د. محمد محمد الأمين عبد الرازق لقد كشفت تجربة الحركة الإسلامية في السلطة منذ عام 1989م، أن الحركة كانت توهم عضويتها بأن مجرد الاستيلاء على السلطة، وإعلان تطبيق الشريعة، فإن جميع مشاكل البلاد ستنحل.. 

ولكن ما إن استلمت الحركة السلطة بعضويتها في القوات المسلحة حتى انقلبت المعادلة وتعقدت مشاكل الشعب، وظهر فساد لا حد له، واستباحت العضوية المال العام بصورة لم تحدث في تاريخ السودان.. وبوحي من هذه الحالة، وجد  بعض عضويتها أنفسهم في بيئة خالية من التدين، بل ليس فيها غير التكالب على الدنيا على حساب البسطاء، فخرجوا بآراء فردية صادقة، وأخذوا ينتقدون التجربة خاصة بعد الانقسام الشهير بين قائد الحركة د. الترابي وقائد الانقلاب، ود. حسن مكي أحد هؤلاء.. ولجاذبية إفادات هؤلاء الخارجين في تقديم المعلومات المخفية، والأسرار، من أجل كشف الحقائق حول السلطة صارت الصحف تجري خلفهم لإجراء المقابلات، وفي هذا الإطار كانت أحاديث د. حسن مكي تحتل المركز الأول في النشر، لأنه مؤرخ، وكاتب جريء وجاهز على الدوام، للحديث، وقد كثرت تصريحاته لدرجة أنك لو وجدت قصاصة صحيفة طائرة في الشارع، والتقطتها لوجدت فيها طرفا من حديثه!!

وإضافة إلى كشفه للكثير من الحقائق حول السلطة، فقد قدم إفادات صحيحة ومنصفة في حق الأستاذ محمود، بشجاعة وجرأة،ما كنا نتوقعها من أخ مسلم، إلا أنه أخطأ في عدد من إفاداته في التاريخ وفي الفهم، وسأقدم نماذج في هذا المقال..

بين أيدينا، مقابلة أجرتها صحيفة (الوطن) بتاريخ9/9/2015م، قال فيها: (محمود رغم أنه خريج كلية غردون ومهندس إلا أنه لم يكن اين التفكير الحداثي، بمعنى أنه في العام 1948م، عندما قامت الحكومة الإنجليزية باعتقال الخافضة، ساند الخافضة أي وقف مع الخفاض الفرعوني، وحينا طرح فكرته على الرسالة الثانية من الإسلام حافظ على لب المشكلة أي اعتقد أن الدولة لا بد أن تقيم الحدود بينما سلك في العبادات مسالك مختلفة ألبت عليه العقل في مسألة الشعائر، وهذا تفكير مقلوب، أنك تبقي على الحدود وتخضع الشعائر لمنطق متابعة التغيرات الروحية) انتهى..

اقرأ مرة ثانية قوله: “ساند الخافضة أي وقف مع الخفاض الفرعوني”!!

هذا ما فهمه د. حسن مكي من قراءته لتاريخ ثورة رفاعة، وسألقي بعض الضوء على تلك الثورة لتوضيح هل كان الأستاذ محمود بقيادته للثورة يقف مع الخفاض أم كان يقاوم الاستعمار..

في عام 1945م خرجت الأحزاب السودانية من مؤتمر الخريجين، لتطالب بحق تقرير المصير، حسب وثيقة الأطلنطي 1942م التي وقعتها بريطانيا ضمن حلفائها، ومحتواها أن بريطانيا ستعطي الشعوب التي تقف معها في الحرب العالمية الثانية حق تقرير المصير بعد انتهاء الحرب، وقد شارك السودان إلى جانب الحلفاء بقوة دفاع السودان.. لكن الإنجليز، كانوا يخططون للتملص عن هذا الوعد، بالنسبة للسودان، وأعلنوا أن السودان يحتاج إلى عشرين عاما من تطور المؤسسات الدستورية، حتى يتأهل للاستقلال.. وفي هذا الإطار كونوا المجلس الاستشاري لشمال السودان من ثلاثين عضوا بتعيين من الحاكم العام، ولا يجتمعون إلا بدعوة منه وليس من حقهم تحديد أجندة الاجتماعات، وكان في مقدمة العضوية السيدان علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي.. وقد أصدر هذا المجلس قانون منع الخفاض الفرعوني في عام 1945م، وقد كان الإنجليز يتوقعون رفض القانون ومقاومته، لعلمهم أن هذه العادة متأصّلة في النفوس ومرتبطة في وعي الشعب بالعفة والشرف.. ولكنهم كانوا يخططون لاستثمار الرفض المتوقع، كدليل على أن الشعب السوداني لا يزال متخلفا ولم يتأهل بعد للحكم الذاتي ولا لحق تقرير المصير، ليبرروا نكوصهم عن الالتزم بالوثيقة أمام الرأي العام العالمي، وقد أثيرت قضية الخفاض والقانون في مجلس العموم البريطاني..

هذا هو الغرض من إصدار القانون، في ذلك الوقت بالذات، فالقضية إذن، في جوهرها سياسية، ولا يمكن أن تواجه إلا على المستوى السياسي، ولذلك عارض الحزب الجمهوري القانون وكشف خطة الإنجليز ونواياهم الحقيقية وراء إصداره.. فالأستاذ محمود في ثورة رفاعة لم يكن يدافع عن الخفاض كما زعم د. حسن مكي، وإنما كان يقاوم الاستعمار ويكشف كيده.. وقد صدر منشور الحزب الجمهوري الأول في ديسمبر 1945م، أي قبل ثورة رفاعة بعام كامل، يشرح بوضوح أن الحزب لا يدافع عن الخفاض الفرعوني، وهذه أجزاء من المنشور:

(إننا بمعارضتنا لهذا القانون، لا نود أن ندافع عن عادة الخفاض الفرعوني، أو نحلل الأسباب التي أوحت بها لأبناء السودان، وجعلتها تستمر بين ظهرانيهم حتى يومنا هذا، ولكننا نود أن نناقش ترتيبات خاصة وسياسات خاصة، ابتدعتها حكومة السودان، ابتداعا وتريد أن تجبرنا على اتباعها ) ..

ويمضي المنشور ليقول: (إن الخفاض عادة سيئة، ولها مضارها المتعددة، ولكن السودانيين كبقية الشعوب، لهم عاداتهم الحسنة وعاداتهم السيئة.. والعادات السيئة لا تحارب بالقوانين، وإنما بالتربية والتعليم الواعي.. لا شك أن مجرد التفكير في الالتجاء للقانون للقضاء على عادة متأصلة تأصل الخفاض الفرعوني، دليل قاطع على أن حكومة السودان إما أن يكون رسخ في ذهنها، أننا شعب تستطيع القوة وحدها أن تثنيه عن كل مبدأ، أو عقيدة أو أن تكون قد أرادت أن تقول للعالم الخارجي، إن السودانيين قوم متعنتون، وإن تعنتهم الذي ألجأنا للقانون لاستئصال عادة الخفاض الفرعوني الهمجية، هو نفس التعنت الذي وقف في سبيلنا، وشل أيدينا عن استعمال الأراضي الواسعة الخصبة في الجنوب، والاستفادة من مياه الدندر والرهد والاتبرا، والتوسع في التعليم.. هذا من ناحية الالتجاء للقانون)..

ويواص المنشور: (وأما القانون في حد ذاته، فهو قانون أريد به إذلال النفوس، وإهدار الكرامة، والترويض على النقائص والمهانة.. قل لي بربك!! أي رجل يرضى بأن يشتهر بالتجسس على عرض جاره!؟ وأي كريم يرضى أن يكون سببا في إرسال بنات جاره أو صديقه أو عشيرته للطبيب للكشف عليهن!؟ عجبا لكم يا واضعي القانون!! أتستذلوننا باسم القانون!؟ أومن الرأفة بالفتاة أن تلقوا بكاسبها في أعماق السجون!؟) انتهى المنشور..

هل هناك  ذرة من العذر لد. حسن مكي في أن يفهم من هذا النضال المسدد الواضح المعالم بالوثائق، أن الأستاذ محمود بقيادته لثورة رفاعة كان يقف مع الخفاض الفرعوني!!؟؟

وهذا تشويه آخر من د. حسن مكي، ورد في صحيفة “الرأي العام” بتاريخ 4/2/2006م فقد قال: (محمود كان أساس رؤيته أن إنسانية القرن العشرين يمكن أن تتقبل الإسلام في أبعاده المكية، وأن القرآن المدني لا يتناسب وإنسانية القرن العشرين.. وقدم أطروحات كبيرة في جانب الصلاة والسلام مع إسرائيل ونسخ الشريعة والحدود مما جعله يدخل في صدام كبير مع الثقافة الإسلامية السائدة أو السلفيين والمتصوفة والرئيس نميري)..

لاحظ قوله: (ونسخ الشريعة والحدود)، وهنا أخطأ، فالحدود لم تنسخ في الفكرة الجمهورية، ويبدو أنه لم يكن دارسا لفكرة تطوير التشريع، وفي غمرة ملاحقة الصحفيين تكلم عن فكرة الأستاذ محمود بغير معرفة، ونسب لها عكس ما قالت!! 

على كل حال لقد اتضح من المقابلة التي بين أيدينا أنه يعلم أن الحدود باقية في الرسالة الثانية ولم تنسخ فالنسخ تم في التشريعات المتعلقة بتحولات المجتمع البشري عبر الزمن، أما الحدود فهي صادرة من العلم بحقيقة النفس البشرية من وراء العقيدة، ولذلك فهي باقية كما أفادنا حسن مكي في هذه المقابلة عن الأستاذ محمود (اعتقد أن الدولة لابد أن تقيم الحدود)..

وفي صحيفة “آخر لحظة” بتاريخ 10/9/2006م، تحدث د. الجزولي دفع الله عن ذكرياته في مدينة رفاعة، فأشار إلى ثورة رفاعة بقوله:

(وأذكر في تلك الفترة بمدرسة رفاعة الوسطى صادفت الأحداث التي عرفت بثورة رفاعة، التي قادها الأستاذ محمود محمد طه وصديق الأزهري إمام وعلي مالك وآخرين.. وكان سبب تلك الثورة هو حبس مواطنة لأنها قامت بخفاض طفلة، حيث خرجت رفاعة في ثورة عارمة وذهبوا إلى الحصاحيصا، وكسروا المركز واستولوا على قبعة الباشا المفتش، وقد خرجنا من الشبابيك للمشاركة بعد أن أغلق معلمو المدرسة الأبواب علينا فذهبنا للحصاحيصا”..

وفي إجابة على سؤال: كيف برز نجم الأستاذ محمود في تلك الفترة واصل حديثه: (للأستاذ محمود قصة معروفة في ديم رفاعة حيث كان لديهم تأثير مغنطيسي- هو وأخوه مختار محمد طه- حيث كان لمختار “غار” في ديم رفاعة يتعبد فيه، وكان يرفع عليه علما وكان لا يتعامل بالعملة!! وكان لمختار هذا تأثيرا روحيا كبيرا على الناس لدرجة أنه أثّر على أستاذنا أحمد صفي الدين أستاذ العلوم بمدرسة رفاعة الوسطى، وقد ترك التدريس وبقي مع مختار في ذلك “الغار” ليحفظ القرآن وهو خريج جامعي وتدرج حتى وصل مفتشا في وزارة التربية والتعليم!! وكذلك أثر على مختار محمد طه على الأستاذ أحمد حامد الذي كان رقيقا جدا و”أنيقا” مهتما بزيه حتى إنه أصبح يخيط ملابسه بالدبارة!! ومن واقع التأثير على هؤلاء الأساتذة تتأكد قدرات مختار وكل أسرتهم في التأثير على الآخرين، بل على الشرائح المتعلمة، وإلا لما ترك هذين المعلمين تدريسهم وبقوا مع مختار!!)..

 وفي إجاباته عن  الأسئلة التي تخص شخصية الأستاذ محمود وأفكاره في هذه المقابلة، واصل:

(محمود محمد طه رجل أسمر اللون مشلخ، يميل إلى القصر، وهو هاديء الطبع.. لم احتك به ولكني شاهدته في مسجد رفاعة وهو يخطب في الناس، ولاحظت أنه رجل متمكن في لغته، ومؤثر على سامعيه وهو هاديء جدا، ولا تشعر بالانفعال أثناء مخاطبته للناس.. ويواصل: محمود لم يكن معروفا للناس قبل سجنه وقيادته لثورة رفاعة، ولكن أعتقد أن محمود طور فكرته داخل السجن، حيث إن حزبه كان يعرف بالحزب الجمهوري، ولكن بعد السجن وكما قلت، طور أفكاره وأعطاها صبغة إسلامية أكثر.. وأعتقد أنه رجل مخلص فيما كان يقول، وأنه كان عميقا في تفسيره للقرآن).. انتهى..

الخطبة التي أشار إليها د. الجزولي كانت كالآتي:

(ليس هذا وقت العبادة في الخلاوى والزوايا أيها الناس.. وإنما هو وقت الجهاد، فمن قصر عن الجهاد، وهو قادر عليه، ألبسه الله ثوب الذل، وغضب عليه ولعنه..

أيها الناس: من رأى منكم المظلوم فلم ينصفه فلن ينصفه الله من عدو.. ومن رأى منكم الذليل فلم ينصره فلن ينصره الله على عدو.. ألا إن منظر الظلم شنع، ألا إن منظر الظلم فظيع، فمن رأى مظلوما لا ينتصف من ظالمه، ومن رأى ذليلا لا ينتصر على مذله، فلم تتحرك فيه نخوة الإسلام، وشهامة الإسلام إلى النصرة، والمدافعة، فليس له من الإيمان ولا قلامة ظفر).. انتهى..