خالد فضل بالصدفة ,استمعت الى إحدى الإذاعات الرياضية في السودان فوجدتها تبث أهازيجا تتخللها مجتزءات من حديث بصوت رئيس الجمهورية عمر البشير , وعبارات لزجة ومصطنعة تحث الشعب على دعم ملهاة الحوار الوطني الجارية الآن , 

وتتحدث عن فضل الحوار في بناء الوطن وتقدمه ورفاهية شعبه .تذكّرت ذات اللزوجة والفجاجة التي كانت تُبثّ بها اعلانات الحث على الانتخابات المخجوجة , وكانت استجابة الشعب السوداني عظيمة وردّه أبلغ من كل أبواق الدعاية المشروخة.

  لا يخالج المرء شك حول أهمية الحوار والتفاوض بين أبناء الوطن من أجل اقالة عثرته واعادة بنائه بعد أنْ دمّره نظام حكم باطش متوحش ,مارس سدنته بكل سادية ما لا يمكن أنْ يخطر على ذهن شخص سوي ,وتحت لافتات وشعارات برّاقة بدءا بمسمى الانقلاب نفسه (الإنقاذ) , الآن بعد مرور 26سنة على نظام الحكم في السودان لا يمكن لمواطن سوداني أنْ يدعي أنّ إنقاذا قد تمّ للوطن بل على العكس تفاقمت كل المشكلات القديمة التي ورثتها سلطة الانقاذ, ثمّ أضافت بممارساتها أضعاف أضعاف ما ورثته لقد نمّت الإنقاذ المصائب والمشاكل السودانية , وقد كانت قبلها في حيّز الممكن تجاوزها بيسر نسبيا , الآن لم يعد ممكنا حل أي مشكلة تفاقمت أو نشأت في عهدهم الاّ بمجهودات خارقة لا يبدو في الأفق دليل على وجود قدرات وامكانات لحلّها , فعلى أرض الواقع  يوجد الآن  أكثر من ثلاثة ملايين انسان سوداني مصنفين في خانة نازح ولاجئ أي حوالي 10%من جملة السكان , هولاء لهم قضايا ومشاكل لم تكن موجودة بهذه الحدة قبل زمن الإنقاذ , فما هي الخطّة الموضوعية لإعادة هولاء المشردين الى ديارهم , وأين هي ديارهم ؟ وماذا حدث فيها خلال العقدين الأخيرين ؟ أما تزال القرى في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق تحمل أسمائها القديمة وتحتل في الخارطة المحلية مواضعها المتوارثة ؟من يحاور باسم هولاء ؟ من يتحدّث بلسان آلامهم وعذاباتهم ويطرح رؤاهم وأحلامهم ؟ فضل السيد شعيب أم الطيب مصطفى أم عبود جابر أم مصطفى عثمان ؟ ثمّ هنالك أكثر من ستة ملايين ما بين مهاجر ولاجئ سياسي ومن أعاد توطين نفسه وأسرته وبات يحمل هويات أوطان أخرى من كندا الى أستراليا وما بينهما من دول أوربا والأمريكتين , هل انقطع العشم في النظر الى بلواهم وهم يهجرون أرضا لا تشكو من ضيق في المساحة ولا عسرا في الموارد ولا شحّا في الخيرات لكنها تعاني في الواقع من هيمنة أنفس شحيحة وأفكار سقيمة وأخلاق ذميمة, ما هو الحل لقضايا وهموم حوالي 20%من جملة السكان تمثلهم هذه الفئة الطافشة ؟ من يحاور ويتحدث في قاعات الحوار معبّرا عن رؤاهم , لا تقل لي صديقنا كمال عمر . ثمّ هنالك أكثر من 300ألف قتيل في إقليم دارفور وحده , وعشرات آلاف مثلهم في جبال النوبة والنيل الأزرق وفي الشرق والشمال والوسط , أزهقت أرواحهم في كرّ وفرّ القتال الذي باشرته السلطة ضد شعبها في كل شبر من أرض الوطن , لهولاء الصرعى أهل وأسر وأصدقاء وزملاء وأزواج وأبناء ورفاق , فمن يدلي بدلوه من المتحاورين بشأن مظالم هولاء؟ أحمد بلال أم أسامة حسونة؟ أم مسار ونهار أم زميلنا الوزير حسن اسماعيل ؟ ولا تقل لي تجاني السيسي أو أبوقردة وأضرابهم هولاء أمرهم فاح يزكم الأنوف وغطاء (بيرهم ) انكشف كما يقولون .ومن يغالط فليسأل قاعات فندق السلام روتانا في قلب الخرطوم! و هذا شهر سبتمبر وفي مثيله من العام 2013م لعلع الرصاص الحي مخترقا جباه وصدور الشم الصناديد من شباب وشابات السودان في شوارع الخرطوم ,ما يقارب 200شهيد/ة , مئات الجرحى , مئات الآلاف من المكلومين والثكالى والمغبونين , من البشر السودانيين ,     هل يا ترى ينبري محاور من محاوري دايلما الحوار الوطني المزعوم في التطرق لشأنهم ؟ أيتحدث بمأساتهم محمد عطا أم حميدتي , ربما عصام البشير!

    كيف يأكل النازحون في معسكراتهم , كيف يتعالجون , ويقضون حاجاتهم , والإغاثة عنهم محجوبة , والمنظمات الانسانية المقتدرة والكفؤة ممنوعة ضمن متلازمة القتل بالرصاص والتركيع بالتجويع التي يباشرها السدنة مقطوعي الرحمة ,هولاء الذين تهزج (الإف إم) بالدعوة لحوارهم الرتيب في سذاجة لا يحسدون عليها , وعندما يقول قائل من أهل الوجعة السودانيين إنّ للحوار مطلوبات حد أدنى , وللتفاوض ظروف تجعله مثمرا , ويمدون الأيدي بيضاء من غير سؤ , من أجل من ذكرنا ومن لم نذكر من السودانيين الضائعين , يأتيك الرد الصادم (قد أذنّا بالحرب ) كأنّ الحرب قد توقفت يوما حتى يؤذن بها , ويتلجلج البشير وسدنته من المهيمنين عندما يطفح الكيل بوسطاء الاتحاد الإفريقي , حتى ثامومبيكي الصديق الحميم ضاق ذرعا , لم يعد بوسعه الاستمرار في هذه المهزلة وهو يرى ويعرف سؤ الحال , ويقتنع ويقنع الاتحاد الافريقي وكل العالم بأنّ (حوار حواري السلطة في الخرطوم) غير ذي جدوى , فما معنى الحوار من أجل تحقيق السلام إذا لم يشترك فيه المناضلون من حملة السلاح ؟ وإذا كانت الاهازيج تكفي كبديل للحوار والتفاوض الجاد فليستمر حوار الذات هذا , وحتما الصبح قريب , وعزم الشعب كلو حلم بداهو بتم وما يرونه بعيدا يراه أصحاب الضمائر اليقظة قريبا وقريبا جدا فما ضاع حقّ وراءه مطالب مهما طال الزمن وبعدت الشقة , وخيارات الشعوب الحيّة لا تحدّها صولة عنف أعمى , ورصاص حي مهما تكاثف , فالوحش يقتل ثائرا والأرض تنبت ألف ثائر يا كبرياء الجرح لو متنا لحاربت المقابر .