تحقيق : أمل هباني * "الذي يبتاع منصب القضاة ...حتما يبيع العدالة" * ضابط لمحامية: يا واطية لو كنتي راجل كان وريتك! * عضو بنقابة المحامين: الإعلام هو المشكلة

تواترت مطالبات النشطاء والسياسيين بإصلاح “اجهزة العدالة” في السودان، عبر إصلاح القوانين وإصلاح القضاء وكذلك إصلاح الشرطة، فيما يلي تفتح “التغيير الإلكترونية” ملف “الاعتداء على المحامين” كأحد مظاهر الخلل في منظومة العدالة. 

سلسلة من الاعتداءات:

في التاسع عشر من اغسطس الماضي تم الاعتداء بالضرب على المحامي خالد ابو عرب حتى كسرت يده وأصيب اصابة بالغة في محكمة شرق النيل  بعد أن قام عدد من منسوبي شرطة المحاكم بضربه واخراجه من المحكمة بناء على طلب القاضي الذي طرده من المحكمة، الا أن خالد رفض الخروج بحجة أن القانون لا يعطي القاضي حق طرده …فقام القاضي باستدعاء الشرطة التي قامت بضربه وإخراجه بالقوة المفرطة مما أدى الى كسر يده…. ….

الفتيات المسيحيات …اياك اعني فاسمعي ياجارة

حادثة خالد لم تكن الحادثة الأولى رغم أنها الاكثر مأساوية ؛فقبلها باسابيع قليلة فقط  وبالتحديد في السادس والعشرين من يوليو تعرض المحامي سمير مكين للاعتقال لمدة 72 ساعة بأمر من قاضي محكمة النظام العام بحري واسمه عارف نور الدين…..إذ كان مكين ممثلا لمتهمين في محكمة نظام عام وطالب هو كمحامي عدم المحاكمة الايجازية لموكله فرفض القاضي، فطلب المحامي تدوين الطلب في المحضر فرفض القاضي وأمره بالخروج من المحكمة لكن المحامي مكين رفض لمخالفة الأمر للمادة 26 الفقرة 6 حسب تعديل 2014،فما كان من القاضي الا أن حرر محضرا حكم فيه على المحامي سمير مكين بالسجن لمدة ثلاثة أيام …وتم اعتقاله الا أن زملاءه استطاعوا اخراجه بامر من رئيس القضاء بعد ثلاثة ساعات …وقدم مكين شكوى ضد القاضي عارف ورفض اي تدخل جودي ……وللقاضي عارف خلفية مع سمير مكين وبقية المحامين الذين كانوا يمثلون هيئة الدفاع عن الفتيات المسيحيات المتهمات بارتداء “الزي الفاضح” وعارف كان القاضي الذي يدير القضية في بداياتها ،وقد اخذ عليه أنه يبعد عن مفهوم العدالة والمهنية فكثير مادخل مع المحامين في جدل ومشاجرة ،وحول جلسة المحكمة لخطبة اصلاحية لدرجة أنه قال …(أنا لست قاضي أنا مصلح …وهؤلاء الفتيات لايهمني أن كن مسلمات أو مسيحيات المهم أن ما يرتدينه يطمع الذي في قلبه مرض) …وقد رفعت هيئة الدفاع شكوى ضده لدى رئيس القضاء واستبدل في خواتيم الجلسات …لذلك لم يستبعد مكين ولا زملاءه المحامين أن القاضي تعامل مع مكين بطريقة قضية الفتيات المسيحيات ….أياك اعني فاسمعي ياجارة …كناية عن رغبته في الانتقام والتأديب للمحامي على خلفية تلك القضية …….

تهديد بالاغتصاب

*تعرض المحامي محمد ابراهيم للضرب والتهديد بالاغتصاب في الثلاثين من مارس بمحكمة الخرطوم شمال  ابان محكمة الاستاذين فاروق ابوعيسى وأمين مكي مدني ؛وكان محمد ابراهيم وهو محامي شاب حضر الى المحكمة تضامنا مع اساتذته وللفائدة المهنية على حد قوله ،وحينما رفعت المحكمة للصلاة خرج ليؤدي صلاة الظهر اعترضه عدد من رجال الأمن وبدأوا بضربه واساءته وحاولوا ادخاله الى العربة وحينما قاومهم ازداد عددهم واجبروه على ركوب العربة ،وفي الطريق ازداد الضرب والاهانة التي وصلت حد التهديد بالاغتصاب …وعندما وصلوا الى وجهتهم (مكتب الأمن بشارع 57 العمارات ) …ما أن رأهم مديرهم حتى صاح هذا ليس أبو الروس وقال له بكل بساطة :معليش قايلينك أبو الروس! ….وخرج المحامي من مكتب الأمن وملابسه ممزقة ووجهه ينزف وبفردة حذاء واحدة ومشى بقدميه حتى وصل مركز شرطة العمارات شارع واحد حيث فتح بلاغا واستخرج اورنيك 8

محامية تحت جزمة الشرطة

لم يكن محمد ابراهيم وحده فالمحامية والناشطة الحقوقية سهير سعيد تعرضت لذات الانتهاكات في ذات المحكمة إذ حضرت صباحا ووجدت أن القاعة امتلأت ،ومنع الجميع من الدخول حتى المحامين ، تحكي سهير ماحدث “للتغيير الإلكترونية” وتقول :وقفت بالخارج مع عدد من المحامين والنشطاء والناشطات ..وبعد فترة من الزمن قامت الشرطة التي كانت تتواجد بكثافة خارج المحكمة بطرد الجميع ومنعهم من التواجد خارج المحكمة مستخدمة العنف ،وقامت الشرطة بالقبض  علي أنا  وشاب آخر  وحينما اخبرتهم أني محامية ولا يليق أن يتعاملوا معي هكذا قال احدهم (محامية تحت جزمة الشرطة) وبدأوا بضربي  على وجهي وجسدي ،وكان بعضهم يسيئني  بألفاظ نابية ،وقاموا بحملي ورميي على ظهري في (الدفار) الذي كان يقف هناك ..وبعد تدخل عدد من الحضور والمحامين الكبار الذين خرجوا من الجلسة قاموا باخلاء سبيلي وطلبوا مني الا احضر لاتضامن مرة أخرى ….

ياواطية ….لوكنتي راجل كان وريتك:

قبل عام ويزيد في الثالث عشر من فبراير عام 2014 تم الاعتداء على المحامية الهام كرار من قبل اثنين من شرطة المباحث الجنائية وتقول الهام أنها استخرجت امر اطلاق سراح بالضمان لموكلها المحبوس في المباحث في قضية مديونية ،ولما شعرت ان هناك مماطلة في اطلاق سراحه من العقيد المسئول ذهبت الى رئاسة الشرطة التي اتصلت به وطالبته باخلاء سبيل المتهم ؛ما أن عادت الى المباحث حتى ناداها الضابط في مكتبه وما أن ولجت الى المكتب حتى بدأ باساءتها بالفاظ نابية وهو يمسك ثوبها ..ياواطية يا ……لو كنتي راجل كان وريتك وبدأ يضرب فيها هو وملازم كان معه وشرطي آخر وحاولت الخروج والاستنجاد بالحاضرين لكن احدا لم يأت لينجدها فصفعته وحاولت الدفاع عن نفسها لكنها لم تستطع لتكالبهم عليها ….وقد سيرت المحاميات مسيرة في مدينة ود مدني احتجاجا على ما جرى لزميلتهن ….

“نقابة المؤتمر الوطني” مواقف متناقضة :

في قضية المحامية الهام اصدر اتحاد المحامين(الجسم النقابي الرسمي والذي لا تعترف به المعارضة لاعتقادها بفساد العملية الانتخابية التي أفرزته ) أصدر بيانا شديد اللهجة وزعه على الصحف في شكل اعلان صفحة مدفوعة القيمة رفض فيه ما تعرضت له الهام وتوعد المعتدين بالمحاسبة والعقوبة …وكذلك في قضية خالد ابوعرب اصدر محامو الحزب الحاكم بيانا رفضوا فيه الاعتداء واكدوا وقوفهم الى جانب زملاءهم في المهنة ….

لكن مراقبين اعتبروا  الأمر لم يتجاوز الاستعراض الاعلامي، وعندما سألت”التغيير الالكترونية” عضو نقابة المحامين محمد صابر عن رأيه فيما يحدث للمحامين، قال “ إن حالات الاعتداء على المحاميين هي فقط (كم وعشرين حالة ) على مدى عامين لكن الاعلام هو المشكلة لانه يضخم الامور وينقل نقلا سالبا” فيما ذهب صابر الى ان سبب الاعتداءات هو  جهل الشخص المعتدي على المحامي بالقانون والاجراءات ..إلا انه حمل المحامين المعتدى عليهم المسؤولية :”في كثير من الاحيان يمكن للمحامي أن يتفادى ماحدث لو تعامل بطريقة مختلفة …مثلا في قضية المحامي محمد ابراهيم الذي تعرض للضرب والاعتقال في محكمة الخرطوم شمال ..هناك اشخاص اعتقلوه بالخطأ على انه شخص آخر ؛لو أخرج بطاقته لهم لكان الموضوع انتهى لكنه تعامل باستكبار ولم يخرج البطاقة …كثير من المشاكل كان يمكن أن تنتهي لو أن المحامي لم يصعد في المحكمة .في حالة خالد القاضي اخطأ لكنه كان يجب الا يصر على البقاء في القاعة  عندما شعر أن هناك استخدام للقوة ..كان يجب أن يخرج من المحكمة ويقدم شكوى في النقابة ضد القاضي …

أن الذي يبتاع منصب القضاة …حتما يبيع العدالة

مولانا محمد الحافظ ؛ من القضاة المحالين “للصالح العام” في بداية عهد الإنقاذ، سألته “التغيير الالكترونية” عن رأيه في تلك الظاهرة فقال:اجرمت الانقاذ بتدميرها السلطة القضائية إذ احيل للصالح العام خيرة قضاة السودان واستبدلوا بقضاة السلطان وقديما قيل أن الذي يبتاع منصب القضاة حتما يبيع العدالة وهذا مايحدث الآن .وبعد تدمير جهازالشرطة والجيش والخدمة المدنية لم يتبق غير المحامين ؛ولعلكم تابعتم اخبار شطب محامين من سجل قيد المحامين في سابقة هي الاولى من نوعها ، والمحامون مخدمهم الشعب السوداني وبالتالي ليس من السهل كسر الشرفاء منهم لذلك حاربوهم بشتى السبل حتى وصل الامر لمالا يخطر على بال اكثر المحامين تشاؤما! بالاعتداء بالضرب والسب والشتم حتى وصل الامر للاعتداء في المحكمة امام القاضي مثلما حدث للمحامي خالد ابو عرب .وكل هذا يشكل جريمة خطيرة فالاعتداء على المحامي يعتبر اعتداء على المحكمة ذاتها والانكى انه يحدث اثر نقاش قانوني الاصل فيه ان يتقبله القاضي بصدر رحب .وعملا باحكام المادة 46 من قانون المحاماة لا سلطان للقاضي على محامي مثل امامه في اجراءات اطلاقا .كل الذي يمكن ان يفعله القاضي هو رفع الجلسة وكتابة تقرير عن اي فعل ياتيه المحامي مما يرقى لفعل جنائي أو مخالفة قانونية…

ان أمر الاعتداء على المحامين  لم يعد حادثة معزولة بل انتهاك وتعنيف يبدأ بالالفاظ الفاحشة ولا ينتهي بالتعدي الجسدي …..خاصة أن المحامين في صدارة المتصدين  لقضايا انتهاكات حقوق الانسان وحرية التعبير …ومعظم هؤلاء المعتدى عليهم لهم تاريخ في التصدي لانتهاكات حقوق الانسان عبر المحاكم …

فهل يصبح الامر استهدافا لكرامة المحامي وآدميته …ليصبح حاله مثل الابرة التي وصفت نفسها ب(اكسو الناس وانا عريانة) ……