صلاح شعيب السياسيون النازلون من قطار النضال، والمهرولون تواً نحو وظائف الحكومة، يمارسون عادة سياسية طبيعية، وليست سرية. ولن يتوقف سيل بعضهم المنهمر نحو السلطة اليوم، أو الغد، أو الشهر القادم. 

فالسنوات حبلى دائما بمفاجآت أولئك الذين يصدرون من موقع النخبة الرائدة سياسيا. وتحولات السياسي من موقع الحكومة نحو المعارضة ملحوظة في تاريخ سياسينا، ولكن تظل هذه التحولات، ونقيضها، سهلة التبرير عند السياسي، ولعل قدراته مدهشة حين يوافينا بأطنان من الحروف التفسيرية لحالته. بل يذهب هذا السياسي المتذاكي أكثر من ذلك لينادينا للحوار حول ما قال مبررا، فتأمل ان الحوار المقصود يأتي تاليا للخطوة التوزيرية المتخذة، وليس قبلها. والمدهش أن أكثر المفارقين لأحزابهم يرون دائما أن البديل ليس سوى الضد. ذلك برغم أنه ليس بالضرورة أن ينتهي السياسي إلى خادم للحكومة ما دام يمكنه أن يكون مستقلا بعيدا عن الوظائف المتحصل عليها فجأة، والتي تقدح في مصداقيته. ولكن يبدو أن العلاقة بين بعض السياسيين المحترفين والوظيفة مثل علاقة الصدفة بالمحار! فمتى ما وجد هذا “البعض” أن هناك فسحة للوصول إلى اللذة بالوظيفة سعى إليها قازفا، أو قافزا، بأرجله، أو مهرولا ببطنه. وبعدها لا تهم المبادئ، والمواقف الأخلاقية، والرفقات النضالية.
ووظيفة الوزير في بلاد السودان الفقيرة تكمل لبعض السياسيين المحترفين النواقص الاجتماعية، والاقتصادية، والشخصية، إلخ. ونواقص ذلك النوع من النخب السياسية معقدة ودراستها تعمق المعرفة بابن آدم من فصيلة ابن آوى. وتحتاج، حقاً، حالة المهرولين للوظائف الوزارية إلى مبحث أو تحليل نفسي، أو تحقيق صحفي يبين لنا ما حققته الوظيفة للفرد على مستوى تغيير سبل عيشه، أثناء وبعد الخدمة.
لقد ضحكنا كثيرا عندما رأينا السيد حسبو عبد الرحمن ينصب صيوانا أمام منزله حتى يتلقى تهاني أهله، وصحبه، بمناسبة تقلده وظيفة نائب الرئيس. هذا برغم أن هذا الإسلاموي الذي يريد تجديد الخلافة يعرف أن الصحابة كانوا يهربون من المسؤولية بينما ناضل هو بالنفاق ليصل لهذا الموقع. وإذا اعفينا النائب المذكور من سلوكه البذخي المجبور عليه فربما أن القواعد القبلية، والجهوية، والأسرية، كثيرا ما فتنت بوظيفة الوزير. وما دام وظيفة الوزير مكافأة تمنح الآن ضمن محاصصات قبلية، و”معارضاتية” فستظل هذه القواعد ضاغطة على أبنائها، وبناتها، للحظو بالوظيفة ليتشرفوا بها رغم أنها تكليف. فهي تحقق للقواعد الضيقة تفضيلات مخصوصة في الخدمة من خلال الكرسي الذي كان ينبغي أن يعود خيره للأهل عموما. وربما من خلال هذه الوظيفة تجد هذه القواعد عبر ابنهم، أو نائبة رئيس البرلمان الحالية، “مأكلة” غير شفافة. والحقيقة أنه ليست هناك الآن مأكلة شفافة إطلاقا. فالأغنياء في زمن الإنقاذ ـ بمن فيهم أسامة داؤود ـ يعرفون أنهم يثرون في بيئة تتطلب اللف والدوران، وإلا فالويل لرأس المال. ولكن يبدو أن هناك فجوة بين المثالي والواقعي، كبيرة، وموحية بالتأمل. فالنخب، ومختلف قواعدها، تعرف تماما أن منصب الوزير، وما هو أعلى منه أو يوازيه، له ما له من بريق، ومكرمات، ونفوذ.
الشئ الذي نعرفه أن منصب الوزير وحده لا يعني شيئا خلاف أنه عمل إشرافي في ظل وجود وكيل الوزارة، ورؤساء الأقسام. هو منصب سيادي في المقام الأول، ومرتبط في الديموقراطيات والديكتاتوريات بالتغيير بينما لا يطال الأمر الوكيل كثيرا. ولكن الوزير في ثقافتنا السياسية شئ آخر. ومن ذكاء الحركة الإسلامية القاصر أن جميع وكلاء الوزارات من كوادرها المغمورين الذين يسيرون دفة العمل ويأتمرون بخطط وسياسات عليا. ولذلك لا يجد الوزير، غير الإسلامي، فرصة لتطبيق سياسات لا تتوافق مع طبيعة مرجعية الإنقاذ. ولعل كل الوزراء الذين أتوا من خارج منظومة الحركة الإسلامية أدركوا هذا الشرط قبل الاستوزار. وبالتالي فهم لا يغيرون كثيرا في محتوى السياسات العليا تلك، وأنى لهم. ولكنهم يمكن أن يعزفوا تنويعات على اللحن الأساسي، ولا بأس من إضافة آهات، وتأوهات نغمية، أو كسرات إيقاعية. وفي ذات الوقت يمكنهم أن يستمتعوا بشطارتهم. وشطارة الوزراء تتنوع وترتبط بخلفياتهم الحزبية، والعرقية، والتعليمية، والأكاديمية، والتجارية، والأسرية، إلخ.
وكثيرون يعلمون أن الفترة الديموقراطية الأخيرة شهدت تنافسا ممضاً بين النخب المثقفة حول الوزارات. ونتذكر أن حزبي السيدين تعاركا في الحفاظ على وزارة التجارة ضمن حصتهما. فالاتحاديون ألحوا على أن هذه الوزارة صنعت لهم، ودونها خرط القتاد. ذلك لأن قاعدة الحزب الداعمة من التجار، أو ما نسميهم الرأسمالية الوطنية. وحينما آلت الوزارة إلى الراحل الدكتور أبو حريرة اصطدموا معه في أزمة الخراف الأسترالية حتى أطاح به السيد الصادق المهدي. ولكن السيد عثمان عمر الشريف الذي حاورته يوما، وكان مختبئا في منتصف الثمانينات، عاد للتوزير بعد نضاله المعروف، ثم أعاد مجد الاتحاديين بالاستمساك بالوزراة ضمن محاصصة الحزب الاتحادي الأصل، اي حزب مولانا، أو “خزلانا” لا يهم. والسؤال هو لماذا ظل الحزب الاتحادي من أحرص الأحزاب على حيازة وزارة التجارة؟ وليس وعي الكاتب بأفضل من وعي القارئ. إن مجتمع الوزراء في السودان، تاريخيا، لا يدانيه في السوء سوى كثير سوئه. قليلون جدا هم الذين أحسوا بآلام مواطنيهم بالقياس إلى الآلاف الذين فضلوا إما خدمة السلطة الظالمة، أو الصمت تجاه سياساتها، أو مداهنتها، أو مهادنتها حتى يتم الاحتفاظ بمأكلة التوزير. وإذا كنا صادقين، وواضحين، فالنخبة الإسلاموية المستوزرة قلة وسط هذه الصفوة المضرة. ولكن أغلبية صفوتنا الوزراء هم المثقفون التقليديون أو المستقلون، والذين ظلوا منذ الاستقلال متورطين في أشكال التودد كافة للحكام، وللزعماء الذين يوزعون لها المناصب عند فترة الديموقراطية كما جرت العادة. وحينما يطول السهر من أجل الديموقراطية يختصر المتعجلون الطريق وينضمون للسلطة المستبدة لجني ثمر السودان. وهناك بعضهم الذي يجد فرصة التوزير عندما يتحالف الزعماء، والجماعات الحزبية، مع السلطات الاستبدادية التي تتفضل ببعض مناصب نظير هذا التحالف الجديد. أما وقد نكص الزعماء عن التحالف فإن قول الوزراء لقادتهم: “إنكم تملكون بيوتا حدادي مدادي، أما نحن فسنجد أنفسنا في الشارع إذا غادرنا الكرسي”، ثم يفارق الوزير حزبه الأصل ويصنع حزبا وهميا يمنحه المشروعية الكاذبة للبقاء متحالفاً مع السلطة. والمضحك أننا لا ندري المصلحة التي يجنيها البروفيسيرات والدكاترة من الانضمام لأحزابنا التقليدية ما دام هم عاجزون تاريخيا عن تحديثها، ومدركون سلفا أن لا مجال للإصلاح الطبيعي للأحزاب التقليدية إلا في حال تخلصها من سلطة بيوتاتها التاريخية. إذ إنها تورث الحكم للأبناء، سواء كانوا يمتلكون الكاريزما، والمناورة الفكرية، وبقية المواصفات، أو لا يملكونها. أغلب الظن أن عين هذه الصفوة ليس على تحديث الحزب، أو الدولة، وإنما على الكرسي الوثير. وإذا حصرنا الصفوة التي كانت حول المهدي والميرغني أيام الديموقراطية لوجدناها بالآلاف وكانت تتودد للحظو بالكراسي، لوزارة أو سفارة. ولكن حال الزعيمين الآن يغني عن السؤال. فليس حولهما إلا بضع عشرات من المثقفين، قليلهم صادق، وآخر يتحين الفرص مثل الفرص التي وجدها من وصل إلى محطته.
الحقيقة التي يجب أن يدركها الناس كلهم، والشباب بالأخص، أن الذي ضيع السودان ليس كل “ضباط” القوات المسلحة وإنما كثير من “وزراء” الأحزاب نفسها. وينبغي علينا إعادة النظر في مفهوم “حكم العسكر” الذي لحق بعصر عبود، والنميري، والبشير. فالذين حكموا طوال هذه العهود بامتياز كانوا مثقفي الدرجة الأولى. ومما ارتبط بسيرة نميري أنه قال مرة بفظاظته المعهودة لجمهرة من المثقفين، والعهدة على الراوي: مين الليما رفع معاي “جردل مايو” ده من المثقفين والدكاترة؟!