عبد الله الشيخ الجفاف يكشر عن أنيابه  فوق أرض البطانة التي كانت "مزرودة" في مثل هذا الوقت، بالريحان والدفيس الاخضر، وبالبهم والحوايا واشكالاً مختلفة من الحياة البرية.. 

تلك الأرض صلعاء الآن، إلا من بقايا بثور البسكيت والطرفا  والطندب والطلح، والسيال.. وشجرة السيال حيث وجدناها، كانت تقاوم الموت، “لأنها لا تُسرف في الحياة”..! قطعت الطريق الواصل بين الخرطوم وشرق السودان،عبر بادية رفاعة فهالني المنظر.. لا شيئ غير العرى والوحشة، وبقايا “جضول” الذرة، وحيوانات نافقة رمى بها أصحابها على جنبات الطريق..البِلدات عطشى إلا من بعض إخضرار عند حواف الخيران التي تنبئ بأن سرسار ماء قد مخر الرمل بعد  زخّة أو زختين لسماء شحيح.. ترى مدينة القضارف تبدو خضراء من ينعة “الّلالوبة” ، التي هو شجرة ميلاد مسبحة الألفية..القضارف مبسوطة على جانب التلال، بينما بلداتها عجفاء على طول الطريق، و لا تنبئ العين ، بأن تلك المحاجر قد “إتْفشَّتْ” بسارية من غمام، ولا شيئ ينبئ بأن القدمبلية قد ازدان مسورها ، أما أراضي الحرقة ونور الدين، التي نسمع بحرقة بكاء اهلها عليها ، فلا شيئ فيها غير تشققات محاريث….الجفاف جاثم فوق الطريق حتى كسلا ، والنيل لم يصعد الى مجده فيبلل الجروف،و لا انهمر المطر كما عهدناه في أعوام الهنا..هل جفّ ضرع النيل لأن الأحباس قد حبست مياهه  في  أعالي الهضبة، أم أن ما حدث هو من سيئات أعمالنا..!؟  الرؤيا لا تنبئ بالخير، و قد نعيش ــ لا سمح الله ــ هذا العام محلاً عصيباً ان لم يتم تدارك الامر.. انقضى نصف الخريف والأرض جدباء، فلنبدأ منذ الآن.. لنبدأ في الاحتياط لسد الفجوة الغذائية المتوقعة باتخاذ التدابير اللازمة، بالاستيراد أو بغيره، بمؤاخاة أخواننا في الانسانية……على الخرطوم أن تتدبَّرَ أمرها، ولا تركب رأسها.. على الخرطوم معالجة الازمة داخل قصورها ، بدلا من أن تاتيها “طاوية حُبالا”..! فالأمر أعقد بكثير من هذه محاحكات حوار الوثبة، الذي اصبح الآن  في طور ” لجنة ثمانية  زايد ثمانية”.. هذا الحوار اصبح الآن ضرورة ، وقد يكون مخرجاً لا بديل عنه ، لأن أهل المصارين البيض من أولاد التنظيم الحاكم ، مغرمون دوماً،  يتزويق اللوحة،  فلا تسمع منهم ، إلا الاستحسان واخفاء الحقيقة.. ليس لكرم الله، ولا ايلا  أو ياسر يوسف، اي موشحات عن هذا الجفاف الذي ضرب الشرق.. عليهم أن يحدثوا القيادة العليا ، بهذا الجفاف الذي ضرب الزراعة المطرية، فان عطش القضارف يعني ،دون شك، “هضلمة” الخرطوم..

ان الجفاف الذي يضرب مشاريع الزراعة الآلية هذا العام، هو سانحة اختبار عسير للكيان القابض ولجسد الدولة.. فهل تسقّط المسئولين الخبر من مصادره ومن أهل الوجعة ، أم من التقارير المرفوعة التى تجعلهم هانئين مطمئنين في لحظتهم هذه..؟ نحن هنا لا نتحدث عن طموحاتي مشروع الجزيرة ، ففي هذا المجال هم يؤكدون تأهبهم لزراعة المبكرة وفق “الخطة التأشيرية ” للموسم الزراعي الحالى والتى تستهدف زراعة مائة ألف فدان قطنا، وزراعة 500 ألف فدان ذره حسب الدورة الزراعية الخماسية ، وزراعة 300 ألف فدان فول سوداني، وتخصيص 50 ألف فدان للجنائن الحقلية و20 ألف فدان للأعلاف و10 ألف فدان للسمسم….هذه الارقام هي طموحات مشروع كانت سقياه بالري الفيضي عبر الترع و القنوات،، مع أن للترع والقنوات مشاكلها ، ولمخزن المياه خلف الخزان مشاكله التى تطعن عميقاً في أمننا الغذائي.. نحن هنا لا نتحدّث عم طموحات سمساعة في الجزيرة، بل عن الجفاف الذي يضرب حقول الزراعة المطرية، فهذا القطاع هو عماد اقتصاد السودان بعد التخريب المنهجي  للمشروع.. تدبّروا أمركم، و اتركوا النعامة وحدها، لتدفن رأسها في الرمال..!