د. محمد محمد الأمين عبد الرازق لقد أوردنا في مستهل هذا البحث، إشارة الأستاذ محمود إلى القيمة السلوكية، التي تؤخذ من زيارة حدائق الحيوان التي افتقدناها في بلادنا.. 

.. فالحدائق لم تنشأ للتسلية وتزجية الفراغ، كما يتبادر إلى أذهان البعض، وليس هناك أي مقارنة من ناحية القيمة التربوية، بين جنينة الحيوانات السابقة بالخرطوم ـ التسمية التي تحلو للسودانيين ـ وبين الفندق الذي أقيم في مكانها!!
في الزيارة المشار إليها في الحلقة الأولى، توقف الأستاذ محمود عند مجموعة من الأطفال يلاعبون قردا، بأن وضعوا أصبع موز بين قضبان السور أمام القرد، لكن على مسافة لن تمكنه، من التقاطها.. فتحرك القرد بشره وحرص، محاولا التقاط القطعة لكنه لم ينجح في مبتغاه، فنزل بسرعة إلى الأرض ليأخذ فرع شجرة صغير، ثم صعد وأخذ يحرك القطعة شيئا فشيئا إلى تمكن من التقاطها، وسط صفقة وابتهاج من جانب جمهور الأطفال المراقب..
علق الأستاذ محمود على هذا المشهد بقوله: هذا دليل على أن الآلة استخدمت قبل آدم أبي البشر!! والبشر بذكائهم الزائد، فيما بعد، طوروا استخدام الآلة في الحروب.. فالعنف وثيق الصلة بالحيوان الرابض في داخلنا، ومقاصد الدين يمكن إجمالها في أنه يرمي إلى تهذيب أخلاقنا لنكون إنسانيين، وذلك بالمنهاج النبوي، وبعبارة أخرى ترويض الحيوان ليكون إنسان.. والنبي الكريم في شخصه، لم يمارس العنف قط طيلة حياته، أكثر من ذلك لم يكن يرد المعتدي، وما ذاك إلا لأنه هذب نفسه وصار إنسانا كاملا.. والإنسانية مرحلة أمامنا، تأتي تطورا عن مرحلة البشر الحاضرة، وعليه يمكن القول إن مرحلة الحيوان إنما هي مساحة تشمل الحيوان الأعجم كما تشمل البشر الذين يتخذون العنف وسيلة أساسية لحل المشاكل!! وستليها مرحلة الإنسانية في المستقبل.. ومن أجل ذلك أهدى الأستاذ محمود جميع كتبه الأساسية إما إلى “الإنسانية” أو إلى !!الإنسان

الرسول الكريم يضحي عن أمته:


وفدى الرسول صلى الله عليه وسلم أمته بأن ضحى عنها ، فأسقط الضحية عن كافتها!! جاء في تفسير ابن كثير الجزء الرابع صفحة 642 (عن علي بن الحسين عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين ، فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ، ثم يقول: (اللهم هذا عن أمتي جميعاً: من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ) ثم يأتي بالآخر فيذبحه بنفسه ثم يقول: (هذا عن محمد وآل محمد) فيطعمهما جميعاً للمساكين ، ويأكل هو وأهله منهما. رواه أحمد ، وابن ماجة..) ثم يمضي ابن كثير فيقول ، في صفحة 646: (وقد تقدم أنه عليه السلام ضحى عن أمته فأسقط ذلك وجوبها عنهم) .. فالنبي الكريم بضحيته عنه وعن آل بيته ، وعن أمته إنما فعل سنة أبيه إبراهيم ولكنه لم يستن الضحية ابتداء .. فعل سنة إبراهيم فاختتمها ، وفدى أمته عنها وافتتح عهداً جديداً للتقرب إلى الله بالعلم ، وفدى أمته بالفكر ، لا بالحيوان ، وهو وفي نفس الوقت ، إنما جارى عادة سائدة ، فهذبها وتسامى بها ، وفتح الطريق إلى ما هو خير منها ..
ونسوق فيما يلي أدلة أخرى على إسقاط الرسول الكريم للضحية عن أمته.
1-
جاء في “سبل السلام” الجز الرابع ، صفحة91 : (وقد أخرج مسلم وغيره من حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: (إذا دخلت العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره شيئاً) قال الشافعي: إن قوله (فإذا أراد أحدكم) يدل على عدم الوجوب) ، وفي (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) ، الجزء الأول صفحة 464 مثل هذه الرواية ومثل هذا التعقيب.
2-
وتدل الروايات على أن النحر قد كتب على الرسول الكريم ، ولم يكتب على أمته ، قياماً عنها بسنة هذه العادة الموروثة ، وفداء لها بإسقاطها عنها .. فقد أورد (سبل السلام) في نفس الصفحة السابقة: (ولما أخرجه البيهقي أيضاً من حديث ابن عباس قال: ثلاث هن على فرض ولكم تطوع وعد منها الضحية. أخرجه أيضاً عن طريق آخر بلفظ: (كتب علي النحر ، ولم يكتب عليكم) .. فالنبي الكريم ضحى إسقاطاً لوجوبها على أمته ، وضحى أصحابه تطوعاً ، لا وجوباً ، وكبارهم ، وعلماؤهم وأثرياؤهم تركوها فلم يضحوا ، عملاً بحكم إسقاطها ، كما سنرى بعد قليل).
3-
وجاء في (سبل الإسلام) صفحة 96: (واخرج البيهقي من حديث عمرو بن العاص أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل سأله عن الضحية وأنه قد لا يجدها فقال: (قلم أظافرك ، وقص شاربك ، واحلق عانتك ، فذلك تمام أضحيتك عند الله عز وجل !! – ورواه أبو داوود في (سنن أبي داوود) الجزء الثالث صفحة 93. وفي هذا الحديث إشارة لطيفة إلى استبدال الضحية بالحيوان بعمل يتجه إلى تهذيب بقايا الموروث الحيواني في البشر أنفسهم وهي الشعر والأظافر ، مما يفتح الطريق أمام قيمة جديدة هي أن يفدي الإنسان نفسه ، بتهذيب نفسه ، لا بكائن خارجه إنساناً كان أو حيواناًََ!!

الصحابة لا يضحون!!


جاء في تفسير ابن كثير الجزء الرابع صفحة 646 (وقال أبو سريحة كنت جاراً لأبي بكر وعمر وكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما) وجاء في سبل الإسلام الجزء الرابع ص 91: (وأفعال الصحابة دالة على عدم الإيجاب – إيجاب الضحية – فأخرج البيهقي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما كانا لا يضحيان خشية أن يقتدى بهما) وجاء في (الاعتصام) للشاطبي الجزء الثامن صفحة 91 (وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يضحون – يعني أنهم لا يلتزمون).
وهكذا .. ولو لم تسقط الضحية عن الأمة لكان الأصحاب ، وعلى رأسهم الشيخان أولى الناس بأدائها .. وأبو بكر هو من عرف بتحري الاتباع والتجافي عن الابتداع وقد أورد عنه كتاب (الاعتصام) للشاطبي في صفحة 55: (وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: لست تاركا شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به ، أني أخشى أن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ)!!
واليكم طائفة أخرى من الصحابة أدركت سقوط الضحية عنها ، فلم تضح ، بل ذهبت شتى المذاهب في تأكيد هذا السقوط: فقد أورد (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) الجزء الأول صفحة 464: (قال عكرمة: بعثني ابن عباس بدرهمين أشتري بهما لحماً وقال: من لقيت فقل له: هذه أضحية ابن عباس !! وروي عن بلال أنه ضحى بديك!!). وذكر (سبل السلام) الجزء الرابع صفحة 91: (وأخرج عن ابن عباس أنه إذا حضر الأضحى أعطى مولي له درهمين فقال: اشتريهما لحماً ، وأخبر الناس أنه ضحى ابن عباس ، وروي أن بلال ضحى بديك ومثله روي عن أبي هريرة والروايات عن الصحابة في هذا المعنى كثيرة ..) وروي (الشاطبي) في (الاعتصام) نفس الرواية في نفس الموضوع السابق كما روي عن بلال قوله: (لا أبالي أن أضحي بكبشين أو بديك) .. وهكذا فإن (ضحية) ابن عباس اللحم و(ضحية) بلال بالديك إنما هي إمعاناً منهما في تأكيد سقوط الضحية .. وقد ذهب ابن عباس إلى أكثر من ذلك فيما يرويه (الاعتصام) صفحة 91: (وقال طاقوس: ما رأيت بيتاً أكثر لحماً وخبزاً وعلماً من بيت ابن عباس يذبح وينحر كل يوم ثم لا يذبح يوم العيد!!).. أما عبد الله بن مسعود فلم يدع قط حجة ليحتج بوجوبها لا على المعوزين ولا على الموسرين !! فقد روي (الشاطبي) في (الاعتصام) الجزء الثاني صفحة 91: (وقال ابن مسعود: إني لأترك ضحيتي وإني لمن أيسركم مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة)!!.
وبعد فهل عسانا نحتاج بعد قول النبي الكريم ، وأقوال صحابته ، وأفعالهم إلى دليل نقلي آخر لسقوط الضحية في حق الأمة؟؟ أم هل عسى من يعدل عن هذه الواضحة أن يكون أكثر حرصاً على الاتباع من أبي بكر وعمر وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وبلال ، وسائر الصحابة؟؟

ضعف أدلة وجوب الضحية:


وأدلة وجوب الضحية ضعيفة في حد ذاتها .. فقد ذكر (سبل السلام) الجزء الرابع صفحة91 حديث (من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا) ، وحديث (على أهل كل بيت في كل عام ضحية) وآية (فصل لربك وأنحر) ، وقال: (والحديث الأول موقوف فلا حجة فيه والثاني ضعف بأبي رملة قال الخطابي: إنه مجهول والآية محتملة فقد فسر قوله – وأنحر – بوضع الكف على النحر في الصلاة ، أخرجه ابن أبي حاتم وابن أبي شاهين في سننه ، وابن مردوبة ، والبيهقي عن ابن عباس وفيه روايات من الصحابة مثل ذلك ولو سلم فهي دالة على أن النحر بعد الصلاة في تعيين لوقته لا لوجوبه) انتهى وقد ذكر (تنوير المقباس في تفسير ابن عباس) هذا التفسير للآية أيضاً ..
وجاء في تفسير ابن كثير الجزء الرابع ، صفحة 646 حول حديث (من وجد سعة فلم يضح فلا يقرب مصلانا): (على أن فيه غرابة واستنكره أحمد بن حنبل) ، وتعليقاً على هذا الحديث جاء في (سنن ابن ماجة) الجزء الثاني صفحة 26: (وقد ضعفه أبو داوود والنسائي …) . ووجه الصحة في الأمر أن الضحية كانت تؤدى أحيانا من بعض الأصحاب تطوعاً ، ولا عبرة إطلاقاً ، برأي بعض الفقهاء بوجوب الضحية حتى ولو بالاضطرار إلى استدانة ثمنها (الفقه على المذاهب الأربعة صفحة 715) فإنه قوله بالرأي يتناقص مع روح الدين وحكمة مشروعية أحكامه ونصوصه !! ويروي بعض الفقهاء وجوبها على الموسرين فحسب .. جاء في تفسير ابن كثير في نفس الموضع السابق: (وقد ذهب أبو حنيفة ومالك الثوري إلى القول بوجوب الضحية على من ملك نصاباً) ثم أورد الرأي الآخر: (وقال الشافعي وأحمد: لا تجب الأضحية بل هي مستحبة كما جاء في الحديث “ليس في المال حق سوى الزكاة”). فالقول بعدم وجوبها على الموسرين ، والفقراء على السواء إنما يتمشى مع روح الآثار القرآنية والنبوية وأقوال وأفعال الصحابة .. أكثر من ذلك!! فلا معنى حتى لأن يقال أنها مستحبة في حق الموسرين.. وقد حسم أكابر الصحابة ومنهم الموسرين سقوطها عنهم ، حسماً جازماً لا لبس فيه ولا شبهة .. والفقهاء يقولون عن الضحية: (سنة عين مؤكدة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها) – الفقه على المذاهب الأربعة الجزء الأول صفحة 715 .. وذلك أخذا بما كان عليه الأمر أيام مرحليتها كعمل تطوعي من الأصحاب ، ولكن هذا التعريف قاصر تماماً عن مبلغ الأمر ، فقد حسم الصحابة مرحليتها بسقوطها عنهم قولاً وفعلاُ بصورة نهائية ..

العودة بالضحية إلى أصلها:


إن الضحية في حقيقتها وأصلها هي فداء الكامل بالناقص ومن ثم فدى الإنسان بالحيوان (وفديناه بذبح عظيم) والمطلوب أساساً هو مواجهة النقص داخل الإنسان والذي قد يبلغ أن يضحي الفرد بنفسه تقرباً وفدية أو أن ضحى به فدية للآخرين قال تعالى: (توبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) وقال (إني أرى في المنام إني أذبحك) ولكن بتقدم العلم والمعرفة الدينية كما سبق أن وضحنا فدى الإنسان بالحيوان ولكن التقرب بذبح الحيوان وبكل القربات إنما هو لتهذيب النفس وهو تهذيب يبدأ من خارج النفس ثم يدق وينسحب إلى داخل النفس ومطاردة النقص في أغوارها والآن فإن حاجتنا للسلام هي حاجة حياة أو موت والسلام لا يتحقق في الأرض إلا إذا تحقق في النفس الإنسانية ولن تحقق النفس السلام الداخلي وهي تنطوي على نقصها ومن ثم فإن الضحية الآن ترجع إلى أصلها وحقيقتها ، وهي قتل النقص في الإنسان ولما كانت النهاية تشبه البداية ، ولا تشبهها ، فإن القتل الآن هو القتل المعنوي بالفكر القوي ، الدقيق الذي به نتخلص من نقائصنا ولذلك فإن الوقت الآن هو وقت الجهاد الكبر ، جهاد النفس .. فالمطلوب اليوم ليس التقرب إلى الله بقتل الكافر ، أو ذبح الحيوان وإنما المطلوب قتل النفس السفلي في كل فرد منا استجابة للأمر النبوي (موتوا قبل أن تموتوا) وهذا ما سنفصل طرفاً منه فيما يقبل من هذا الفصل.
لقد اسقط الرسول الكريم الضحية عن أمته! ووعي الصحابة ذلك ، والتزموه ، إيذاناً بنهاية عهد القربة إلى الله ، والفداء بالحيوان ، وافتتاحاً لعهد القربة ، والفداء ، بالفكر !! الفكر المروض بالعبادة ، المؤدب بأدب الدين ، المتخلص من هوى النفس ، وهو الفكر المستقيم ، ولقد كان جوهر السنة النبوية هو الفكر المستقيم حتى يمكن أن نعرف السنة بأنها الفكر!! قال الأستاذ محمود محمد طه في كتاب (طريق محمد) (وقد كانت حياة النبي الكريم كلها خيراً ، وحضوراً ، وفكراً ، وتجديداً ، لا عادة فيها ، كذلك كانت عاداته ، في الفكر عبادة ، ووزناً بالقسط .. فقد كان يقدم الميامن على المياسر ، ويحب التيامن ، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً ، وكان في جميع مضطربه على ذكر ، وفكر ، فهو لا يقوم ، ولا يجلس ، إلا على فكر ، وكذلك كان من ثمرات صلاته ، وفكره ، وذكره في جميع حالاته ، حلاوة شمائله التي حببته إلى النفوس ووضعته مكان القدوة) انتهى.. والنبي الكريم هو القائل (تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة) ذلك بأن الفكر المستقيم جماع تكاليف الإسلام ، فما أنزل القرآن ، وما شرعت الشرائع وما عزمت العزائم إلا لإنجاب الفكر المستقيم ، قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ، ولعلهم يتفكرون).
والكرامة البشرية لن تتحقق ، في قمتها ، إلا إذا صحح الفرد البشري حاله ، وطور قدرته من داخله عن طريق فكره ، لا بوسيلة خارجية عنه ، كالحيوان ، يفدي بها نفسه ، أو يتقرب بها إلى الله. ففداء الفرد البشري نفسه بنفسه ، بوسيلة الفكر ، في الاستغفار والشكر ، مثلاً ، هما عملان فكريان في المقام الأول ، إنما هو إيقاظ لهذه القوة الدراكة وتنمية لها لتتحمل مسئوليتها التامة عن تصحيح خطئها والتسامي بحالها .. وفي فداء الفرد البشري نفسه بنفسه عن طريق فكره فداء للحيوان من أن يتخذ وسيلة تقرب أو تفدية توسيع ، بذلك لقاعدة الحياة وتسام بالعلاقة مع كل الأحياء والأشياء.
أيها المسلمون: أعرفوا السنة النبوية الحقيقية ، والتزموها واتركوا القشور التي أنتم عليها ، فالوقت وقت إحياء سنة ، والضحية كانت سنة عادة مرحلية انقضى عهدها وقد سقطت في حق الأمة ، فهي غير واجبة لا على الفقراء ولا على الأغنياء بل الواجب اليوم تركها .. والله المسئول أن يهدينا إلى حقائق ديننا لنمارسها بالوعي ، وبالفكر لا بالعادة ، فإن آفة العبادة نفسها أن تصبح عادة .. وهو تعالى أكرم مسئول وأسرع مجيب..