عبد الله الشيخ السواقي في بلاد التاكا تبدو كقطعة من جناين الشمال لولا غربة النخل فيها.. اندغم الشوايقة في الطريقة فهرعوا الى دلتا القاش، مترعين بحنين أبدي، لم تزل تجترّه أفئدة الشعراء ويتولّه به العاشقين.. 

من بعد تاجوج، تقاطر سيل العذارى.. بنى عمر الشاعر، والتاج مصطفى، وكجراي، و الحلنقِي، مملكة للشوق من رهاب السحب.. لا تكاد تخلو ترانيم البجا من ذكر للغمام المسافر بين الصحارى وأخاديد افريقيا ، كأن السحاب هو الشاهد الوحيد على دنيا شأنها الزوال، شأنها مقالدة العزول….

 دفقات القاش تأتي في الخريف على مجرى واسع مثل سهل جاهلية إمرئ القيس،الذي كان بين ” الدخول ،فحوملِ”… هذا النهر الموسمي  يقسو أحياناً، ولكنه يرسم في كسلا واحة تتعطر حوافها بالندى الليلي،ورزار العتول.. يفيض القاش من وهاد وتلال عند حدود الدنيا، و يحيض غير مبالٍ برحلته اليائسة فوق رمل خشن يسقي جذور أعذب الموالح ..كانت كسلا جنة تشرب من النواعير،كما وصفها الشاعر في النصف الاول من القرن الماضي: ” نغمُ الساقيات حرّك أشجاني وأهاج الهوى أنين السواقي”.. اليوم تشرب بالطلمبات..كسلا مدينة تحكي قصة الايثار.. إيثار البجاوي، للضيف على نفسه، وايثار الخليفة لحوارييه، وايثار الحيران للعوالم من حجر ومدر…….

 الارض هنا في أصلها كانت للبجا، ولكن طلاقة الفلوات حفرت عميقاً في وجدانهم، فاصبحوا هائمين و عشّاقاً للمضارب تحت سفوح التلال…هذه السواقي الكسلاوية ذات الخضرة الداكنة ترتبط بترقُّب الخليفة بابكر ود المتعارض، لنجم سيّده الحسن ابو جلّابية في سماء السودان ..عندما تبدّى له ذاك النجم، تعرّى من كل الدّنيا… نفض يديه من كل شيء وضرب أروع الامثال في محبة المريد لشيخه…. ومن أجل المحبة هجر ود المتعارض حشمه وصولجانه،فأناخ بعير سيده فوق تيلاده الموروث عن جده الشيخ حمد ود ام مريوم،وجده من أمه الشيخ خوجلي، فكانت بحري دائرة للميرغنية..و من أجل المحبة أستجلب ود المتعارض كل ديار الشايقية، في “حُوا ” أبو جلابية..

 كل من ساقته خطى المحبة زائراً ، اعطي فسحة للزرع في هذه السواقي التي كانت يباباً.. أما المُحب، ود المتعارض، فقد رضي بالصحبة جاثياً عند قدمي شيخه تحت ذاك الجبل، بعد أن أسكن الحيران فوق أرض مثل كبدة الإبل المشتهاة…..هكذا ترعرع المانجو والبرتقال والليمون، راضياً في جوف السواقي شبيهاً بشتيلات القرير في كافة التفاصيل ، حتى نبات السِّعدة، التي تحف الشواطي على طول الجروف تناثرت في الحقول مثل نقرات دفوف ود حليب في الليل، وحتى نتوءات توتيل تشبه البركل” أبو شريمة”….

 ومهما تشابهت الأحوال ، فانها لا تستقر على حال.. تبدلت العصور، وبقي من نهمات ود المتعارض “شيئ لله يا حسن”… في المدى القريب، جاء بعض اهل الدنيا يطلبون تأراً من الماضي، ولكن حيران أبو جلابية تقاطروا الى كسلا من كافة الارجاء ،و القموهم حجراً ضخماً…بعض أهل الدنيا، شقّ على نفوسهم، أن يروا ذلك المجد لا تطوله عوادي الزمن إلا بمقدار ما يأخذ العصفور من ماء البحر، فعرضوا سواقي الميرغنية وما حولها في مزاد الايام الفانية..فرُدت إليهم بضاعتهم،عندما أرسى حفدة العهد المزاد، على ما كان عليه من أهله ، ومضوا الى حال سبيلهم ، كأن شيئاً لم يكن ..! .. المُنى بين خَصرها ويديها، والسنى في ابتسامها البرّاق..كَسَلا أشرقتْ بها شمس وَجْدي فَهْيَ بالحقّ جنّةُ الإشراق.. .. ظلّت الغِيدُ والقواريرُ صرعى، والأباريقُ بِتْنَ في إطراق … إلى أن يقول، توفيق صالح جبريل:” ائتني بالصبوح يا بهجة الروح ،وزدني،إن كان في الكأس باقي…

 والكأس في مدائن العشق للسيد الحسن..!