليه. يبدو من ذلك أن إحتجاز الناس لمجرد وجود إشتباه فى حقهم بإرتكاب جريمة مخالف للمستوى المتطلب دولياً، ومخالف للمادة “34” (1) من الدستور، والتي تقضي بأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، و ذلك لأن الحرمان من الحرية فى الأصل يجب أن يقتصر على العقوبة التى تصدر بحكم قضائى. ولكن الإحتجاز السابق للمحاكمة تفرضه ضرورات مختلفة يجب أن يضع القانون لها حدوداً واضحة، وإلا أصبح  بمثابة عقوبة توقع على المتهم قبل محاكمته. وعندما يكون القبض نتيجة تلقائية لفتح الدعوى الجنائية فإن ذلك يرقى لتوقيع عقوبة عليه لمجرد الإشتباه فى إرتكابه جريمة، ويزيد الأمر سوءً أن تلك العقوبة توقعها عليه الشرطة وفى أحسن الأحوال النيابة، وكلاهما لايملكان تلك السلطة لأن فتح الدعوى الجنائية لا يعنى سوى وجود شبهة بإرتكاب شخص ما لجريمة، و ذلك  فى حد ذاته ليس سبباً للإحتجاز مما يوجب أن يحدد القانون الأسباب الموجبة للقبض على المتهم أو المشتبه فيه.

الأسباب المقبولة دستورياً ودولياً

والأسباب التى تدعو لإحتجاز المشبوه فيه أو المتهم المقبولة دستورياً و دولياً  تنحصر فى سببين، الأول إحتجازه بغرض منعه من إخفاء الأدلة، أو التأثير على البينة، والثانى إحتجازه بغرض التيقن من حضوره إلى المحكمة حين يطلب منه ذلك. أما في غير هاتين الحالتين فلا يوجد سبب لإحتجاز المتهم، ولا للقبض عليه. صحيح أن فتح الدعوى الجنائية يستلزم التحري مع المتهم وأخذ أقواله، ولكن ذلك لا يستلزم بالضرورة القبض عليه، وإنما يمكن إستدعاءه لمقابلة المتحري. إذا توفر أحد السببين المذكورين يتم القبض على المتهم و إحتجازه لزمن لا يجاوز الزمن الكافي لتحقيق الغرض من الإحتجاز، على أن ذلك الزمن يجب أن لا يكون طويلاً بدرجة تصل لخرق حق المتهم فى الحرية الشخصية. تنص المادة “6” (أ) من القواعد المعروفة بقواعد طوكيو، والتي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 ديسمبر 1990 على أن الحبس السابق للمحاكمة يجب أن يتم اللجوء إليه فقط  كملجأ أخير” بما يعني أنه لا يلجأ إليه طالما أن هنالك إجراءاً آخر يؤدي الغرض المطلوب، و تدعو المادة “6 – 2” من نفس القواعد إلى أن لا يستمر الحبس لأكثر مما هو ضروري .

 لذلك فلا بد أن يحدد القانون سبباً للقبض على المشتبه فيهم بحيث تخضع المسألة فى النهاية لرقابة القضاء، وفق أسس معروفة مسبقاً حتى تبعد عن شبهتى القبض التحكمى أو النزقى، و العقاب السابق للمحاكمة. لكي يصدر أمر قبض على شخص يجب أن يكون هنالك إشتباه معقول بإرتكابه جريمة، وأن يهدف القبض لإحتجازه فترة وجيزة تتخذ فيها الإجراءات اللازمة للحيلولة دون التأثير على العدالة، أو هروبه من وجه العدالة.

معقولية الإشتباه

لكي يصدر أمر القبض لابد أن يكون هنالك إشتباه معقول بإرتكاب الجريمة. وهذا الإشتباه يتطلب وجود وقائع أو معلومات تجعل المراقب الموضوعي يعتقد بأن الشخص المعني قد يكون قد إرتكب الجريمة موضوع القبض. وذكرت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان أنه رغم أن جرائم الإرهاب ذات طبيعة خاصة تجعل مستوى المعقولية في الإشتباه في إرتكابها مختلف عن المستوى المتطلب في الجرائم العادية، و التحري في تلك الجرائم قد يستوجب سرية أكبر مما يستوجبه فى الجرائم الأخرى، إلا أن ذلك لا يجب أن يمتد للدرجة التي تؤدي للإخلال بأساس مبدأ المعقولية. وعلى الإتهام أن يكشف بعض الوقائع والمعلومات التي تجعل المحكمة تقتنع بمعقولية الإشتباه في المقبوض عليه. ولذلك فقد قررت المحكمة في دعوى فوكس وكامبل وهارتلى ضد المملكة المتحدة، أن المدعين قد تم القبض عليهم بواسطة ضباط إشتبهوا بحسن نية فى أنهم ضالعين في عمل إرهابي، بسبب أن إثنين منهم كانوا قد أدينوا بأعمال إرهابية من قبل. كما وأن إستجوابهم بمجرد إعتقالهم حول أعمال إرهابية تكشف عن حسن نية الضباط، ولكن كل ذلك لا يدعو للقول بأن الوقائع التي أدت لإشتباه الضباط في المدعين، كانت ستؤدي لإشتباه معقول لدى مراقب موضوعي في أن المدعين قد إرتكبوا الفعل الذى تم القبض بسببه. فحسن النية في الإعتقال لا صلة له بمعقولية الإشتباه، لذلك فإنه يجب على الدولة المدعى عليها أن تكشف للمحكمة عن الظروف التى أدت للإشتباه، مع التسليم بحقها فى عدم الكشف عن مصادر المعلومات فى الجرائم الإرهابية.

 

القبض النزقي أو التحكمي

إذاً فإنه يتوجب على المشرع أن يحدد الأسباب التي يجوز أن يتم القبض وفقاً لها على النحو الذي ذكرناه. كما ويجب عليه أن يمنع القبض النزقي أو التحكمي، Arbitraryوهو أمر مختلف عن الأسباب القانونية، فقد يكون هنالك سبباً القبض ولكن توقيعه فعلاً  كان تحكمياً فى الظروف المحددة. ومنع القبض التحكمي هو منع نابع من الدستور ومن العهود الدولية الملزمة، وأساسه المادة “9” (1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تمنع إعتقال أي شخص تعسفاً والمادة “6” من العهد الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والتي تنص بالنسبة للحق في الحرية الشخصية على أنه “وعلى وجه الخصوص فإنه لا يجوز أن يحرم شخص من حريته تعسفاً” وقد ذكرت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية في دعوى Womah Mukong V. Cameroon أن القبض التعسفي لا يلزم أن يكون مخالفاً للقانون، بل بل يكفي أن يكون غير مناسب، وغير عادل، ويفتقد الأسس التي يمكن توقعها في التطبيق المناسب للقانون. وكذلك فإن الإبقاء على المقبوض عليه قيد الإحتجاز، لا يجب فقط أن يكون مشروعاً بل يجب أن يكون معقولاً ومناسباً وعادلاً.

و لكي يكون سبب القبض مشروعاً، فإن الإتهام يجب أن يكون بمخالفة قانون لا يهدر حقوق المتهم الدستورية، وإلا فإن السبب لا يجوز الإعتداد به، لذلك ففي دعوى وماه موكونج ضد الكاميرون، والتي تتلخص وقائعها في أن المدعى ألقى عليه القبض في 16/6/1988م عقب مقابلة أجرتها معه الإذاعة البريطانية حيث وجه فيها إنتقادات لرئيس الكاميرون وحكومته. وبعد أن  تم  إطلاق سراحه أعيد القبض عليه عقب إجتماع عام تحدث فيه عن سبل إقامة نظام ديمقراطي تعددي في الكاميرون، حيث إتُهم ” بتسميم الرأي العام المحلي والعالمي” وهوفعل كان مجرماً وقت القبض عليه وتوجيه التهمة له، ولكنه لم يعد كذلك بسبب تعديل القانون فيما بعد. قامت دعوى وماه على عدة أسباب، منها أنه قد قبض عليه بموجب قانون يخرق حريته الدستورية في التعبير، وقد ردت حكومة الكاميرون على ذلك بأن القانون كان مُبرَرَاً أثناء سريانه، إذ يدخل ضمن الإستثناء الذى تضمنته الفقرة الثالثة من المادة التاسعة عشرة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والتي تجيز التقييد من حق التعبير لإعتبارات الأمن الوطني والنظام العام، لأن القانون قصد حماية وحدة الكاميرون التي كانت مهددة آنذاك. قررت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية أنها لا ترى في القبض على وماه وإبقاءه رهن الإعتقال ما يؤدي لحماية وحدة الكاميرون. كما أنها لا ترى أن الغرض المشروع في صيانة وتقوية الوحدة الوطنية يمكن تحقيقه بتكميم الأفواه الداعية لنظام ديمقراطي تعددي وإحترام حقوق الإنسان. لذلك فإن القبض بسبب إتهام بخرق قانون يخرق حقوق الإنسان وفق المستوى الدولي، لا يكون قبضاً مشروعاً لأن القانون نفسه يفتقد الدستورية .

إن مسألة تحديد أسباب للقبض هى مسألة محورية لمنع الإحتجاز لفترة تجاوز الغرض منه مما يهدر حق الحرية الشخصية، والحق فى المحاكمة العادلة، لما يؤدى إليه من توقيع لعقوبة الحبس بدون حكم قضائى، ولحرمان المتهم من تحضير دفاعه. و قانون الإجراءات الجنائية حين رتب القبض على المتهم كنتيجة تلقائية لرفع الدعوى الجنائية لم ينظم تلك الحرية بل أهدرها. وهى مسألة على خطورتها فى الأحوال التى تتطلب أمر قبض، تزداد خطورةً إذا لاحظنا أن  فتح الدعوى الجنائية يتم دون الرجوع لوكيل النيابة في حوالي نصف الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي، وهى الجرائم التى أجاز القانون فيها القبض دون أمر قبض، والشرطي الذي له سلطة فتح الدعوى الجنائية في تلك الجرائم، هو أي شرطي أثناء توليه المسئولية عن نقطة الشرطة. أي أن القانون لا يشترط رتبة معينة في الشرطي الذي يجوز له فتح الدعوى الجنائية، مع ما ينجم عن ذلك من قبض تلقائى على المشتبه فيهم بسبب فتح ذلك البلاغ. وهذا يعني أن يتم القبض وفتح البلاغ  بواسطة أي شرطي أثناء توليه المسئولية عن نقطة الشرطة دون تدخل من قاضي أو وكيل نيابة، و دون أن يلزمه القانون بأي سبب للقبض على المتهم، وهو الأمر الذى يتطلب علاجاً بشكل يتفق مع المستوى المتطلب دولياً. لضيق المجال نترك أحكام الإفراج بالضمان واللصيقة بأحكام القبض لسانحة أخرى.