عادل العفيف مختار يجدر بنا في البدء أن نشرح لجيل اليوم معني كلمة طرادة، وهي عملة ورقية بقيمة  25 قرش أي ريالان ونصف. وهي بقيمة ذلك الزمان مبلغ مالي محترم.

هذه قصة واقعية  جرت أحداثها في ثمانينات القرن المنصرم ، بطلها  أحد ظرفاء مدينة الحوش في جنوب الجزيرة، وقد كان الظريف هذا له هواية تربية الخراف، وكان يذهب بنفسه لرعايتها حاملاً معه سجادة لزوم الجلوس عليها ومعه مستلزمات ذك الجلوس من  شيشة ومياه. ذهبت أنا وصديقي كي نستمتع بالأجواء الخريفية ومنظر الخضرة  التي تملاء تلك المنطقة في موسم الامطار. وجدنا صديقنا صاحب الخراف جالساً القرفصاء، فدعانا للجلوس معه،وفي أثناء الجلوس وتبادل الأحاديث لاحظت أن خرافه ترعي بكامل الحرية في أحد الحقول المزروعة ، وتتلف الزرع ، وكان صاحب الحقل معروفاً لدينا يعمل في السوق. وحرصاً منه علي حقله، إستأجر أحدهم باعتباره القوي الأمين كي يعمل ناطوراً في الحقل، والحق يقال فقد كان هذا الناطور يقوم بعمله خير قيام، لاحظت أنه يطرد الأغنام والسابلة من الآنام حتي قبل إقترابها من الحقل ، وكان يعمل بطريقة تأمين أكبر مساحة من المزرعة بحيث أنه كان يجبر الراكب علي دابته بالإبتعاد عن الحقل بمجرد أن يري إنحرافاً في سير الدابة نحو الحقل.

     مقابل هذا العمل الأمني الدقيق  كان يتقاضي مبلغ عشرة قروش  أي واحد ريال بلغة تلك الحقبة الزمنية.ولكن لاحظت انه لم يقترب إطلاقاً من الخراف التي تتلف الزرع، ويجلس صاحبها علي مقربة من الحقل ونحن معه. فسألت سؤالاً مباشراً لصاحب الخراف، لماذا هذا الناطور يحرص علي ابعاد كل الدواب والأغنام بعصاه التي يهش بها، ويترك خرافك تستمتع بأكل زرع الحقل؟ أجاب سريعاً ودون تفكير قائلاً” هذا ضارب الطرادة”، فقد أعطاه صاحب الخراف ضعف ما أعطاه صاحب الحقل. لهذا صمت صمت الحملان التي تتلف الحقل ، وأصابته الطرادة بالعمي والخرس، فصار لا يري  إلا خراف ودواب الأخرين.  وإذا نام الناطور عمدا عاث الثعلب في العنب.  لم ينم ناطور الحقل عن ثعالبه، لكنه نام عن نعاجه وافقدته الطرادة رؤية نعاج صاحبنا. وقد صارت هذه العبارة التي أطلقها صاحب الخراف “ضارب الطرادة” طرفة طالما أسمعني إياها صديقي الأستاذ محمد حمدي  الذي إستجار بديار الفرنسيس، فكلما رأينا معارضاً  أغمض النظر عن الوضع الذي كان يعارضه بشراسة، وأحني رأسه وظهره، وصمت عن الحق، نصفه بعبارة ” الراجل ضارب الطرادة”

    والطرادة بلغة اليوم تحولت إلي مساكن فاخرة وفلل وسيارات وإمتيازات ومخصصات ومنصب وزاري.بالأمس القريب ضرب الطرادة أحد الذين كانوا من المعارضين الأشاوس لنظام الإنقاذ، إنه الوزير حاليا حسن إسماعيل وزير الحكم المحلي، والحق أنني كنت متابع له في بعض الحلقات التلفزيونية، وكنت معجب بقوة حجته وسلامة منطقه، وشجاعته في تعرية نظام متهالك يحتاج فقط لمن يدفع بمنساته حتي يصير في حكم العدم. لكن قاتل الله الفقر والحاجة، فما أن تسلم الرجل منصبه حتي تنكر لماضيه النضالي، فقد ذكر الرجل لأحدي الصحف مجيباً عن سؤال هل سوف يستمر في نقده اللاذع للحكومة بعد توليه الوزارة، فأجاب قائلاً كيف إنتقد نفسي، فضارب الطرادة يقر بأنه صار جزاء لا يتجزاء من حزب المؤتمر الوطني، الحزب الذي لا يتواني أهله في إنتقاده، لا يجرؤ أصحاب القلوب المؤلفة أن ينتقدوه، بعد أن أعميت عيونهم فجأة وأصيبوا بداء الخرس، بعد أن كانت أصواتهم تسمع من به صمم، وذلك داء أعيي المداويا. وما أن تسلم الوزير مهام منصبه الجديد، حتي إتضح أن هناك أمر قبض صادر من الشرطة في مبلغ مالي كبير، لا أدري ماذا حدث في أمر القبض ، ولكني متأكد من أن الأمر قد تمت تسويته بعد ضرب الطرادة.

 

عادل العفيف مختار

محاضر بالرياض