خالد فضل *فقرة إذاعية كاملة في هجاء شخص لخلافه مع مأمون حميدة! * 36 ألف مسمى لرسوم مفروضة على السودانيين! * 40 أورنيك تحصيل غير اورنيك 15

استمعت الاسبوع الماضي بالصدفة الى محطة إف.إم ,تبث برامجها من الخرطوم , كان صوت المذيع تتماوج نبراته علوا وهبوطا في نشيج آسر , يفخم العبارات عند بعض النقاط تفخيما ثم يرققها عند أخرى ترقيقا , عنوان حديثه كان (عمود مُختار) يبدو أنّها فقرة يومية في تلك الإذاعة , يتم من خلالها قراءة أحد الأعمدة الصحفية المنشورة في ذلك الصباح الخرطومي , تذكّرت في تلك اللحظات , مسألة مرتضى الغالي , وكلام رجال لبنى أحمد حسين , ومناظير زهير السرّاج , واضاءات فايز السليك , ومسارب ضي الحاج ورّاق , وغيرها من الأعمدة الصحفية المرموقة المحظورة, التي تهز وترز معرفة وعلما وثقافة وعمقا وغوصا في الشأن العام برفعة وسمو وتحليل ناضج وفكرة ملهمة , كان موضوع العمود الذي تبثه تلك الإذاعة الطبية كما هو عنوانها , ذمّ وقدح وهجاء في أحد الأشخاص , يذكرونه بالاسم في ظاهرة بدت لي غريبة قبل أنْ استفيق من الدهشة لأعلم أنني في عهد الانقاذ الذي بدد الدهشة وشطب الغرابة من قاموس حياة السودانيين مثلما بدد الوطن كلّه أرضا وبشرا وموارد.

   لقد استغل كاتب عمود عنوانه المورد العذب لصاحبه حافظ محمد علي حميدة , صحيفته (التغيير ) وإذاعته تلك للنيل من والطعن في طبيب عميد معاش سيّد قنّات لأنّ الأخير ظلّ يكتب باستمرار عن سياسات وممارسات التاجر الكبير في الحقل الطبي د.مامون محمد علي حميدة صاحب محلات الزيتونة ويستبشرون ومؤسس مفرخة الدواعش (كلية العلوم الطبية والتكنولوجيا), وزير الصحة بولاية الخرطوم , وقد كرّمه رئيس الجمهورية لجهوده المقدّرة في تحطيم مستشفى الخرطوم التعليمي ومستشفى جعفربن عوف للأطفال , بالتأييد لما فعل بقوله (إنّ مستشفى الخرطوم ليس صنما يعبد), في اشارة الى عدم قدسيته , وكأنما الأطباء والعاملون والمرضى من مرتادي تلك المشافي الحكومية قبائل جرهم وقحطان وبني تميم في طوافهم حول الكعبة تقربا بهبل واللات والعزى ومناة الأخرى !المهم تابعت لاحقا فقرأت أنّ الطبيب المعني قد حرّك اجراءات تقاضي ضد تلك الاذاعة ومديرها ومذيعها بتهمة اشانة السمعة , وبالطبع لا أود الدفاع عن السيد قنّات , ولكن هل من الجائز في شرف الاعلام أن يستغل شخص ما وسيطه الاعلامي لتصفية حساباته الشخصية مع شخص آخر ؟ الاجابة تبدو كذلك واضحة بيد أنّه في عهد الانقاذ الاسلامي فقدت كلمات اللغة العربية مدلولاتها المعنوية وبات لكل لفظ معنى مضاد تماما . فقد أسس منبر  وصحيفة الانتباهة مثلا لهدم الوحدة الوطنية وتوسيع فتق النسيج الاجتماعي ونشر الفتن وبذر النزاع وسيادة العنف في ذات الوقت الذي ابرمت فيه اتفاقية السلام الشامل فتأمل !

   أذيع مؤخرا مصطلح الدولة العميقة , قال بذلك وزير المالية عندما تحدّث عن عوائق تنفيذ خطته لضبط المال العام المتحصل عن طريق الجبايات والرسوم والضرائب  بابتداع ما سمي بالتحصيل الالكتروني , وقد اكتشف وزير المالية أنّ هنالك 40 ارنيك تحصيل غير أرنيك15المشهور , وأنّ 36ألف مسمى لرسوم مفروضة على السودانيين بما فيها رسم (سرج وبردعة وعكفة ), الدولة العميقة تلك هي دولة الفساد التي أسس لها الاسلاميون وصبّوا خرصانتها بعد أن سلحّوها بالسيخ , وبعد أن صار الانتماء للتنظيم هو شهادة التخرج وسر التوظيف واطلاق اليد في المال العام والوظيفة العامة دون حسيب أو رقيب بل كلما تمكّن الكوز زادت أهميته وارتفعت مكانته فالتنظيم القوي في فكرهم هو التنظيم الذي يكوّش على المال , ولابد من خلق طبقة مكتنزة مالا من العدم , والمجال مفتوح لذلك عبر (الذين إن مكنّاهم في الأرض … إلخ الآية الكريمة ), فهل يغفل السيد وزير المالية عن عمق دولة الفساد؟ ألم ير كيف تعمّقت وتعملقت إن لم يشارك هو نفسه في تأسيسها ؟ ولو كان عمق الفساد في المال والوظيفة لخفّ الوجع قليلا بيد أنّ الأخطر من ذلك عمق الفساد الأخلاقي والمعنوي , وما أوردناه عن تلك الاذاعة وبرامجها نموذج فقط , ولأنّ الفاسد والمفسد ليس له سقف أخلاقي يردعه , وهو في مأمن من ردع القانون لأنّه محمي بجدار تنظيمي وعائلي وجهوي فإنّه يستهين بكل قيمة انسانية أو مهنية , فهاهو مدير جهاز أمنهم السابق صلاح قوش يطلق في آراءه وتقييمه للسياسيين من وقائع واضابير التحقيقات الامنية معهم , فالصادق المهدي كثير الحديث وأسرع من يمنح المعلومات بحسب قوله في حوار صحفي مؤخرا , حسبما لاحظ الاستاذ مصطفى عبدالعزيز البطل في عموده غربا باتجاه الشرق بصحيفة السوداني .

  في هذه الأجواء الكريهة والمريبة تأتي مرّة أخرى ملهاة الحوار الوطني وما أدراك ما هي , إنّه التاريخ يعيد نفسه بصورة مأساوية (مؤتمر الحوار الوطني) , ومحمد الأمين خليفة , وحتى عبدالله علي ابراهيم وعلي شمو وفيلوثاوث فرج وسوار الدهب , ووسط ترحيب الترابي وبهجة آخر العمر !!! سنعود لذلك لاحقا ان كان في العمر بقية , ولكن الدولة الاسلامية الموغلة في الفساد لم تترك جانبا في حياة السودانيين دون تلويثه , والله غالب.