عبد الله الشيخ الحادي عشر من سبتمبر ، يرتبط في ذاكرتي بدوريش "لم يكتمل نموّه"، أو هكذا كنت أظُنّ ..! ذلك الدرويش الذي عاش في منحنى النيل،تنبأ بالحدث، ورمى لي الخيط  باشارته الصريحة، فظنته يهذي، رغم ما  كنت أرى من "كراماته" المؤكدّة، إذ لم يكن، رغم سمته الديني على وفاق مع "هؤلاء"..!

 كان عبد المولى، استاذ التربية الاسلامية في المدارس الثانوية، ازهرياً دون قفطان، لم يصعد أبداً على سلالم الادارة في وزراة التربية، و ظلّ على حاله مذ  جاء من الروّاق ، يقذفه مكتب التعليم، كيفما اتّفق، نحو  مدارس الشِّدة، حيث كانت في اقاصي البلاد.. أرى “مُولا”، وهذا هو لقبه، كثير السفر مع خط الافق..كنت التقيه كثيراً عند أطراف البيوت، وعلى غير موعد، في الزوايا في سوق   اللّاوريه..طاف الخرابات و السّرَحات، أسفل النهر وعاليه، وظّل حتى رحيله قبل سنوات،  لُغزاً عميقاً ، لم يكن يعبأ بحضوره أو غيابه أحد..

قبل ضربة الحادي عشر من سبتمبر، بثلاثة أيام ،،تحديداً في يوم 9/9 ، د خل علينا “مُولا” ميز المعلّمين بالغابة ، ونحن شلّة من عُشّاق  تربيزة “الويست”، لا يلهينا عنها سوى إذاعة إذاعة الجيش الشعبي لتحرير السودان، التي كانت تندد،  كل عصر، بما حدث. كان يستمع معنا إلى خبريات ياسر عرمان، وتقارير دين حجر، من مسارح العمليات، فأقرا من تعابير وجهه  أنه لا يحب اصحاب الدِّقينات، لكنّه على أية حال، يتجنّب الخوض في تلك التفاصيل..!  حتى تلك اللحظة، التي دخل فيها علينا، كنت أرى فيه مشروع دوريش لم يكتمل، وأنه يحمل الكثير من ملامح شيخنا “الحِنيِّن” ، وأنّه ــ لولا خطفة الوقت ــ لقلت أنه آخر بيرق من بيارق أولياء دبّة الفُقرا…. شخص بهذا السكون، وبتلك التجربة غير المُعترف بها ، كان يحتاج مني الى “دردقته” في الكلام..!

 كنت أُحدّثه كثيراً بقواعد الأذهريين في تلفيق الكلام وتدبيج عناصر النحو، فأقول له أمام الزملاء ، على طريقة محامي الضّحية، في “الأولد بيلي”: إن هذا الرجل  يا سادتي، ليس إلا جزءاً من هذه العصابة التي افقرت شعبنا، وشوّهت تاريخنا و لحّقتنا أُمّات طه “..!

 كان يستجيب مرّة بالنفي، ومرّة يدافع عن فاطميته الازهرية، وكثيراً ما يصفح .. أما هذه المرّة ، فقد جاء وكأنه يريد أن يقول شيئاً..ما أن رأيته حتى قلت لهم بأن “هذا الرجل  ماهو إلا جزء من تلك التركيبة  العجيبة، التي حذّرنا منها، شيخنا  الطيِّب صالح، راجل كرمكول، الذي قال بأن ناس الدقون والسِّبح ديل ، ما يجيك منهم إلا …….”..! قبل أن انهي مرافعتي ،كان “مولا”  يقفز، كانّه شاب في الثلاثين، ويقول بثقة:”إنتو قاعدين تتكلّموا ساكت، ونحن أولادنا دخلوا عشان يضربوها  امريكا في  قلبها،، في عقر دارها”..!

تضاحكنا ،كما يجب أن نضحك، وانغمسنا في “الويست”،إذ لم تكن لنا حوجة في تلك “الشمهروشيات”، فيكفينا ما نحن فيه من تنطّع الكيزان، باسم الرّوح القُدُس..!

 بعد يومين ، وقع الخبطة، فتسمرنا أمام شاشات التي كانت تنقل مباشرة، انهيار  برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.. نسينا “مُولا” في غمرة التحليلات، بأن الحادي عشر من سبتمبر، ستكون له آثاره الشّاحبة ،على سوداننا ، وعلى الشرق الاوسط، و العالم  بأسره.. نسينا  ذلك الازهري الدرويش، لكنّه داهمنا ونحن مشدوهون أمام التلفاز..أخذ يعرِضْ  بيننا ويقول: “ما قلت ليكم إنّو أولادنا حيضربوا أمريكا”..!؟

 لم يكن “مُولا” يحب المُتنطّعين، فمن حدّثه..؟!

 قطعاً،هذا ليس عصر الكرامات ولا أوان المعجزات، لكن ربما كان “مولا”، رحمة الله عليه، هو آخر صفقة بين رمل الصحراء وهذا النهر العظيم..! ولله في خلقه شئون..!