عيسى إبراهيم *   * يقولون "من خدعنا في "الله" انخدعنا له"، ونقول "من خدعنا في "الوطن" أيضاً انخدعنا له"، أريد أن أكون "ساذجاً" وكلمة "الساذج" تعود إلى الأصل الفارسي "سادهَا" ومنها أخذت كلمة "الساده" السودانية وتعني غير "المشلخ"،

“الساده لونو خمري الساده قلبي حبَّا”، والشلوخ عادة سودانية قديمة مؤصلة، والشاي الساده هو الشاي الما مضاف ليهو لبن، وفي جدة السعودية لو قلت “داير شاي بي لبن” الجرسون يضحك فوقك، لأنو اللبن عندهم هو الروب، تقول شنو طيِّب؟، تقول داير شاي بي حليب، الكلمة الفارسية تعني الثوب غير الموشى بالنقوش، إذن الساذج هو البسيط غير المعقد، ولا شك أن غير المعقد خير من المعقد، لذلك أريد أكون ساذجاً وأصدق الانقاذ التي خرجت من تطبعها “العنف” إلى طبع السودانيين الأصيل (وهي بلا شك سودانية، وإن أبت!)، “السلام”، والله السلام!، والصلح خير!.

* يقول الخبر الذي نشرته التغيير الالكترونية (11 أغسطس 2015)، وتكاد تكون كل الصحف السودانية في ذلك اليوم نشرته، والخبر يقول: “وجه المشير البشير عمر وزارة العدل بتعويض أسر ضحايا أحداث سبتمبر 2013″، وأكد مولانا عوض الحسن النور وزير العدل أن الرئيس طالبه بتعويض أسر الضحايا (المصدر السابق)، إذن ما هي أحداث سبتمبر ودوافعها ومن هم الضحايا وما هي أسرهم؟!.

* حينما قررت الحكومة زيادة أسعار المحروقات (يقول الاقتصاديون إذا أردت أن ترفع الأسعار جزئياً فارفع أسعار السكر، أما إذا أردت أن ترفعها بلا حدود، فرفع أسعار المحروقات، والمحروقات هي البنزين والجازولين والغاز والفيرنس إلى آخره) “هبت الخرطوم في غسق الدجى”، وانقلعت من جميع أطرافها في ثلاثيتها: أمدرمان وبحري والخرتوم، ومدن سودانية أخرى، في مظاهرات هادرة وعنيفة احتجاجاً على فعلة الحكومة المنكرة تلك، والمظاهرات مشروعة، وواجهت السلطات الحكومية المظاهرات بعنفٍ أعنف، وضربٍ أشرس، وقتلٍ أبشع، و ادي ذلك إلى مقتل أكثر من 80 مواطناً (حسب احصاءات الجهات الرسمية)، في حين تقول المعارضة و منظمات حقوقية محلية ودولية، ان عدد الضحايا فاق المائتي قتيل، (طبعاً نحن في زمن الشينة منكورة، وفي زمن لا يسمح بـ”الغتغتة”، زمن العالم قرية، غرفة، شاشة موبايل بتصور كمان)، إنتشرت الصور في كل مكان، صور بشعة وخاصة طالب الثانوي الملقى على الأرض والدم يسيل من تحته!.

* الحكومة حكومة البشير الجديدة، مع البشير الجديد “لنج”، مع معارضة عدد من منتسبي الوطني سابقاً (غازي وكومو، وزين العابدين وكومو، وسائحون وكومها، وعلي عثمان حردان واللا لا لا، والكاريزما الترابية والحِفِّير بالخالف) يشكلون معارضة شرسة الآن، أين الذين يقرأون بين السطور، ويفلقون الشعرة ويميزون بين فلقتيها أيهما أبيض وأيهما أسود، دا كلو ما بيغير في الحاصل شي؟!، الحكومة ممثلة في البشير عبَّرت بكلمة مفتاحية “الضحايا” وكان من الممكن استخدام كلمة أخرى خفيفة وغير محرجة، وكلمة أخرى “تعويض” والكلمتان يحملان اعترافاً ضمنياً وواضحاً بالذنب والندم وفتح صفحة جديدة مع الشعب السوداني “الفضل”، هل نقول لا لا؟، وما نصالح!، وفي العالم آليات مجربة استعملت في عدة مناطق ومنتجة ومأمونة العواقب وبتغسِّل القلوب من الأدران وتهدئ من روع النفوس!.

* الشد والجذب بين الحكومة من جهة وأسر الضحايا من الجهة الأخرى بدأ، الحكومة قالت بتعويض أسر الضحايا، وآخرون قالوا إن أسر الضحايا تطالب بمحاكمة المتورطين في قتل أبنائها، من ناحية أخرى قال رئيس هيئة التضامن مع أسر ضحايا أحداث سبتمبر، صديق يوسف، ان أسر الضحايا تطالب بإقامة محاكمات عادلة للمتورطين في مقتل المتظاهرين، مشيراً الي ان إقامة المحاكمات من شانها ردع المتورطين في تكرار ما فعلوه مستقبلا، ونقول: هل هناك طريق ثالث بالسير فيه يحدث التوفيق بين المسارين؟.

* الطريق الثالث المطروق هو “العدالة الانتقالية” بانتهاج طريق الاعتراف والاعتذار والتعويض، لماذا؟!، لأن المحاكمة غير ممكنة لنظام ما زال يقبض بكلتا يديه على مفاصل السلطة، ولم يسقطه أحد، العدالة الانتقالية طريقة لانزال “الديك من عنقريب العدة”!، شايفين كيف؟!، الانقاذ متورطة حتى المشاش في الفعل الشين، والانقاذ الآن ليست هي الانقاذ في زمن سبتمبر 2013، سأضرب لكم مثلاً بسيطاً ولكنه مفيد في شرح المسألة المركبة هذه، أحد قادة الشرطة القدامى (الآن بالمعاش) صرح تصريحاً مفعماً بالصراحة ويحمل في طياته اتهاماً صريحاً للنظام آنذاك، قال (في ما معناه، مشيراً تحديداً إلى رجال شرطة كانوا شاركوا في قمع المتظاهرين آنذاك): “ديل ما رجال الشرطة حقونا، ديل ناس لابسين لباس الشرطة، وما هم شرطة”!، أرجو أن يحمل القارئ هذا التصريح ويحاول تفكيكه ومقارنته بأفعال حدثت وتحدث في عهد الانقاذ، لذلك أعتقد أن العدالة الانتقالية تستطيع استئصال الورم والابقاء على الجسد، وربما تتواصل المصالحة بعد ذلك فتقف الحرب الملعونة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، فالطبع عادة يغلب التطبع، وأول الغيث قطرة، وهاهي القطرة تكرمت بها الانقاذ الجديدة “لنج” ولقد قيل: “إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع!”.     

* eisay@hotmail.com