صلاح شعيب ليس أمامنا إلا بضع سنوات حتى نؤبن الصحافة الورقية. تطول أو تقصر المدة الباقية لا يهم. ولكن الأهم هو أنه قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان، والمجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام.

ففي مناطق كثيرة من العالم أُغلقت صحف، ومجلات، عديدة، ذائعة الصيت. هنا وهناك لم تكن الصحيفة للقراءة فقط، وإنما أثر ثقافي، واجتماعي، وتُعرِف بالمدينة التي تطبع فيها، وهي معلم الاستنارة، ونفوذ التأثير، والكنز الوطني. ولا تكتمل لذة فنجان الصباح إلا بها لجيل ما بعد الاستقلال. وبالأقل كان تصفحها ممارسة لا تقصر شأناً عن رياضة المشي المسائية في تلك المجتمعات المتحضرة. تعبت الصحف في مجاراة الميديا الجديدة، أو أرهقت الفضائيات، ومواقع الإنترنت، خيالات رؤساء التحرير، ومديري الأقسام الصحفية. أو قل أُثقل كاهلُها بالأيديولوجيا تارةً، أو بالوعظ السياسي، والاجتماعي، البارد تارة أخرى. ولكن في كل الأحوال ينبهنا الواقع أن جسد الصحيفة شاخ أمام المد التكنلوجي الكاسح، والذي لا يملك قلبا، أو عاطفة، أو إنزيمات في الدماغ توجد النوستالجيا. والترنح لم يصب الصحف فحسب. بل صار أيضا سمةَ لكبريات شركات توزيعها التي تحاول تجديد شرايينها باكتساب مستهلكين جدد للبيض، والفِشار، و”الكورنوفليكس”. إذن فربما يذوب الاستثمار الصحفي في الكافيار الروسي أيضاً. مثلما ذاب، واندثر، الاستثمار العابر للقارات في اجهزة الفونوغراف التي كانت تسلي الناس موسيقيا.

بعد تطوير يوهان جوتنبيرغ حروف الكتابة عام 1447 بدا الاستثمار في الصحف محصوراً عند مجتمع النبلاء، والإقطاعيين، وطبقات تملك الآلات الصناعية. وورثة هؤلاء تملكوا الواشنطن بوست، والوول إستريت جورنال، والنيويورك تايمز، وهلمجرا. ولكن في العقد الأخير فشل الوارثون في المحافظة على ملاعق الماس التي ولدوا بها. وقد صرح ماردوخ الذي يملك أكبر إمبراطورية في الإعلام العالمي بأن المستثمر في الصحف كمن يملك نهرا من ذهب. ولما ضربت التكنلوجيا الصحف فجأة تبدل الإفصاح. قال مردوخ إن النهر، كذلك، يجف أحيانا. وقد تسابق كبار ملاك الصحف التي غيرت حكومات، وأسهمت في رصد الأوضاع العامة، إلى عرضها في السوق ولكن لا أحد يشتري. فمؤسسة صحفية كان سعرها يعادل في عام 2004 بليونا ونيفا بيعت بخمسين مليون دولارا قبل عام فتأمل. ولعل معظم الصحف العريقة في الولايات المتحدة، وفرنسا، وانجلترا، وألمانيا، عانت الأمرين. ولم يكن هناك أحد يصدق أن “كريستيان ساينس مونيتور” ستتوقف يوما، وأن تبلغ خسارة “اللوموند” الفرنسية مئات الملايين من اليورو. وذلك الكابوس الذي احاط بالمستثمرين في الصحف اضطر عددا من الجامعات والكليات الصحفية العريقة إلى دق ناقوس الخطر. فقد قدمت أوراق أكاديمية حول جدوى تدريس المناهج، والمواد المتعلقة، بالصحافة الورقية، والتي ظلت راسخة لأكثر من قرن. وكذلك أثير الجدل حول دعم هذه الكليات بكورسات جديدة حول الصحافة الإليكترونية التي غدت ظاهرة العصر، لسعتها اللا محدودة، وأرشفتها المتاحة للقراء، والباحثين، بقدر لم يتوافر تاريخيا، وعمليا، للصحافة الورقية التي تحترق أخبارها، وبعض صفحاتها عند كل لحظة. وبالرغم من أن الأزمة بدأت في العالم المتقدم الذي بات فيه الإعلام الرقمي سيد الموقف في كل سوق إلا أن فقراء أمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وأواسط آسيا، لديهم من الذكاء ما يخير رغباتهم في سوق العرض الإعلامي.

ومحنة الصحافة مرئية أيضا في إقليمنا الذي شهد صدور “الوقائع” المصرية كأول صحيفة أنشأها محمد علي باشا عام 1828. لقد كانت الحكومات وحدها تمسك بخيوط لعبة إصدارها. ولا تسمح بالأمر إلا لبعض النخب التي تؤمن بسلطاتها، أو تهادنها. ولكن ما عادت هذه اللعبة المتبادلة تستهوي الحاكم بعد فشل الصحف الحكومية والخاصة معا في الآونة الاخيرة في إلهاء الرغبات الحقيقة للتغيير. ففي كل قطر في العالم يجأر أصحاب الصحف، والصحافيون، بالشكوى من تنين الإنترنت أولا، ثم الفضائيات ثانيا. والأخيرة ذاتها تشكو بصوت إعلامييها ـ والذين جاء أكثرهم من حقل الصحافة ـ من سرعة تنامي انشغال الناس بالإنترنت كوسيلة حرة، وأسرع، في نقل المعلومة عند أي لحظة عبر التلفون المحمول. والأنكي وأمر أنه أصبح رؤساء التحرير، والصحافيون، ينادون – تحت ضغوط الملاك – بتدخل الحكومة عبر مؤسساتها التشريعية في العالم المتحضر، والمتخلف، لإنقاذ الموقف الحرج. إن افتتاحيات الصحف المرتعدة الفرائص تدعوا إلى ضرورة سن تشريعات لدعم الصحافة بوصفها إرث المجتمع. تأتي هذه الدعوة دون التحرج من إمكانية أن يؤثر الدعم، إن وجد، في حرية تناول الشأن الحكومي. وفي ظل حقيقة أن الصحيفة المستقلة ينبغي أن تنهض بدعم لا علاقة له بالآخرين، أيا كانت خلفياتهم. ومع كل ذلك تعثرت صحف، ومؤسسات، كانت قد أوقفت صدور بعض مطبوعاتها، ورأت أهون الشر أن تبدأ بالمجلات، والكتب الدورية، في محاولة لتقليل الإنفاق، أو تقليص عدد مكاتب المراسلين المحلية والخارجية أو التحول إلى مكاتب أقل فخامة، أو حتى مساومة عمالها: تقليل المرتبات أم إغلاق الصحف. وقد جربت صحف عريقة كل هذه الاحتياطات، ولكن مد التكنلوجيا غدار بطبيعة حاله. ولعلنا نذكر توقف مجلة “المجلة” التي كانت تصدرها الشركة السعودية للأبحاث والنشر بوصفها دولية، وتحولت إلى نسخة إليكترونية. وقد كانت تلك المجلة تعد، أثناء فترة صدورها، من أمير المجلات العربية في تقديم مادة صحفية، ومعلومات، وكتابات لكبار المثقفين العرب. 

إن توقف الصحف ظاهرة محزنة، خصوصا بالنسبة للجيل الذي نشأ عليها، إذ كانت قراءة الصحف من عاداته التي لم يتخيل يوما أن تتلاشى. إن ذاك الجيل اشتم رائحة صحفه المفضلة، وارتبط بها كأداة للتثقيف، والإخبار بضروبه كافة. بعض هذه الصحف استمر قرنا، وأقلها عقودا. النيوزويك أشهرها. إذ احتفظ قراؤها قبل عامين بآخر عدد لها، بينما صحيفة “سياتل بوست” أغلقت مكاتبها بالضبة والمفتاح بعد أن قرأ الناس أول افتتاحياتها قبل مئة وستة وأربعين عاما. إن قرنا ونصفا من الزمان لم يشفع للصحيفة بأن تجد من يتقدم لشرائها، وإنقاذها من الغرق في بحر الديون. وفي لحظة حزينة قال مالكها ورئيس تحريرها: “اليوم نضع الصحيفة في سريرها لتنام للأبد”. وإذا كانت سياتل عرفت بافتتاحيتها المميزة فإن ثقافة الافتتاحية مهددة أيضا بالزوال، لدواعٍ مهنية وعملية. المهني فيها أن مدارس صحفية لا ترى ثمة ضرورة لها. إذ إنها حين تعبر عن الصحيفة إنما تعبر عن توجه ملاكها، ورؤساء تحريرها، أو المسؤولين عن تحرير الافتتاحية فحسب. وهؤلاء بضع أفراد بينما رأي غالبية المحررين ربما يناقض رأي أولئك المسؤولين. وبالتالي يغدو القول بتمثيل الافتتاحية لرأي الصحيفة هو شكل من اختطاف لرأي الآخرين، المكدين في صالات التحرير، والمطبخ الصحفي، والمنبئين عن مجريات الأحداث في مواقع منها يرسلون الخبر. وهؤلاء المكدون من رجال، ونساء، وهم أجيال متعددة، مختلفون أشد الاختلاف في توجهاتهم نحو السياسة، والاقتصاد، والتجارة، والفن، والترفيه، وقراءة الكتب، والرياضة، ومواضيع التسلية، إلى آخر اهتمامات الرصد الصحفي.

الصحافة الورقية برغم أنها كانت في الماضي أداة التثقيف والإعلام الرائدة والأولى إلا أنها لم تسلم من الاتهام. ولكونها ظلت تاريخيا متصلة بالحكومات، والنافذين في الاقتصاد الطفيلي ممن يهمهم حسن العلاقة مع السلطات المجتمعية، تقاصرت عن إبراز كل الحقائق، إذ حجبت المعلومات، والأفكار، التي تسير عكس التيار العام. وحتى الصحف التي كانت، وما تزال مستقلة، عجزت عن تحقيق حرية صحفية متكاملة سواء في العالم المتقدم، أو المتأخر. فالحقيقة الباقية أن ملاك الصحف لا يعملون بمعزل عن أهداف الطبقة المدينية الثرية التي تواترت عبر التاريخ بتنمية سكوتها عن مهاجمة تلك السلطات الاستبدادية، والانتهازية المتواطئة مع التسطيح الفكري والسياسي المبذول. وإذا كان هدف كل المالكين للصحف، حكومة أو أفرادا، دعم رمزية السلطات المؤثرة في المجتمع، أو أمبراطوريات الثراء، فإن تحقيق الربحية، واستمرار الصحيفة، كان أهم من سريان الحقيقة. ولعل من ضمن الاتهامات التي طالت الصحافة الورقية مؤخرا وصفها بأنها نخبوية، منذ فجر التاريخ، مقارنة بصحافة المواطن التي تشكلت في جوف الإنترنت. إذ صار كل فرد في المجتمع يستطيع أن يصنع صحافته، والتي قد يلازمها الضعف المهني، أو تظل محل ملاحقة بأسئلة التدقيق في صحة المادة المعروضة، ومصداقية المصادر، وربما سذاجة الأفكار، والحجج، وترتيب الصياغة الموضوعية. ولكن في الواقع حقق هذا النوع من الإعلام الجديد حرية التعبير المتناهي للمواطن دون أن يتعرض مقاله، أو رأيه إلى السنسرة، والتي كان يتعهدها رئيس التحرير، حتى لا يدخل في مساءلات قانونية، أو تتورط الصحيفة في خدش ما يسمى منظومة الذوق العام، أو الوعي الجمعي، أو السلطة البطريركية.

وبرغم قربنا من عصر نهاية الصحف الورقية إلا أن هناك ممانعة من بعض الاستراتيجيين المتخصصين في اقتصاديات الصحافة دون الاعتراف بضربة الإنترنت القاضية التي أدخلت الصحيفة في غرفة الإنعاش. فهم يرون أن الإنترنت أتاح مجالا كبيرا للصحف، والصحافيين، عبر المواقع التي أنشأتها المؤسسات الصحفية، وأن الإعلام الرقمي ما يزال تنقصه المهنية التي تؤهله لوراثة الدور الكبير الذي يقوم به الصحافيون في جلب الخبر، أو صناعة الرأي العام إجمالا. بل إن بعضهم يستدل بأن مواقع الإنترنت ليس بها مراسلين مهرة من ميادين الحياة العامة حتى يغذوا الصحف بالإخبار الموثوقة، والتقارير الرصينة، التي تفننوا في تحريرها. وآخرون يرون أن الصحافة الورقية ستكون باقية بحسب أن جهازي المذياع والتلفزيون عجزا عن سلب جمهورها العريض في السابق. والحقيقة أن بعض هذا الاعتراف، والدفاع المستميت، ممكن. سوى أن المهنية وحدها لم تعد كافية، أو مقنعة لشراء صحيفة راسخة تعاني الإفلاس، في ظل اشتهار مواقع صحفية تعهدها هواة في الصحافة. إذ أحيانا نجد أن الذين يتصفحون موقعا يتراوحون بالملايين في حين أن توزيع صحيفة الواشنطن بوست العريقة أقل من أربعمائة ألف نسخة بعد أن كانت تطبع في أوائل الألفية ثمانمئة نسخة. والطريف أن عدد الذين يتصفحون موقعها يوميا يتجاوزون عدد مشتريي نسختها الورقية بنسبة كبيرة جدا. 

صحيح أن جانبا من صحافة الإنترنت يعتمد على مواد الصحف الجالبة للمعلنين، والذين كانوا يشكلون نصف دخل الصحف تقريبا. فضلا عن ذلك فإن الشركات الكبيرة التي كانت تعتمد على الصحف لنشر إعلاناتها صارت لها مواقع تعلن فيها عن موادها التجارية. بل إنها صنعت لها مواقع تهتم بالأخبار بتكلفة مادية لا تذكر مقارنة بما كانت تدفعه لمكاتب إعلانات الصحف من أموال طائلة منتظمة. ولعل هذا الوضع يمثل أكبر ضربة لاقتصاديات الصحف التي كانت تحتكر الإخبار والإعلان معا. وسوف تجد الصحف نفسها، في ظل غياب حقوق الملكية الفكرية، خادمة مجانية لمواقع الإنترنت التي تستولي على جهد محرريها، ومصوريها، وكتابها. وهناك رأي في العالم الثالث أن الإنترنت لم يصبح وسيلة متاحة لكل الأفراد ليكلف له الوضع هزيمة الصحافة الورقية. ولكن الحقيقة أيضاً أن التلفزيون، حتى مطلع الثمانينات، لم يكن موجودا مشاهدا في كل المدن والقرى العالمية. وفي ظرف عقدين من الزمان صار متوفرا في كل العالم. ولو لاحظنا أنه حتى بداية هذه الألفية لم يكن اقتناء الهاتف الشخصي إلا نوعا من الرفاه لأصحاب الشركات، وعلية القوم، وليس في مقدور منتمٍ للطبقة الوسطى الحصول على خدمته. ولكن صار اليوم كل طفل في العالم المتقدم يمتلك هاتفا، وأن نسبة عالية من المواطنين المصنفين تحت خط الفقر يتمتعون بخدمات الهاتف الجوال.

أما بخصوص صمود الصحافة الورقية أمام الاكتشافات الإعلامية التي أتت لاحقا فإن الظروف التي برز فيها المذياع، والتلفزيون، لم تكن لتهدد الصحيفة وذلك مرده إلى جملة أسباب. فمواد الجهازين الإعلامية كانت وما تزال تتعرض إلى رقابة من الدولة ومنظومة السلطات المؤثرة في المجتمع. ولم يرافق وجودهما الموجه بحريات وافرة مثل الحريات التي اتيحت لصحافة الإنترنت. كذلك أن التكلفة الكبيرة في إنشاء إذاعة، أو قناة فضائية، ساعدت الصحافة على الصمود. إذ لم يكن متاحا لأفراد المجتمع أن يخلقوا إذاعاتهم، وقنواتهم الفضائية، الخاصة، بالسهولة التي يصنعوا بها مواقعهم اليوم. ضف إلى ذلك أن صحافة الإنترنت معلقة في الفضاء، وبعض ملاكها، ومحرريها، وكتابها، غير مرئيين، لا تطالهم سلطة الضرائب أو الأمن. ويمكنك أن ترتبط بتصفح منتظم لموقع دون أن تعرف من الذي يديره. وذلك يعني الحرية في الحركة الإدارية، والإشرافية، من على البعد، ومن أي مكان في الأرض، وذلك لم يكن أمرا سهلا للإذاعة والتلفزيون. أما العوامل الأخرى لصمود الصحافة الورقية أمام هذين الجهازين الإعلاميين فتتعلق بفعل القراءة الذي تتيحه الصحيفة، في مقابل السمع والأبصار، وإمكانية الاحتفاظ بالمقروء لسنوات طويلة في مقابل صعوبة الرجوع الى أرشيف الجهازين. ولذلك ظل جمهور الصحافة مرتبطا بها، بل ازداد مع تنامي الكثافة السكانية.

الطريف في الأمر أن الذين يدافعون عن إمكانية صمود الصحافة من المحررين، والكتاب الصحفيين، ويهمهمون ساخرين من صحافة الإنترنت، يتطوعون بإرسال موادهم بعد نشرها عبر الصحف إلى المواقع المميزة والمقروءة لتنشر مجانا. خصوصا وأن هؤلاء الصحافيين والكتاب يشاهدون أن محررين، وكتابا، كانوا مغمورين إلى وقت قريب امتلكوا نسبة مقروئية أكثر منهم. إذ ما إن تنشر أخبار، وتحقيقات، ومقالات صحافيي الإنترنت الجدد، إلا ويلاحقها القراء بمئات التعليقات المتفاعلة. وتلك خاصية تفتقدها الصحف الورقية عمليا، فضلا عن وجود المقص الصحفي الذي لا بد أن يقص الآراء المتطرفة التي يستوعبها الإنترنت بلا خوف من إجراءات حكومية، أو قضائية، أو حقوقية، وغيرها من الإجراءات العقيمة التي كانت تكبل الحرية القصوى لتناولات المحررين والمحققين والكتاب. وبرغم أن الإنترنت يعتمد على إنتاج الصحف فإنها بجانب الفضائيات، والإذاعة، تجد في الإنترنت مصدرا للتحرك لعمل تحقيق، أو خبر، أو تقصي معلومة، بعد أن اورد الإنترنت ملامح قاصرة للحدث الذي وقع. وأحيانا يكون للإنترنت قصب السبق في تقديم الخبر بالصورة، والصوت، والفيديو. ولن تستطيع الصحافة المقروءة أن تقدم إلا المادة المحررة لذلك الحدث بينما ينتشر خبر صحافة الإنترنت العاجل المصور بالكاميرا، أو الفيديو، انتشار النار في الهشيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى مثل الفيس بووك، وتويتر، والواتساب. إن خاصية صحافة الإنترنت تكمن في تجاوزها للمكان، والزمان، بأسرع من شركات التوزيع المملوكة، أو المتعاونة، مع الصحافة الورقية. فبين لحظة وانتباهتها تجد مواقع الإنترنت قد أوردت خبرا مدعما ببعض الصور لتتناقله مدن وقرى العالم كلها. وبرغم أن الصحيفة أيا كان زعمها بأنها دولية أو عالمية فإن نشر موقع فرنسي مغمور صورة طفل مهاجر وهو غارق في شاطئ البحر سرعان ما تتناقلها كبريات الصحف، والفضائيات العالمية.

الحقيقة أن الصحافيين، والصحافيات، على حد سواء، لن يخسروا كثيرا من غياب الصحافة الورقية. وسيكون الخاسرون حقاً هم الملاك الذين لن يستطيعوا أن يعوضوا خسارتهم مهما تطورت أساليب المسؤولين عن التحرير باقتراح خدمات صحفية جديدة تجذب القارئ الذي وجد ضالته في صحافة الإنترنت بمزاياها الكثيرة. ولذلك لا مناص أمام الصحافيين إلا الاعتراف بصحافيي الإنترنت غير المتحدرين من بيئة الصحافة الورقية. ويمكنهم أن يطوروا أوضاعهم بعضهم بعضا وعمل اتحادات فاعلة، ومؤثرة، مجتمعيا، وشركات مساهمة يكون فيها الصحافي المدرب في الصحف قائدا، ورائدا، للصحافة الجديدة، وفي ذات الوقت يمكن لصحافيي الإنترنت الجدد أن يكتسبوا منه الخبرات. ولعل هذا التعاون يدو موجودا بين الفريقين. فصحافيو الإنترنت جعلوا “الصحافي الورقي”، إن جاز التعبير، يدرك كم عدد الذين قرأوا مادته ومن الذين علقوا عليها. ومن الذي نشرها على أوسع نطاق في مواقع أخرى. ولا مجال للفريقين النديين غير التعاون والأخذ بيد بعضهما بعضا، وكذا الجيل الجديد والذي سيأتي بلا سابق علاقة بالصحيفة الورقية التي لم يعايش زمانها. فمستقبل المنافسة في مجال العمل المهني لن يكون بين الصحافيين الورقيين كما هو حادث في السابق، وإنما سيكون بين صحافيي الورق وصحافيي الإنترنت، وسيكون أكثر شراسة وسط صحافيي الإنترنت أنفسهم. فالملاحظ ان ثورة المعلومات ساهمت في تفجير طاقات الإبداع الصحفي والثقافي وتضاعف عدد المساهمين في حقول الكتابة والذين طورا الأساليب الفنية في مناخ من المنافسة المفتوحة. والمؤكد أن العمل الصحفي كان أمرا محتكرا لصحافيي السلطة، وفي القطاع العام ظل من العسير الحصول علي تصديق لصدور صحيفة مستقلة. وإذا كان صدور صحيفة في ظل الأنظمة الديموقراطية العريقة والديكتاتوريات يعد شيئا نادرا في السابق، فقد صار  صدور صحيفة جديدة الآن، أو موقع صحفي جديد في قطر ما، عند كل شهر، تقريبا، أمرا ملاحظا. وما لم يشرع الصحافيون المحترفون بتأسيس صحفهم ذات الشراكة فإنه سيكون من الصعب عليهم في المستقبل ابتدار عمل إعلامي قادر على منافسة صحافة الإنترنت التي باتت تتنافس في العالم المتقدم، وليس من همومتها توجيه رصاصة الرحمة للصحافة الورقية.

إن مظلة التعاون بين الصحافة الورقية، وصحافة الإنترنت، يمكن أن تشمل عددا آخر من المثقفين، والمبدعين، الذين كانوا لا يجدون فرصا كبيرة لعرض نشاطهم، وأفكارهم، في الصحافة التقليدية. وهؤلاء صنعوا الآن مواقعهم التي تتيح لهم نشر إبداعهم مثل الفنانين التشكيليين، والمصورين، الذين ضجوا زمنا من الطباعة الرديئة، وضعف المساحة المتاحة لهم، وتغول الأدب المقروء على الملاحق الثقافية للصحف. وهناك الدراميون، والمسرحيون، والنقاد، الذين صاروا ينتجون أعمالهم، ويبثونها بكثير من الحرية، وقلة التكلفة، والمثابرة. وهؤلاء المبدعون، مضافا إليهم المفكرين، والشعراء، والروائيين، يمكن أن يشكلوا مع الصحافيين عموما مواقع مميزة تدفع باتجاه نشر الوعي، وتطوير مواقع الإنترنت ذاتها، والتي ما تزال تبحث عن مساهمات جديدة واعية، ومستبصرة، وذكية.