عيسى إبراهيم * * في عدد الانتباهة بتاريخ 23 أغسطس 2015 في صفحة "7" عاود د. عارف عوض الركابي كتابته الهجومية على الأستاذ محمود محمد طه والفكر الجمهوري وعنون كتابته الأخيرة هذه بـ "الرسالة الثانية في الفكر الجمهوري"!.

التشريع في الفكرة الجمهورية: دخول أكثر في التكليف!

يقول الركابي: “ولا يخفى أن مؤدى هذا (يعني نسخ المحكم وبعث المنسوخ) ابطال شريعة الاسلام وتغيير أحكامها” ونقول للركابي: الفكرة الجمهورية تحدثت عن تطوير التشريع بالانتقال من نص فرعي في القرآن خدم غرضه حتى استنفده إلى نص أصلي مدخر في القرآن لحياة الناس اليوم، وقالت الحكمة من النسخ أنه ارجاء وليس الغاء، وبسبب من ختم النبوة أراد الله أن ينزل أحسن ما في ديننا، فلما تبين عملياً عدم طاقة الناس به في القرن السابع، نسخه الله بما يطيقون، حتى يأتى أوان طاقة الناس بأحسن ما في ديننا، الذي أظلنا أوانه الآن.. وحديث الأستاذ محمود – بلا أدنى ريب – ينسف أوهام الركابي، ويبقي تشريعات الاسلام في قمة ليس لها ضريب، فمن ذلك الدخول الأكثر في التكليف أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تقل أو تفعل”، يشير بذلك إلى الآية القرآنية: “وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله”، معنى ذلك أن الأمة تحاسب فقط على القول والفعل لا على الخواطر المستقرة في السريرة، أما في الرسالة الثانية من الاسلام – وهو ما كان عليه النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) – فالمكلف محاسب على القول والفعل والمخفي المستكن في نفسه، ومن هنا فإن تطوير التشريع الاسلامي يعطي المرأة حقها الطبيعي في المساواة التامة بالرجل في القيمة، فهي كانسان مساوية للرجل كانسان، وتؤخذ مساواة المرأة بالرجل من مساواتها بالرجل يوم الجزاء، يوم الحساب، وبالنسبة للذميين المساواة في المواطنة، وحق الكفر مكفول لمن يريد ومحمي وفق الدستور، هذا بالنسبة للمساواة الاجتماعية، أما في السياسة فالانتقال يتم من الشورى إلى الديمقراطية، وفي الاقتصاد يتم الانتقال من الرأسمالة الملطفة إلى الاشتراكية، وأهم من ذلك كله في مجال التشريع والتقنين فالفكرة الجمهورية تستصحب معها الحدود الخمسة، والقصاص، الحد الوحيد الذي دخله التطوير في الفكرة الجمهورية هو حد الخمر إذ يقوم الحد في الفكرة الجمهورية على السكر لا على مجرد الشرب، بعد أن كان يقوم في السابق (أوان الشريعة في الرسالة الأولى من الاسلام) على مجرد الشرب، لأننا الآن في عهد “يا أيها الناس” عهد الانسانية بمختلف مشاربها ومعتقداتها..

القرآن بين التبليغ والتبيين

 يقول الأستاذ محمود عن الحكمة من وراء ختم النبوة ويجيب عن سؤال “لماذا ختمت النبوة“:

أول ما تجب الإشارة إليه هو أن النبـوة لم تختم حتى استقر، في الأرض ، كل ما أرادت السماء أن توحيه، إلى أهل الأرض ، من الأمر” ..ويقول: ” ذلك الأمر (الذي كان يتنزل على أقساط بحسب حكم الوقت ، من لدن آدم وإلى محمد) هو القرآن .. واستقراره في الأرض هو السبب في ختم النبوة .. وأما الحكمة في ختم النبوة فهي أن يتلقى الناس من الله من غير واسطة الملك ، جبريل – أن يتلقوا عن الله كفاحا – ذلك أمر يبدو غريبا ، للوهلة الأولى ، ولكنه الحق الذي تعطيه بدائه العقول ، ذلك بأن القرآن هو كلام الله ، ونحن كلما نقرؤه إنما يكلمنا الله كفاحا ، ولكنا لا نعقل عنه .. السبب ؟ أننا عنـه مشغـولون .. “

ومن البداهة المعلومة من الدين بالضرورة، أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، بلغ القرآن كله، ولم يبين القرآن كله، وانما بين لقومه ما يطيقون من القرآن، إذ أن بيان القرآن على الله وليس على النبي (صلى الله عليه وسلم)، “لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه”، بيان القرآن على الله وليس على النبي (صلى الله عليه وسلم)، والنبي يقول: “إنما أنا قاسم والله يعطي ومن يرد به الله خيراً يفقهه في الدين“.

ومن البداهة أيضاً أن تكليفنا الأساسي هو إعمال الفكر في ما نأتي وما ندع، وإعمال الفكر هو سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) الحقيقية إذ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن اثما، والاختيار بين الأمرين اعمال للفكر، وتبين الاثم من غيره إعمال للفكر، ومن حثنا على الفكر قوله تعالى: “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون”، “وأنزلنا إليك الذكر” القرآن كله، “لتبين للناس ما نزل إليهم” تبين لهم القدر الذي يطيقونه، “ولعلهم يتفكرون” هو التكليف باعمال الفكر بين ما أنزل في القرآن وما نزل للناس حسب طاقتهم، والدليل كامن في الفرق بين ما أنزل: “أنزل ينزل انزالاً”، وما نزِّل: “نزَّل ينزِّل تنزيلاً”، والذين يمرون على الكلمتين أنزل، ونزل، كأنهما كلمة واحدة مخطئون، وفي العربية – لغة المصطفى العربي -: “كل زيادة في المبنى تتبعها زيادة في المعنى” يا عارف يا ركابي!!.

الركابي ومفردة “الزندقة”

وصف الركابي دعوة الأستاذ محمود محمد طه إلى الرسالة الثانية والمؤمنين بها بـ”الزندقة” في موضعين حيث قال: “وهذه الدعوى تتبناها وتدعو إليها ابنته المطالبة باقامة حزب يرعى هذه الزندقة”، وقال: “أرجو أن نشري لمثل هذه الحقائق يكون عوناً…..في هداية من بقي مخدوعاً بهذه الزندقة” فما هي الزندقة؟!، الزندقة لغة: “مذهب القائلين بدوام الدهر من أصحاب زرادشت”، فأين موقع الأستاذ محمود وأين موقع الفكرة الجمهورية وأين موقع الجمهوريين من ذلك المذهب، وما دليل الركابي على ذلك، هل يدري ما يقول أم هو تغييب للفكر والقاء للقول على عواهنه؟!.

فلتعلم إذن يا ركابي، يا هداك الله، “نحن صبرٌ لا نمل طلابنا حتى تملوا”!!..

* eisay@hotmail.com