عيسى إبراهيم * * في عدد الانتباهة بتاريخ 23 أغسطس 2015 في صفحة "7" عاود د. عارف عوض الركابي كتابته الهجومية على الأستاذ محمود محمد طه والفكر الجمهوري وعنون كتابته الأخيرة هذه بـ "الرسالة الثانية في الفكر الجمهوري"،

وهو – قولاً واحداً – لم يأتِ بجديد في ما أورد من هجوم، ولم يحوجنا لندلل على ذلك إذ قال في مقاله الأخير هذا: “كنت قد نشرت سابقاً قبل عام تقريباً حلقات موجزة بينت فيها حقيقة الفكر الجمهوري ومؤسسه محمود محمد طه، ورأيت أن أعيد في هذا الوقت نشر جزئية تضمنتها تلك الحلقات….”، وكان الركابي قد كتب أربعة مقالاته السابقة في الانتباهة الثلاث الأول بالتاريخ المتتابع 28 و29 و30 سبتمبر 2014 والرابع الأخير بتاريخ الأول من أكتوبر 2014، ولقد قمنا بالرد عليه (ليس في صحيفة الانتباهة بالطبع بسبب أن الانتباهة وهي صحيفة – كما تدعي – ترفض نشر ردود الجمهوريين على من هاجمهم في صفحاتها، وتأخذ موقفاً عدائياً مع كل ما هو جمهوري – وهو أمر بالطبع معيب في حق صحيفة كان من المفترض أن تقف موقفاً حيادياً وتجعل من القارئ حكماً ومعياراً للحكم على المع والضد – ولنا في ذلك شواهد ومحاولات للنشر على صفحاتها) ونُشرت ردودنا في موقعين 1/ التغيير الالكترونية بتاريخ 3 ، و 5 و8 و13 أكتوبر 2014 ، 2/ سودانايل الالكترونية بتاريخ 1 و5 و9 و13 أكتوبر 2014، كما نشر المقال الأول في الراكوبة بتاريخ 2 أكتوبر 2014 وتوقفت الراكوبة عن نشر باقي المقالات لأسباب غير معروفة لدينا، وكانت المقالات بعنوان: “حوارية مع د. عارف الركابي”!.

بداية نقول للركابي

* قولك: “وقال في توضيح الرسالة الثانية التي ادعى أنه صاحبها”، وقولك: “ويكرر أنه صاحب الرسالة الثانية التي يدعيها”، وقولك: “وليؤكد محمود محمد طه دعواه الكاذبة أنه صاحب الرسالة الثانية…”، وقولك: “وهكذا بكل وضوح وصراحة يدعي محمود محمد طه أنه صاحب الرسالة الثانية في الاسلام”، وجئت يا ركابي في منقولاتك ما يدحض ادعاءاتك السابقة عن الأستاذ محمود حيث أوردت هذا النص: “لقد ختمت النبوة بمحمد، ولم تختم الرسالة، بمعنى أنه قد جاء بالرسالة الأولى “الرسالة المحمدية” وبالرسالة الثانية “الرسالة الأحمدية” كليهما، موحًى إليه بهما في القرآن، فعاش، في نفسه، الرسالة الثانية “كنبوة أحمدية” ولم يطبق على مجتمعه إلا الرسالة الأولى “الرسالة المحمدية” وذلك بعد ظهور قصور ذلك المجتمع عن شأو “الرسالة الأحمدية” مما أوجب الهجرة من مكة إلى المدينة بعد ثلاثة عشر عاماً من الدعوة بالرسالة الأحمدية – الرسالة الثانية من الاسلام..”، فكيف يستقيم عقلاً أن يدعي محمود أنه رسول الرسالة الثانية من الاسلام وقد عاشها النبي (صلى الله عليه وسلم) – أعني الرسالة الثانية – في نفسه، “كنبوة أحمدية”، وأنه – أي النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) وفق منقولاتك – جاء بالرسالتين كليهما؟!، ونزيدك علماً يا ركابي فالأستاذ محمود قطعاً لم يقل أنه “رسول الرسالة الثانية” أو أنه “نبي” أو أنه “ولي”، ولم يقل أنه “المأذون”، بل قال ما يدحض دعاويك هذه ياركابي، فقد جاء في صفحة (17 ) من كتاب الرسالة الثانية من الاسلام الذي ادعيت أنك اطلعت عليه، قال الأستاذ بلا مواربة: “إن محمداً رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية..وهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلاً، وأجمل الرسالة الثانية اجمالاً، ولا يقتضي تفصيلها إلا فهماً جديداً للقرآن، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذي بين يدي القراء..” (المصدر كتاب الرسالة الثانية من الاسلام – صفحة 17 – الطبعة الخامسة)!.  

الرسالة لم تختم: كيف ولماذا؟!

يقول الركابي: “ادعى (يعني الأستاذ محمود) أن محمداً عليه الصلاة والسلام ليس خاتم الرسل”.. ونقول للباحث أن الرسالة لم تختم، رغم أن النبوة قد ختمت ومعنى أن النبوة قد ختمت: أن جبريل عليه السلام لن يتصل ببشر بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) ليوحي له، إذ أن كل ما أراد الله أن يقوله للبشر موجود بين دفتي المصحف، معنى ذلك أن النبوة نزلت إلى الأرض بمعنى نزول القرآن، ولكن ماذا نعني بقولنا أن الرسالة لم تختم؟..

الرسالة لم تختم لأن “الرسول الخاتم” بشر بمجئ المسيح عليه السلام والأحاديث فائضة في ذلك: “كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً مقسطاً يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجورا…..”، وقد ينشغل القارئ العزيز بقولي: “الرسول الخاتم”، وهو محق، فلينتظر حتى أبين له ما أقول!..

النبي وثلاثة مقاماته

* للنبي (صلى الله عليه وسلم) ثلاثة مقامات فهو رسول حين أثمرت نبوته رسالة لقومه يدرجهم بها وهي تكليفهم قدر طاقتهم، كما كان تكليفه هو قدر طاقته، وطاقته أكبر من طاقتهم بلا أدنى ريب، إذ كان تكليفه في الصلاة ست صلوات بزيادة قيام الليل في حقه أمراً “قم الليل…”، وكانت زكاته ألا يدخر مالاً ولا طعاماً إلى الغد وتوصيته للسيدة عائشة – رضي الله عنها وأرضاها – “أو ما أمرتك ألا تعلقي لا تعلقي، فان خالق غدٍ يأتي برزق غدٍ كل غدٍ”، وفي الصوم كان (صلى الله عليه وسلم) يصوم صيام المواصلة ثلاثة نهارات وليلتين وحينما حاول أصحابه ذلك نهاهم رحمة بهم وعطفاً عليهم وقال لهم: “لا تواصلوا” قالوا “فإنا نراك تواصل يا رسول الله”، قال: “إني لست كأحدكم فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني”، يشير في ذلك إلى يقينه بربه الذي هو أكبر من إيمانهم!..  

* وهو نبي (مقامه الثاني) وهو في نبوته يتلقى القرآن من ربه بواسطة جبريل عليه السلام، وقد ختم ببعثته رسالة النبوة، لذلك صح لنا أن نقول في حقه “الرسول الخاتم” باعتباره خاتم رسالة النبوة..

* وأخيراً هو “ولي” (مقامه الثالث)، وهو في مقام الولاية يتلقى من الله كفاحاً بلا واسطة جبريل عليه السلام (يذكر القراء الأعزاء أن سيدنا جبريل عليه السلام في المعراج توقف عند سدرة المنتهى وقال لسيد ولد آدم حينما قال له تقدم أهذا مقام يترك فيه الخليل خليله قال: هذا مقامي ولو تقدمت خطوة لاحترقت)، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد ذلك: “زج بي في أنوار الذات فانتسخ بصري في بصيرتي فرأيت الله”، وهنا مقام النبي (صلى الله عليه وسلم) الثالث وهو مقام التلقي الكفاحي حيث لا طاقة لجبريل بذلك، وحينما نقول أن الرسالة لم تختم نعني رسالة الولاية التي سيأتي بها المسيح عليه السلام، فرسالة النبوة ختمت، ورسالة الولاية لمَّا تختم بعدُ، وسيتأذن لها ذلك بمجئ المسيح المحمدي “لو لم يبق من عمر الزمان إلا مقدار ساعة لمد الله فيه حتى يبعث رجلاً من آل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجورا…”!..

النسخ في القرآن: لماذا!!

في الفكرة الجمهورية الحكمة من النسخ أنه ارجاء وليس الغاء، ارجاء يتوقت الوقت ويتحين الحين: كتب الأستاذ محمود عن الحكمة في النسخ قائلاً: “قال تعالى في ذلك : “بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون”.. ومما تنطق به صدور الذين أوتوا العلم أن طريق العهد الجديد – طريق المسلمين على الأرض – ترسم خط سيره آيات الأصول – الآيات المكية – تلك التي كانت في العهد الأول منسوخة بآيات الفروع – الآيات المدنية – وإنما نسخت آيات الأصول يومئذ لحكم الوقت .. فقد كان الوقت وقت أمة المؤمنين .. وآيات الأصـول تخاطب أمة المسلمين ، وهي أمة لم تكن يومئذ .. وإنما نسخت آيات الأصول في معنى أنها أرجئت، وعلق العمل بها فيما يخص التشريع، إلى أن يحين حينها، ويجئ وقتها، وهو الوقت الذي نعيش نحن اليوم في تباليج فجره الصادق .. وإنما من ههنا وظفنا أنفسنا للتبشير بالرسالة الثانية” .. (المصدر: كتاب الرسالة الثانية من الاسلام صفحة 7 من الطبعة الخامسة)

فاذا كانت هذه هي الحكمة من النسخ عند الأستاذ محمود محمد طه، فما هي الحكمة من النسخ عند د. الركابي؟! ومن لف لفه من المسلمين والفقهاء المعترضين على الفكرة الجمهورية وعلى من دعا لها: الأستاذ محمود محمد طه؟!..

* eisay@hotmail.com