خالد الحاج عبد المحمود           يتساءل سيد قطب: منذ أن ذهب مجتمع الأصحاب، لم يعد هنالك مجتمع مثله، فلماذا!؟ وكيف نعيد مثل ذلك المجتمع؟ يقول: "إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهديه العملي، وسيرته الكريمة بين أيدينا كذلك، كما كانت بين أيدي ذلك الجيل الأول، الذي لم يتكرر في التاريخ.. ولم يغب إلا شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل هذا هو السر؟ 

لو كان وجود شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتماً لقيام هذه الدعوة وإتيانها ثمرتها، ما جعلها الله دعوة للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة، وما وكل إليها أمر الناس في هذه الأرض، وإلى آخر الزمان” ص24..

فغياب شخص رسول الله، عند سيد قطب، لا يفسر غياب المجتمع الإسلامي.. إذن ما هو السر!؟ يرى سيد قطب أن السر هو غياب “شعور التلقي للتنفيذ” ص18.. واستبداله ب “منهج التلقي للدراسة والإتباع” ص19.. فالأول أخرج جيل الصحابة، والثاني أخرج الأجيال التي تليه.. إلى ماذا يريد سيد أن يصل؟؟ إنه يريد أن يصل إلى أن كل شيء جاهز، لقيام مجتمع الصحابة، فإذا أخذنا بمنهجهم (التلقي للتنفيذ)، يمكن إعادة ذلك المجتمع.. ولكن تلقي ماذا لينفذ!؟ تلقي القرآن!! ولكن القرآن مثاني، وفيه ناسخ ومنسوخ، فما الذي نعمل به!؟ القرآن فيه “فإذا أنسلخ الأشهر الحرم” وفيه “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.. ومن المستحيل الأخذ بهما معاً، لا بد من الأخذ بواحدة منهما، فما هي الآية التي نأخذ بها ولماذا؟

 إجابة سيد وكل الهوس الديني، النظرية والعملية، هي الأخذ بآية السيف!! إذن لماذا أنزل الله آيات الإسماح، وهي كثيرة جداً في المصحف؟ ولماذا أبطل عملياً دور الحرب؟ أكثر من ذلك ما هي حكمة ختم النبوة – وليس الرسالة؟ بالطبع هم لا يريدون هذه الأسئلة المحرجة.. لكننا نسألها لهم..

الله ختم النبوة، لأن كل ما يريد أن يوحيه لأهل الأرض أوحاه، وهو القرآن بين دفتي المصحف.. وبذلك انتهت وظيفة ملك الوحي جبريل، في مجال الوحي.. لن يأتي جبريل بعد محمد صلى الله عليه وسلم، بوحي لأحد من البشر.. ولكن وظيفة الرسالة، لم تنته، ولن تنتهي..

انتهت الرسالة التي يمكن أن تقوم على وحي جديد.. ولكن الرسالة من القرآن لن تنتهي.. ومعلوم عند جميع الفرق الإسلامية، البشارة بمجيء المسيح.. ومهما كان الفهم المسيح رسول، وهو لن يأتي بشيء خارج عن القرآن..

        ما هو الشيء الأساسي الذي غيبه سيد قطب، وكل أتباعه من بعده!؟

هم غيبوا الله تعالى!! اكتفوا بذكر القرآن، وسنة النبي ونهجه، وغيبوا الله واكتفوا عنه بقرآنه.. كما غيبوا الرسول واكتفوا عنه بحديثه.. فعندما ذكروا الحديث، لم يبنوا المنهج فيه على اتباع الرسول.. ولما غيبوا الله، غيبوا بالطبع الإذن الإلهي، والمأذون.. فهم لا يحتاجون لأذن من الله، ولا ينتظرونه، ولا ينتظرون مأذوناً من الله.. هذا هو جوهر المفارقة، وأخطر جانب فيها.. فبتغييب الله، ورسوله، وإذن الله ومأذونه، لا يبقى إلا الهوى.. والهوى قد يتدثر بالقرآن!!

يقول تعالى: “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا”.. من هم الظالمون الذين لا يزيدهم الله إلا خسارا!؟ إنهم من يخوضون في أصول الدين بالعقل المجرد وحده!! منهاج الدين في المعرفة يقوم على العمل – يقوم على التقوى “واتقوا الله ويعلمكم الله”.. وأساس التقوى هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وتقليده في العبادة وفي ما يستطاع من العادة، بإحسان.. الإتباع لذات النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لمجرد عمله.. فعند هؤلاء القوم الله مغيب، والنبي صلى الله عليه وسلم مغيب.. وبالتالي الإسلام مغيب!! ولا شيء حاضر في دعواهم سوى الهوى!! وهو هوى نفس مريضة، معادية للإنسان، ولكل ما أبدعه في حضارته.. وليس عندهم إلا القتل والهدم.. وينسب هذا العمل الإجرامي لله ودينه.. فالمنهج عندهم هو ما ذكرناه..

 يسأل سيد قطب “أن هدفنا الأول أن نعرف ماذا يريدنا القرآن أن نعمل؟ ما هو التصور الكلي الذي يريد منا أن نتصور؟ كيف يريد القرآن أن يكون شعورنا بالله، كيف يريد أن تكون أخلاقنا وأوضاعنا ونظامنا الواقعي في الحياة؟” ص13.. ويجيب: “ثم لا بد من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والتصورات الجاهلية، والتقاليد الجاهلية والقيادة الجاهلية.. في خاصة نفوسنا.. ليس مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له”.. عبارة (في خاصة أنفسنا) هذه مجرد عبارة ليس لها أي مقابل من العمل..

        يواصل سيد فيقول: “إن مهمتنا الأولى هي تغيير هذا المجتمع.. مهمتنا هي تغيير هذا المجتمع من أساسه” ص33.. وبالطبع التغيير المقصود التغيير المادي عن طريق الحرب والجهاد، لتحطيم كل ما هو جاهلي، وكل شيء في الواقع عندهم جاهلي!! هذا هو المنهج الرباني عند سيد قطب، وعند الإخوان المسلمين، وجماعة داعش، وهم الآن يمارسون هذا عملياً.. والمنهج المذكور عند سيد يساوي للحقيقة.. فهو يقول: “إن “المنهج” في “الإسلام” يساوي “الحقيقة” ولا انفصام بينهما” ص59.. الأمر الذي تقوم عليه البداهة، أن المنهج، أي منهج، هو وسيلة للوصول إلى الغاية المطلوبة منه أن يوصل إليها.. وفي حكم البداهة، أن المنهج في الإسلام هو وسيلة السير إلى الله ومعرفته.. والحقيقة في الإسلام هي ذات الله.. ويصبح قول سيد قطب، المنهج في الإسلام، يساوي ذات الله (الحقيقة) وإذا راجعت أقواله كلها، تجده يستعيض عن الله، بكلامه!!

        كل جماعات الإسلام السياسي، تعترف بأننا في عهد فترة، ولسنا في عهد بعثة.. هذه الفترة هي ما يطلقون عليه كلمة جاهلية.. نحن في عهد جاهلية، ولسنا في عهد بعث ديني.. ونحتاج إلى بعث ديني، وننتظره، فكيف يكون؟ وفي أي مستوى يكون؟ وقد رأينا إجابة سيد قطب ومعه كل جماعات الهوس الديني..

        لنرى علماً آخر، غير ما يعلمه هؤلاء بالنسبة لعهد (الفترة) وعهد (البعثة).. يقول تعالى، عن عهد الفترة والبعثة: “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ”.. ومن حكمة الفترة، أن يطور الله تعالى، الجانب المادي للحياة، حتى تستعد للبعثة الروحية القادمة.. والجاهلية تعني الجهل بالله.. وفي فترة الجاهلية، كما في فترة البعث الديني، الفاعل الأساسي في الوجود هو الله.. فالله تعالى لم يترك الأرض للطاغوت، يفعل خارج إرادته، كما يتصور هؤلاء.. ولا يتم البعث إلا بإذن الله، هذا هو الشرط الأساسي.. والإذن الإلهي، لا يكون لجماعة، وإنما هو بالضرورة لفرد، لأن ملاقاة الله لا تكون إلا فرادى.. وبعد ختم النبوة، لا مأذون يُنتظر إلا المسيح الموعود.. والبعث لا يتم في فراغ، وإنما في المستوى الذي عليه الناس عند البعث، وهو إنما يجيء لحل مشكلاتهم الفعلية، وتوجيه طاقاتهم.. فكل جاهلية تحدد البعث الذي بعدها.. وعلى ذلك مستحيل أن يبعث الإسلام، في مستوى أقل من مستوى الحضارة الغربية، بل من المستحيل أن يكون في مستواها.. فلا بد أن يتفوق على الواقع القائم، ويحل مشكلاته بصورة أكفأ، ويحقق من الكمالات ما يعجز الواقع القائم عن تحقيقه..

        نحن اليوم في أكبر حضارة عرفها التاريخ.. بل الشبه بينها وبين الحضارات السابقة، يكاد ينقطع.. وهي لأول مرة في تاريخ الحضارات (حضارة كوكبية).. فلأول مرة الأرض تتوحد.. فلا بد أن يجيء الدين للأرض كلها.. وهذا لأول مرة.. والدين في مستواه المنتظر لا بد أن يكون خلاصة وتتويج، لكل الرسالات السابقة، ولكل الحضارات السابقة.. ثم إنه لا بد أن يخاطب العقول ويقنعها.. وهنالك العديد من الخصائص التي لا بد أن يرتفع الخطاب الديني لمستواها وإلا فلا معنى لها..

        هذه المواصفات لا يستجيب لها من الإسلام، إلا مستوى قرآن الأصول، القرآن المكي.. وهذا ما تقوم عليه دعوة الأستاذ محمود محمد طه، بصورة جلية.. فهي لا تدعو للشريعة وإنما تدعو للسنة، وتفرق تفريقاً واضحاً بين الاثنين.. وهذا التفريق يقوم على مستويي القرآن: القرآن المكي (قرآن الأصول) والقرآن المدني (قرآن الفروع) الذي قامت عليه الشريعة في القرن السابع الميلادي، والذي خاطب الناس على قدر عقولهم في ذلك الزمان.. أما القرآن المكي فهو المستوى الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم، في خاصة نفسه، ونزل عنه للأمة، ليخاطبهم وفق طاقتهم وحاجتهم.. فالشريعة في ما يتعلق بحاجات المجتمع: الاقتصاد والسياسة والاجتماع، هي خطاب مرحلي لأمة المؤمنين.. أما الخطاب الأصلي والذي هو للإنسانية جمعاء هو (السنة)، وهي عمل النبي في خاصة نفسه، وتقوم على أصول القرآن، فالدين يبعث ببعث السنة، وقد قال المعصوم: “بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا، كما بدأ.. فطوبي للغرباء!! قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟؟ قال: الذين يحيون سنتي، بعد اندثارها”.. قال سنتي!! ولم يقل شريعتي.. من وجود هذين المستويين في القرآن، تأتي حكمة ختم النبوة.. ونحن مأمورون أمراً صريحاً من الله تعالى، في القرآن، بأن نتبع أحسن ما أنزل إلينا.. يقول تعالى: “وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ”.. أحسن ما أنزل إلينا هو أصول القرآن، هو السنة– عمل النبي في خاصة نفسه.. عندما نتبع السنة نكون على الطريق، ولا نملك أي حق في أن نطبق الإسلام في المستوى الجماعي، نملك أن نبشر، ولكن لا نملك أن نطبقه على غيرنا.. حتى عندما يجيء المسيح، لا يكون الإتباع إلا بالاقتناع، الذي يقوم على حجة الظهور.. عهد الوصاية انتهي، إلى غير رجعة.. الدين لن ينبعث إلا بعد الإذن الإلهي، وظهور المأذون.. وهو لن يبعث إلا للناس كافة، يستوعب طاقاتهم ويحل مشكلاتهم.. وهو عندما يبعث يخاطب العقول، ويقنعها بجدواه..