د. محمد محمد الأمين عبد الرازق بسم الله الرحمن الرحيم (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ). صدق الله العظيم.

 

في إطار تداعيات الوضع الاقتصادي المتردي، ظهرت في العام الماضي بعض الفتاوى، حول قضية الضحية، على صفحات الصحف، فورد في بعضها جواز المشاركة في الذبيحة الواحدة، لعدد من الأسر، وقالوا بجواز الاستدانة، في محاولة لملاحقة الناس حتى لا يتركوها.. وقد قال بعضهم: إن الضحية سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، وفي النهاية وبعد لأي، أعلنوا أن القول بوجوبها لم يرد إلا عند السادة الحنفية!! فكأنهم تحت الحصار بالمنطق المسدد، اضطروا للسير في اتجاه تأكيد عدم وجوبها، كما فعل الجمهوريون ذلك بالحجج الدامغة منذ عام 1975م..
ونحن سنحاول في هذا المقال أن نضع النقاط فوق الحروف، فنتعرض لقضية الضحية من ناحية المعرفة بأصول الدين حتى تتضح الرؤية للشعب السوداني وللمسلمين في كل مكان !!
قال الأستاذ محمود في إحدى زياراته لحديقة الحيوان السابقة بالخرطوم: إن الإنسان كلما زار الحديقة، وشاهد بالتجسيد الحي السلوك الحيواني المشترك بين جميع الحيوانات كالشره والحرص والاتجاه إلى العنف فإنه يحس بالتفوق الإنساني، عنده، ومن ثم يخلف طرفاً من حيوانيته فيها، ويتعزز بفضل هذه المشاهدة الحية السلوك الإنساني عند الزوار عامة..
والتخلص من صفات الحيوان في الإنسان يقرب الإنسان إلى الله .. وفي تاريخ البشرية الطويل كان التقرب إلى الآلهة يتم بذبح الإنسان، ثم بذبح الحيوان، وفي هذا الإطار يجئ من أصول القران، الفهم العلمي الذي يدعو للانتقال من الخارج إلى داخل النفس البشرية ، والعمل على تهذيبها نحو الإنسانية .. وهذه النهاية كانت جميع التجارب السابقة العنيفة بالفرد البشري وبالحيوان مقدمة لها ، ولذلك فإن التقرب إلى الله اليوم إنما يكون بالتخلص من صفات الحيوان فينا وليس بذبح الحيوان خارجنا بأي حال من الأحوال..
هذا البحث عن (الضحية) يعرض النصوص القاطعة ، والآثار المسنودة في سقوط الضحية في حق الأمة المسلمة !! ويأتي البحث في وقته تماماً ، فقد صارت الظروف الاقتصادية الصعبة ، المتمثلة في الغلاء عامة وفي أسعار الماشية ، بصورة مذهلة ، واقعاً ضاغطاً يجعل دعوتنا إلى التمثل بالنبي الكريم حين ضحى عن أمته ، فأسقط وجوب الضحية عنها، وبأصحابه حين كان كبارهم ، وأغنياؤهم ، لا يضحون ، اتباعاً لروح الدين وتفهماً لعمل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ..
ولسنا نريد ، بذلك أن نجد للصعوبة والاستحالة العملية في (التضحية) ، مبررات دينية كدأب الدعاة ، الدينيين ، اليوم ، ولكننا إنما نريد أن نجد لرأينا الديني الثابت ، المسبق في الضحية سنده من هذا الواقع الجديد ، كدأبنا دائماً حين نسبق الأحداث برفع صوت العقل ، فيبدو غريباً لا يسمع له ، إلا بعد أن تطل الأحداث برأسها ، فيجد رأينا مصداقه فيها!! فنحن،الإخوان الجمهوريين ، في تحرينا لاتباع السنة الحقيقية (ونحن الدعاة إلى أحيائها ، اليوم) إنما نرى أن الضحية ، كما هي في الدين ، سنة عادة سقط حكمها بذهاب ظروفها ، ونسند ذلك بأقوى الأسانيد القرآنية ، والنبوية ..ولذلك فنحن، ومنذ زمن، لا نضحي كما لم يكن أبو بكر وعمر وأغنياء الأصحاب يضحون ، فيما ترويه الآثار المثبتة في هذا البحث.. ولو كان دافع الناس للضحية دافعاً دينياً لما احتفلوا بها ، وهي المرحلية ، وأهملوا السنن النبوية الأساسية في الخلق ، وفي قيام الليل ، وفي تفقد المحتاجين ، والبذل لهم ، وذلك مما يدل على انتهاء وقت الضحية كقربة دينية ، بعد أن أصبحت مظهراً اجتماعياً يحرص الناس عليه ، وبأساليب تبعدهم عن الدين، وتذهب باستقرارهم الاقتصادي ، والصحي ، مع أن هناك سنناً أساسية تهم المتدينين ، أكثر فأكثر ، ولكنها لا تجد منا الحرص الذي تجده الضحية كعادة اجتماعية..فالضحية ساقطة في حق هذه الأمة ، وسقوطها اليوم ، في حقها ، أكثر (وجوباً) من أي وقت مضى ..

ما هي سنة العادة ؟؟

سنة العادة هي ما كان يفعله الرسول ، صلى الله عليه وسلم ،أخذا بالعادة السائدة في ذلك المجتمع ، والتي إنما تتعلق بظاهر الحياة ، كالأكل ، واللبس والمركب ، ومما يمثل التطور التاريخي لذلك المجتمع ، ولا يتعلق بجوهر العبادة ، أو المعاملة ، ولا يتعارض مع غرض من أغراض الدين ، في ذلك الوقت .. ولقد كان أخذه ، بمثل هذه العادة إنما هو من تمام تنزل الرسالة إلى أرض الواقع المعاش ، حيث تقتضي الحكمة ألا تصادم الرسالة العرف ، وإنما تعايشه ، وتهذبه وتتسامى به. قال تعالى لرسوله الكريم: (خذ العفو ، وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ..) ، وذلك تدريجاً للناس ، ورحمة بهم ودفعاً للمشقة والعنت عنهم .. قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رءوف رحيم) .. ومن هذه الحكمة أن سنة العادة ليست سنة باقية ، وإنما هي رهينة بالظروف التاريخية المؤقتة ، فهي تتطور ، وتتغير حسب ما يجد من تطور المجتمع البشري ، والفرد البشري .. ومن سنة العادة كانت اللحية ، والعمامة والعصا ، والضحية ..
أما سنة العبادة ، تمييزاً لها عن سنة العادة ، فإنما هي السنة الباقية ، الواجبة الاتباع ، لأنها تقوم على أصول القرآن الثابتة ، وتمثل عمل النبي الكريم ، في خاصة نفسه والدال على معرفته بربه ، وعبوديته له. هذه هي السنة التي نعنيها حيثما تحدثنا عن السنة ، وذلك كالصلوات الخمس ، وصلاة القيام في الثلث الأخير من الليل ، وكالزكاة النبوية في إنفاق ما زاد عن الحاجة الحاضرة .. وهذه السنة هي معاملة النبي لربه ، وهي تثمر معاملة النبي للخلق ، وهي تقوم ابتداء على كف الأذى عن الناس ، ثم تحمل الأذى منهم ، ثم توصيل الخير إليهم. وهذه هي السنة المعنية بقول النبي الكريم: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً ، كما بدأ فطوبى للغرباء!! قالوا من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها !!) ..والضحية سنة من سنن العادة التي فعلها الرسول الكريم ، ولكنها ، حتى كسنة عادة ، أقل سنن العادة تأكيداً فقد أسقطها عن أفراد أمته ، لقيامه بها عنهم فلم يلتزمها أكابر أصحابه ، وسائرهم كما سنرى في هذا الفصل.

جذور الضحية وتطورها:

هاهو الأستاذ محمود محمد طه يتحدث عن طور من أطوار (الضحية) حينما كان الفرد البشري هو نفسه (الضحية)!! ثم عن طور آخر منها حينما فدى الإنسان بالحيوان ، فصار الحيوان هو (الضحية) .. مشيراً بذلك ، إلى طور جديد فيه تسقط حتى (الضحية) بالحيوان ، فيتم ، بالعلم ، فداء الفرد البشري وفداء الحيوان معاً !! يقول الأستاذ محمود في كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) صفحة 29: (ولما كان الفرد البشري الأول غليظ الطبع، قاسي القلب، بليد الحس، حيواني النزعة، فقد احتاج إلى عنف عنيف لترويضه ، ونقله من الاستيحاش إلى الاستئناس ، وكذلك كان العرف الاجتماعي الأول شديدا عنيفا ، يفرض الموت عقوبة على أيسر المخالقات بل أنه يفرض على الأفراد الصالحين أن يضعوا حياتهم دائماً في خدمة مجتمعهم ، فقد كانت الضحية البشرية معروفة تذبح على مذابح معابد الجماعة استجلاباً لرضا الآلهة ، أو دفعاً لغضبها حين يظن بها الغضب ، ولقد كانت هذه الشريعة العنيفة ، في دحض حرية الفرد في سبيل مصلحة الجماعة ، معروفة ، ومعمولاً بها إلى وقت قريب ، ففي زمن أبي الأنبياء إبراهيم الخليل ، وهو قد عاش قبل ميلاد المسيح بحوالي ألفي سنة ، كانت هذه الشريعة لا تزال مقبولة ديناً وعقلاً ، فإنه هو نفسه قد أمر بذبح ابنه إسماعيل ، فأقبل على تنفيذ الأمر غير هياب ولا متردد ، فأذن الله ، يومئذ ، بنسخها فنسخت ، وفدي البشر بحيوانية أغلظ من حيوانيته ، وكان هذا إعلاماً بأن ارتفاع البشر درجة فوق درجة الحيوان قد اشرف على غايته .. ولقد قص الله علينا من أمر إبراهيم وإسماعيل فقال (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهديني * رب هب لي من الصالحين * فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام إني أذبحك ، فانظر ماذا ترى ، قال يا أبت أفعل ما تؤمر ، ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا أنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم).. (وتركنا عليه في الآخرين) تعني ، فيما تعني ، إبطال شريعة العنف بالفرد البشري ، لأنها لبثت حقباً سحيقة ، وقد تم انتفاعه بها فارتفع من وهدة الحيوانية ، وأصبح خليقاً أن يفتدى بما هو دونه من بهيمة الأنعام.. ولا عبرة ببعض صور العنف التي لا يزال يتعرض لها الأفراد في المجتمعات البشرية المعاصرة ، فأنها آيلة إلى الزوال كلما أتيحت لها فرص الوعي والرشد. فإن التضحية الحسية بالفرد البشري لم تنته بجرة قلم على عهد إبراهيم الخليل ، والتاريخ يخبرنا أن المسلمين ، لدى فتح مصر قد وجدوها تمارس في صورة عروس النيل ، فأنه قد قيل أن عمرو بن العاص فاتح مصر وأميرها يومئذ ، قد انتبه ذات يوم على جلبة عظيمة ، فسأل عنها ، فأخبر أن القوم قد جرى عرفهم بأن يتخيروا بنتاً ، من أجمل الفتيات ، ومن أعرق الأسر ، يزفونها كل عام إلى النيل ، يلقونها في أحضانه فداء لقومها من القحط ، لأنها تغري النيل بأن يفيض عليهم باليمن والبركات ، فطلب إليهم عمرو بن العاص أن يستأنوا بها ، حتى يستأمر عمر بن الخطاب إليهم في ذلك فكتب إلى عمر ، فرد بجوابه المشهور الذي قال فيه:
(بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله عمر بن الخطاب ، أمير المؤمنين ، إلى نيل مصر.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أما بعد ، فإن كنت تفيض من عندك فلا تفض وإن كنت إنما تفيض من عند الله ففض. وأمر عمرو بن العاص أن يلقيه في النيل ، ففعل ، وفاض النيل ، وأبطلت من يومئذ تلك العادة ، وتم بالعلم فداء جديد للفرد البشري).

فداء الإنسان بالعلم:

هذا ما جاء في كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) عن فداء الإنسان بالحيوان .. وقد أشار هذا الكتاب أيضاً ، إلى فداء الإنسان بالعلم حينما تحدث عن بني إسرائيل فيما تحكيه الآية (وإذ قال موسى لقومه يا قومي إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ، فتوبوا إلى بارئكم ، فاقتلوا أنفسكم ، ذلكم خير لكم عند بارئكم ، فتاب عليكم ، إنه هو التواب الرحيم) فقال الكتاب (وفرض عليهم ، في التوبة أن يقتلوا أنفسهم ، قتلاً حسياً وهو بسبيل مما تحدثنا عنه في أمر التضحية بالفرد البشري على مذابح العبادة في أول النشأة) ومضى الكتاب ليقول (ولما تقدم الفرد البشري هونا ما ، وأصبح لا يحتاج كل ذلك التشديد ليتربى خفف عنه) ، وتحدث الكتاب عن هذا التخفيف حين جاء التشريع في حق الأمة المحمدية: (ونهي عن قتل النفس التي أصبحت تستجيب بأقل من هذا العنف فقال (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) وهو إنما كان في شريعته بنا رحيماً لأننا أصبحنا رحماء “كما تدين تدان”) (الرسالة الثانية من الإسلام) صفحة 44 و45.
وقد أكد النبي الكريم أن حكمة الضحية بالحيوان قد أشرفت ، هي أيضاً على غايتها ، فضحى ، هو ببهيمة الأنعام ففدى بها أمته .. ضحى بها ختماً لسنة أبيه إبراهيم ، في الفداء بالحيوان ، وافتتاحاً للعهد الذي تنتهي فيه عادة القربان الحيواني. فإنه لما سأله أصحابه: ما هذه الأضاحي ؟؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم!! (سنن ابن ماجة ، الجزء الثاني ، صفحة 26 ، وتفسير ابن كثير لسورة الحج ، الجزء الرابع ، صفحة 641).

الضحايا والهدايا في الجاهلية:

وعن عادة القربان بالضحايا والهدايا في الجاهلية يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى ، من سورة الحج (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ، ولكن يناله التقوى منكم ، كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم ، وبشر المحسنين) .. وعلى هذه الآية: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها ، فإنه الخالق الرزاق لا يناله شيء من لحومها ، ولا دماؤها ، فإنه تعالى هو الغني عما سواه ، وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم ونضحوا عليها من دمائها ، فقال تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي ابن الحسين ، حدثنا محمد بن أبي حماد ، حدثنا إبراهيم بن مختار عن ابي جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودماؤها ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فنحن أحق أن ننضح) فأنزل الله (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) أي يتقبل ذلك ويجزي عليه). انتهى تفسير ابن كثير.
وهكذا فإن الضحايا والهدايا كانت عادة اجتماعية سائدة ، قبل الإسلام ، ولكنها قرابين للآلهة ، يذكرون عليها أسماءها ولا يأكلون لحومها فلما جاء الإسلام أبقى على هذه العادة لارتباطها بالتطور التاريخي لذلك المجتمع ، ولكنه جعلها قربة لله بدلاً عن الآلهة وجعل ما يذكر عليها هو اسم الله ، بدلاً عن أسماء الآلهة ، ومنع نضح دمائها ولحومها عل الكعبة وأباح أكل لحومها .. قال تعالى: (والبدن جعلها من شعائر الله ، لكم فيها خير ، فاذكروا اسم الله عليها صواف ، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها ، وأطعموا القانع والمعتر ، كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون) ..(فالبدن) ، وهي إبل الهدي الذي يسوقه الحاج معه ليذبحه بعد أداء مناسكه ، ويهديه للكعبة ، كان للمسلمين فيها خير ، (لكم فيها خير) وهو الانتفاع بلحومها كما وجهت لذكر الله ، وشكره .. جاء في تفسير ابن كثير الجزء الرابع ، صفحة 632: (“فكلوا منها” قال كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين).
ويقول كتاب (مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول) لأحمد إبراهيم الشريف ، صفحة 182 – 183 عن اصل عادة (الهدي) قبل الإسلام ، وعن دخولها عهد الإسلام (ومضامين الآيات وأساليبها تلهم بقوة وصراحة أنها كانت تقاليد العرب قبل البعثة وقد أقرها الإسلام لما فيها من فوائد عظيمة في ظروف الحج وفي بيئة قبل البعثة وبعدها ، وكان العرب يحيطون هذا التقليد بالعناية والحرمة بل التقديس والرهبة حتى يترك الحاج هديه سائما فلا يتعرض له أحد بسوء لأن التعرض له إنما هو التعرض لمال الله تقرباً إلى الله رب البيت وقد أبطل الإسلام هذه العادة ونبه إلى أن الله لن يناله شيء من لحومها ولا دماؤها ولكن الذي يريده من الناس هو التقوى والإخلاص ، وكانوا يأثمون من أكل لحوم هديهم ويتركونها للفقراء والمساكين والسباع والجوارح فأباح الإسلام لأصحاب الهدي إن شاءوا أن يأكلوا منه وأن يطعموا البائس الفقير والقانع والمقتر أي المحتاجين سألوا أو لم يسألوا ، كما كانوا يذبحون الهدي عند الأوثان والأنصاب في فناء الكعبة ويذكرونها في أثناء الذبح فنهى القرآن عن هذا وأوجب ذكر الله وحده عند الذبح) انتهى.
فالهدي والضحية كفداء ، إنما كان عادة اجتماعية سائدة قبل الإسلام وقد دخلت عهد الإسلام بعد تهذيبها وسنرى فيما يلي كيف ضحى النبي الكريم عن أمته فأسقط عنها وجوبها.