خالد الحاج عبد المحمود         المشكلة الأساسية التي يقوم الدين بحلها، هي مشكلة السلام، على الأرض كلها، وفي كل نفس بشرية.. يجب أن يطالب دعاة الشريعة، ممن يظهرون معاداة داعش، ويتحدثون في المنابر المختلفة في ذلك: أنتم كدعاة للشريعة، هل تدعون للجهاد بالسيف - الجهاد بالحرب، أم لا!؟

ما رأيكم في النصوص الصريحة والمحكمة، في القرآن والحديث التي تدعو إلى الجهاد؟ يجب الإلحاح في هذه الأسئلة..

إن وصم داعش وأخواتها بالتطرف، ومثل هذه الكلمات أمر لا معنى له ولا قيمة.. لا بد من التصنيف الواضح: من مع الجهاد ومن ضده، وإلا فستنتهي داعش، وتظهر دواعش أخرى!!

        وآخرون ممن يعارضون داعش من المنابر، وهم في حقيقة أمرهم يقصدون من وراء معارضة داعش هدم الإسلام كله.. هم يريدون أن يقولوا أن المشكلة ليست في داعش، وإنما هي في الإسلام!! ويذهبون إلى التدليل على أن ما تقوم به داعش له سند من الشريعة، ويوردون في ذلك نصوص الجهاد من القرآن والسنة، ويوردون الأقوال المستفيضة للفقهاء عبر التاريخ وإلى اليوم.. وقولهم هذا حق أريد به باطل!!

الحق أن الجهاد منصوص عليه في الشريعة بصورة لا يمكن الاختلاف حولها، وقام عليه التطبيق الفعلي في صدر الإسلام، بصورة واسعة ولزمن طويل.. هذا جانب الحق.. أما الباطل فهو ما يقولونه بصورة ملتوية، أن هذا هو الإسلام، فيساوون بين الشريعة والدين.. والحق أن هذا أمر موجود عند كثير من فقهاء المسلمين وعامتهم– أمر أن الشريعة هي الدين!! وبالطبع هؤلاء لا يتحدثون عن الأصول، عن آيات الإسماح، ولا يشيرون إليها، حتى ولو بالقول أنها منسوخة!! هؤلاء يخدمون أغراض الدوائر المعادية للإسلام في الغرب، وقد يكونون ممن توظفهم هذه الدوائر، في مسعاها لتشويه الإسلام، وينالون المقابل عن عملهم!! من حق هؤلاء أن يقولوا صراحة أنهم يرون أن الخطأ في الإسلام نفسه، ثم يوردوا أدلتهم على ذلك.. ومن واجب المجتمعات الإسلامية أن تسمح لهم بإعلان رأيهم هذا، ثم تدحضه بالحجة.. وحتى لو كانت المجتمعات الإسلامية لا تسمح بمثل هذا القول، فإن المنابر التي يمكن أن يقال فيها عديدة.. ولكن أصحابه يتجهون إلى الدس، والخداع، وعدم المواجهة الصريحة، مما يؤكد أنهم ليسوا طلاب حق، ولا أصحاب رأي، وإنما هم أجراء يخدمون مصالح من يستأجرونهم!!

لمصلحة من!؟:

        لمصلحة من ما تقوم به داعش وأخواتها؟ من المنتفع بعملهم هذا؟

المتضرر واضح جداً، هو الإسلام والمسلمون.. الإسلام، على يدي هؤلاء النفر تعرض لأكبر وأخطر تشويه.. والأعداء في وقتنا الحالي، متربصون به ويكيدون له بشتى السبل.. وهم في الأساس يتهمون الإسلام بأنه دين عنف وحرب وقوة.. وعندهم شواهد من التاريخ ومن النصوص، فلا يكفي أن يُقال لهم أن هذه جماعات متطرفة.. وحتى لو قالوا لهم ذلك، فإنهم يبطنون غير الذي يظهرون!! فمن المنتفع بما يجري!؟ من المؤكد عندي أن المنتفع الأساسي، بل والوحيد هو الرأسمالية العالمية!! بل هم وراء ما يدور، والسبب الأساسي فيه، وما داعش وأخواتها إلا وسائل..

        يقول علماء الجريمة: عندما تكون هنالك جريمة، وتريد أن تعرف المجرم الحقيقي، فعليك أن تبحث عن المنتفع بالجريمة!! والمنتفع بصورة لا لبس فيها، هو الرأسمالية العالمية.. وقولنا الرأسمالية، يتضمن وسائلها من ساسة ومخابرات، وقيادات عسكرية، فهؤلاء، وغيرهم، هم وسائل الرأسمالية، تستخدمهم لتحقيق أغراضها، وبالطبع هم طرف منها، ومنتفعون كما هي منتفعة.. لا توجد أي جهة منتفعة بصورة مباشرة، من الحروب التي تشنها داعش وأخواتها، غير هؤلاء الذين ذكرناهم..

        هذه الجهات التي تشن الحروب باسم الجهاد الإسلامي، من المستحيل أن تملك المال الذي تدير به عملها هذا، كما من المستحيل أن تملك السلاح والذخيرة، والآليات العسكرية الضخمة، والقدرات والمخابرات الهائلة!! هذه كلها فوق طاقة دول العالم الثالث، خلِّ عنك جماعات دينية.. فمن أين أتى كل هذا!؟ من المؤكد من الرأسمالية العالمية، فلا أحد على الإطلاق غيرها، يملك ما ذكرنا..

        ما الفائدة التي تعود على الرأسمالية، من هذه الحروب الطاحنة، والمجازر الدموية الواسعة؟؟ سنلخص الموضوع في نقاط:

        1/ إن همّ الرأسمالية الأساسي والوحيد، هو الربح، ودوران عجلة الإنتاج.. وهذا لا يتأتى إلا باستهلاك السلع المنتجة.. وتجارة السلاح وتوابعه، هي أهم تجارة للرأسمالية، وأكثرها إدراراً للربح.. والسلاح يُنتج لُيستهلك، لا ليُخزن في المخازن.. وهو يستهلك من أجل أن تدور عجلة المصانع، وتنتج سلاحاً جديداً، ليستهلك هو أيضاً، وهكذا دواليك.. فإذا توقفت الحرب، يخسر تجار السلاح، والدول التي تنتج السلاح.. بالإضافة للذخيرة، ووسائل الحرب الأخرى.. فكلما كانت الحرب واسعة، وتدوم لأطول وقت، يكون ذلك أنفع للرأسمالية.. والرأسمالية لا تترك الأمور لتقوم دون تدخل منها.. هذا أمر غير مضمون.. فهي تحتال بشتى الأساليب، لإشعال الحروب، ولديمومتها.. ولها وسائل عديدة، من خلال إمكانيات الدول الرأسمالية الكبيرة، وما لها من دبلوماسية، ومخابرات وعملاء، في مناطق الحروب..

        الحروب التي تثيرها داعش وأخواتها، هي في خدمة الرأسمالية في المكان الأول.. وقد يكون للرأسمالية، منذ البداية، الدور الأساسي في إشعالها.. وقد يكون بعض زعماء الجماعات يعلمون بذلك، وينفذون أدواراً، وضعتها لهم الرأسمالية، ويتقاضون المقابل.. ومعظم أعضاء هذه الجماعات في القاعدة، الراجح أنهم لا يعلمون شيئاً..

        عليه الرأسمالية، لن تعمل من جانبها، لوقف هذه الحروب، ولكنها تحاول أن تخفي يدها الظاهرة.. من مصلحة الرأسمالية ألا يكون هنالك منتصر، في الحرب، حتى تدور عجلة الإنتاج.. والرأسمالية تسد حاجة الطرفين المتحاربين، بالأسلحة والذخيرة.. فإذا اتضح في وقت ما أن هنالك طرف سينتصر، وقتها، ستتدخل الرأسمالية بفعالية لإنهاء الحرب، لتستثمر هذا التدخل، في الدعاية في وقت السلام.. هذا أمر فيه تفاصيل كثيرة، وهو واضح جداً، لكل مراقب سياسي..

        2/ عدم الاستقرار الذي تخلقه الحروب يجعل هنالك حاجة كبيرة للرأسمالية ودولها في غير المجال العسكري.. وبصورة عامة، عدم الاستقرار الأمني يجعل هنالك حاجة مستمرة للرأسمالية ودولها، من دول الغرب.. وهذا هو الدافع السياسي الأساسي لإشعال هذه الحروب.. وواضح جداً، لكل متابع، أنه كان هنالك مخطط كبير جداً، وخطير جداً، في منطقة الشرق الأوسط، لإشعال حرب طائفية بين السنة والشيعة.. وقد فشل هذا المخطط، بفضل الله، وما يجري الآن، هو ما تبقى من المخطط..

        3/ العمل كله، يقع ضمن مخطط أعداء الإسلام في الغرب، فمنذ وقت اتخذ الغرب المعادي للإسلام، إستراتيجية لمحاربة الإسلام، تعتمد على استخدام المسلمين أنفسهم في هذه الحرب.. وظهرت العديد من الأسماء، ممن يعملون هذا العمل لمصلحة الغرب، ودائرتهم في ازدياد..

        إن الإنسان ليتعجب أشد العجب، ما الذي يقنع من ينضمون لداعش وأشباهها!!؟؟

 لا يوجد أي محتوى مطروح، صحيح أو غير صحيح.. الدعوة منذ البداية دعوة لقتال المسلمين وتقتيلهم، بعد تكفيرهم، على الرغم من أنهم يشهدون الشهادة، ويؤدون الأركان، ولم يرتكبوا أي ذنب.. ثم تأتي الأحداث الفعلية لتؤكد هذا التوجه، بأبشع صورة.. فما الذي يقنع في هذا العمل!؟

واضح جداً أنه لا أحد غير أعداء الإسلام ينتفع من هذا العمل.. على الرغم من كل ذلك، هنالك من ينضم لهذا العمل طائعاً!! والأعداد ليست بالقليلة.. ويعمل هؤلاء المنضمين للقتل!! فما هو دافع هؤلاء في الانضمام، وما السر في انضمامهم!؟

واضح أن استجابة البعض، استجابة دينية عاطفية، فهم يظنون أن الأمر فيه نصرة للدين، ومن يقتل في سبيله هو إلى الجنة!!

ولكن لا يوجد أيِّ شيء مطروح، يقنع أن الأمر دين.. قتل المسلم للمسلم، من الصعب أن نظن أنه دين.. خصوصاً أن من يُقتل، هو عدد هائل من المسلمين الأبرياء.. هذا أمر غريب جداً ويحتاج لتمحيص.. وعندي مفهوم أن ينضم البعض لمصالح دنيوية يطمعون فيها.. مفهوم عندي لكنه ليس مقدراً.. لكن الكثيرين من المنضمين، يعتبرون الأمر لنصرة الدين وإقامته في الأرض.. والكثير من هؤلاء على قدر من التعليم مدني.. فهل فعلاً يعتقد هؤلاء أنهم يستطيعون الانتصار على الغرب بسلاحه!؟ هل يجهلون ما وصلت إليه أسلحة الدمار الشامل!؟

على كلٍ، أنا عاجز عن فهم دوافع هؤلاء النفر، وأسباب انتمائهم لهذا العمل الشديد البطلان عقلاً وديناً.. ولا أملك إلا أن أقول: إقام العباد فيما أراد!!

        إنها ستكون فتن كقطع الليل المظلم، هكذا أنذر المعصوم.. وقال: إنها ستكون فتن تجعل اللبيب حيران!! أرجو الله ألا تطول حيرتنا، وأن تنتهي فتنتنا.. ستنتهي هذه الفتنة، ولكن بعد دفع ثمن باهظ جداً.. وبنهايتها ستكون نهاية الإسلام السياسي إن شاء الله، وسينتهي استغلال الدين لأغراض السياسة وأغراض الدنيا، بعد دفع الثمن الباهظ.

        ولن يستفيد أعداء الإسلام من الغربيين، غير الفائدة المادية.. لن يستطيعوا الحيلولة دون قيام الإسلام، عن طريق تشويهه.. الأمر عكس ذلك!! هذه الفتنة، بكل ما فيها من جرائم وفظائع، هي الثمن لتعليم المسلمين!! وأول ما يتعلمونه عن طريق هذه الفتنة، هو أن الإسلام لن يقوم عن طريق الحرب.. وأن حاجة البشرية الأساسية هي للسلام.. وهذا السلام المنشود، لا وجود له إلا في الإسلام.. فالإسلام وحده هو دين السلام.. وسينتصر على الأديان كلها، بما فيها دين العلمانية، لمقدرته على تحقيق السلام، في كل نفس بشرية، وفي الأرض جميعها.. ولأنه لا بديل للسلام، فإنه لا بديل للإسلام.. واهم من يظن من أعداء الإسلام في الغرب، أنه يستطيع أن يجعل الإسلام هو ما تدعو له جماعات الهوس الديني.. وهؤلاء الأعداء، بعملهم على جعل الهوس الديني على السطح ليقولوا هذا هو الإسلام، يخدعون أنفسهم!! وبنفس هذا العمل الذي به يظنون أنهم يحاربون الإسلام، هم يعملون لنصرته.. والأيام بيننا.. والأمر لله من قبل ومن بعد.