د. محمد محمد الأمين عبد الرازق قال د. حسن مكي لصحيفة (الوفاق) بتاريخ 5/12/1998م حول موقف الترابي من محاكمة الأستاذ محمود والتنفيذ ما يلي: (أنا أعتقد أنه كان خايف على أنو نميري ينكص عن إعدام محمود محمد طه ويدعو الله ألا يحدث ذلك ).. 

وهذا الكلام لا يعطي حقيقة موقف الترابي، فهو قد أعطى السلطة موافقة على الإعدام، والدليل على ذلك، إجابته على الصحفية هدى الحسيني بجريدة “الأهالي المصرية” بتاريخ1/5/1985م، فقد سألته: لماذا وافقتم على إعدام زعيم الحزب الجمهوري الشيخ محمود محمد طه؟
فرد: (لأن الشيخ طه مرتد وأصبح قاعدة للغرب، لأنه يريد أن يجرد المسلمين من فكرة الجهاد ليصبحوا عرضة للتسلط الغربي كما يريد أن يدخل الماركسية والرأسمالية اللبرالية الغربية في بطن الإسلام، كما جعل من نفسه إلها ينسخ أركان الشريعة كما ظل يدعو للصلح مع إسرائيل منذ الخمسينات، وأيد نظام نميري في في قتل الأنصار في أبا وقتل الشيوعين ثم عارض مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية وأحسب أنه لقي جزاؤه)!!

وبعد الانقسام الشهير وخروجه من السلطة، أجرت معه صحيفة السوداني مقابلة بتاريخ 4/1/2006م، ولم يسأله الصحفي عن قضية الأستاذ محمود، لكنه تحدث من تلقاء نفسه قائلا: (كنت ضد إعدام محمود محمد طه وضد إعدام مجدي وجرجس والطالب الجنوبي، الإعدام كان إعداما سياسيا.. أنا ما جادلت محمود أصلا في حياتي ولكن كل قوانين الطواريء والقوانين الجنائية معروف أنني كنت ضدها )!!

وأترك فرصة التعليق على هذه الأقوال المتناقضة للقراء الكرام..

في لقاء بمندوبي معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم عام 1975م، تحدث الأستاذ محمود بتفصيل عن ثورة رفاعة، في هذه الجزئية بلغة الكلام:

(حادث رفاعة أنا مشيت مشية عابرة لبكاء (بيت عزاء) هناك .. بعدين الناس طبعا كانوا اتسامعوا بسجنى الأولانى بمناسبة قانون الخفاض الفرعونى.. فلما سجنت المرأة ، ما بعرفهم أنا ، جو فى الفراش وسألوا عنى وحكوا لى .. قالوا لى نحن عندنا بتنا أرملة ، خرجت من الحبس على زوجها ، لتوها ، وطهرت بنتها ، وفى وشاية مشت للسلطات ، والسلطات اعتقلتها وختتها فى السجن .. وكان دا يوم جمعة .. أنا كتبت جواب لمفتش المركز أنه أنا عايز أقابله .. فى بعض الاخوان من رؤساء اللجان الفرعية للاحزاب الموجودين فى رفاعة قالوا أنهم يضموا اسمهم لى إسمى فى المبادرة .. فقابلنا المفتش وكلمناه بالموضوع دا وكانوا الناس كتيرين فى الأبواب وزاحمين عليه مكتبه ، فشوش كده ، وقال هو راح يطلق سراحها لغاية ما تظهر نتيجة الإستئناف لأنه فى استئناف ساير ، فأطلقها .. هو تاريهو فى الأثناء دا بيتشاور مع مدير النيل الأزرق بمدنى .. نحن افتكرنا إنو ما برجع ليها ..

 لكن بعد شوية ، نحن قاعدين تلاتة أربعة يوم مضت ، افتكر كان يوم خميس – الخميس البعد الجمعة دى ، كان زى أعادوها للسجن .. زى مدير النيل الأزرق – اسمه روس بيرز كلم المفتش – المفتش كان اسمه باستر بول قال ليهو ناس رفاعة ديل هراشين ساى ونفاخين أنا افتكر ما بقدرو يعملوا حاجة ، انت اعيد المراة للسجن ..

     

أعادوا المرأة للسجن وجوا كلمونى و قلت ليهم فى الجمعة راح يكون فى حديث .. مشينا صلينا الجمعة فى جامع رفاعة وكانت فى خطبة بعد الصلاة .. الموضوع دا بطبيعة الحال حساس ونحن قدرنا نلمسه .. فالناس خرجوا من المسجد ، مشوا للسجن طوالى فكوا المرأة ، وملوا السجن .. المفتش يومه داك – وهو مفتش رفاعة والحصاحيصا – قعد فى الحصاحيصا .. فى نائب مامور اتصل بيهو وقال ليهو الجماعة ديل عملوا وعملوا وقال ليهو سيب المرأة وسيبهم يمشو خلاص .. هو قال ليهو الناس ملوا المركز وقالوا يقعدوا هم بدل المرأة والمرأة تقعد فى بيتها ما تجى .. وهو قال ليهو الناس يمشوا والمرأة تسيبوها .. دا كان يوم الجمعة العصر .. الناس مشوا .. برضو اتشاور مع المدير .. المدير قال ليهو المرأة تاخدوها نص الليل وتعدوها الحصاحيصا وتجيبوها لينا نحن هنا فى مدنى .. فكان ليلة السبت عملو العملية دى .. المرأة فى الليل جوا كلموا أخوها وقالوا ليهو: الناس ديل بورطوك وبورطوا اختك بس ، نحن بنفتكر أنو البنت دى لابد تقضى مدة السجن ومن المصلحة ليكم انتو فى بيتكم لأنها تقضيها وتمرق.. فجيبها لينا ، نحن عربيتنا بتكون واقفة فى المحلة الفلانية .. مشو زى السرقوها كدة ، طلعوها من جنب بيتها وبعدين العربية دورت ومشت بيها وعدوها فى الليل ..

 فى الصباح بدرى جونى الناس فى الديم .. قالوا أنو البنت أخدوها فى الليل .. أخدها العمدة بتعليمات من المفتش والمدير .. نحن مشينا للسوق وحركنا المدارس انهم يمشوا الحصاحيصا وكان الفيضان الشاذ بتاع سنة 46 .. المفتش سحب المراكب من البر البقابلنا نحن للبر الغربى اللى بيلى الحصاحيصا .. الناس مشوا المشرع ما لقوا مراكب ، جوا تلاتة أربعة بى عربية للديمالمحلة النحن قاعدين فيها القلت ضاحية لو أنها من رفاعة – فى مشرعها فى مراكب ، فقاموا الناس طلقوا المراكب دى وخلوها عايمة فى البحر لغاية ماجات فى الحصاحيصا (رفاعة) قبضوها الناس العندهم مهارة فى الموضوع دا .. وركبوا فيها الناس وعدوا بى هناك وحاصروا المركز .. فيهو المفتش ..

المفتش كان بتصل بالمدير ، أنو الناس وصلوا ومصرين على أنو المرأة ترجع وفى هياج كبير .. نائب المدير – هو روس بيرز أخد كمندان البوليس وجاء ومعاهم عدد من البوليس بعصيهم والدرق بتاعة السعف دى ، بعدين لقوا عدد كبير بالمرة .. حتى الحاجة السمعناها أنو روس بيرز قال للكمندان أنو يضرب الناس .. قال ليهو أنا ماعندى قوة كافية لأضرب الناس ، ولحسن التوفيق ما كانت فى القنابل المسيلة للدموع ، فحكاية عصيهم ودرقهم بتاع السعف ما ينفع بى حاجة ، وكونه عايز يضرب لازم يضرب فى المليان بالرصاص ، فخالف أمره .. بعدين الناس حاصروا المركز والمكتب الفيهو المدير والكمندان والمفتش – بقو التلاتة جوهبعدين نحن جينا ودخلنا عليهم .. فكان حاولوا يتجنبونى أنا فى الكلام ، عارفين الحكاية ، حتى يعنى عمى ووالد زوجتى – شيخ لطفى عليه رحمة الله – ف روس بيرز قال لى خلى نسيبك يتكلم قلت ليه سيب المسألة دى – هو كان فى عدد كبير من الشياب ، كان بفتكر أنو بقدر يؤثر على الشياب بأنه يرجعوا الناس وهم يشوفو لغاية ما ينظرو فى الإستئناف أو – يعنى كلام ما قالو لكن كانت فى نيتو أنو يستطيع أن يتكلم معاهم بالصورة دى – نحن بطبيعة الحال شعرنا أنو راح يفشل اجتماع الناس فاتصعد الحماس طوالى بكلمة مننا من هنا وكلمة من هنا ..

لمن الساعة اتنين جات وهو كان برضو عندو أمل فى الموضوع دا وكان يطلب موية الموية يحموها اياه – يحجزوها منه – يشربوها الناس ، جات جبنة ، حموها اياه – شربوها الناس .. بعدين اتوتر ، بعد شوية الناس ملخوا فروع الشجر وبدوا يضربوا فى الشبابيك والأبواب والقزاز والدواليب وبقت هيجة عجيبة .. فى اللحظة ديك هو عرف أنو الموضوع دا لازم ينهيهو فاتناول التلفون وكلم السجن ، قال لضابط السجن تجيب البنت انت بنفسك وتجى .. زى الساعة اتنين ونص أو تلاتة بعد الضهر جابوا البنت وسلموها لناس رفاعة ورجعوا بيها .. دا كان يوم السبت ..

 فى الوكت داك هو طلب قوة من الجيش تقوم من الخرطوم ، تجى تحيط رفاعة كلها ، وقوة من البوليس ليقبض علينا نحن .. حضّر ليهو قايمة من 12 كلهم اختارهم من الشبان الصغار ومن الناس بتاعين القهاوى الا أربعة خمسة .. عشان هو كان فى نيته أن يقول دا شغب – شغب رفاعة ..
ما أحب أن يفهم من كلمتى أنهم اختاروا من الشبان الصغار وبتاعين القهاوى تحقير من الزملاء اللى كانوا معانا فى الحركة دى .. ما كان فيها الا كل انسان كريم وغيور .. لكن قصدت أقول أنه اتجنب أن يذكر الشياب فى كشفه عشان الناس يقولوا أنهم كلهم أحداث وصغار ومنفعلين ولذلك هم أقرب الى الشغب منهم الى الإحتجاج الرشيد .. تمت الإعتقالات فى صبحية السبت داك – فى أغسطس من عام 46 .. بعدين بدت محاكمات ، كان واضح عندنا أنها جاهزة ، فكان نصيبى أنا فيها سنتين ، بعدى أظن سنة ، تسعة شهور ، ستة شهور فى ، لكن أنا كان نصيبى سنتين ) انتهى..
وحول المحاكمة جاء في الأخبار: (علمنا أن الأستاذ محمود رفض أن يقبل محامياً للدفاع عنه، وأنه أعلن بأنه لن يدلي بأية أقوال للتحقيق إلا على أساس مناقشة قانون منع الخفاض الفرعوني.. وكان الأستاذان المحاميان أحمد خير وزيادة أرباب، قد تقدما للدفاع عن الأستاذ فشكرهما واعتذر لهما بأنه سيباشر القضية بنفسه.. الرأي العام 12/10/1946م)..

وانتهت قضية المرأة بأن قرر الاستئناف إطلاق سراحها لعدم كفاية الأدلة، لكن السبب الحقيقي هو سطوة الثورة وتأثيرها على الإنجليز، وقد وضح الأستاذ محمود هذه النقطة في دفاعه أمام المحكمة، نقتطف منه هذه الأجزاء:

1/  أهالي رفاعة جميعهم أبرياء، وزملائي الذين سجنوا أبرياء، وأنا برئ، والمسألة في الحقيقة، سلسلة أخطاء من الإدارة، من أولها إلى آخرها.. كلما أخطأت الإدارة مرة، وتمسك الناس بحقهم، اعتبرته مساساً بهيبتها، فاستعلت، وأخذتها العزة بالإثم، فقفزت في خطأ آخر، هو في زعمها، يعيد لها هيبتها في نفوس الناس.. وما علمت أن اجتماع الأخطاء، لا ينتج منه ولا صواب واحد.
2/  الوضع الصحيح المجمل لهذه المسألة، هو أن الإدارة قد ضربت أهالي رفاعة فصاحوا من ألم الضرب بصوت خفيض، ثم ضربتهم فصاحوا، ثم ضربتهم فصاحوا، فاستاءت من أن يصيح المضروب المتألم، فقدمتنا للمحاكمة، فكانت هذه المحكمة.. ولو كنا نملك ما تملك، لقدمناها نحن لهذه المحكمة، ولكنا لا نملك جيشاً، ولا بوليساً، ولا سجوناً وقيوداً، ولو ترك القطا ليلاً لنام..
3/  قلت بالأمس، إني وبالمثل أي عضو من أعضاء الحزب الجمهوري، لا أنكر تهمة الإثارة، لمجرّد أنها تهمة إثارة، إنما أنكر تهمة الإثارة، بالنقد الذي لا يحترم الحقائق وبالتشويش المغرض.. ولقد كان من دواعي الشرف لي، ولحزبي، لو صح أني أنا الذي أثرت أهالي رفاعة حول هذه القضية، لأنها من القضايا التي نقدنا فيها الحكومة، وسننقدها إلى أن تقلع عنها.. ولكن للأسف، فإن الإدارة قد سبقتني إلى هذا الشرف، فأثارت أهالي رفاعة، وأثارتني معهم.. فلننظر..
4/  قلنا إن قضية اليوم ستظهر جليا مبلغ الصحة في نقد الحزب الجمهوري لقانون الخفاض، من ناحية الهيئة المشرعة والمنفذة، بأنها لغرابتهاعنا في الدين واللغة والعادات، لا تفهمنا هذا بصرف النظر عن سوء النية.. فلننظر..
5/ دعنا نعترف بقانون الخفاض للحظة واحدة بغرض أن ننزل مع الإدارة في ميدانها.. قال أحد البيانات الرسمية: (إن السلطة المؤيدة نظرت في قضية فتاة رفاعة، فحكمت ببراءتها لعدم توفر الأدلة ضدها).. جميل، هذا أول خطأ ارتكبته الإدارة.. وهو خطأ لا تتورط فيه إلا إدارة تجهل الناس فتستخف بعروضهم وبأخلاقهم، ولا تتورط فيه إدارة حسنة النية.. وما كان لهذا الخطأ ليصحح لولا ما قمنا به على الوجه الذي ترى المحكمة الآن.. أنا اتهم الإدارة في غلطتها هذه بسوء النية، والاستخفاف بدين الناس، وبأخلاقهم، فهل عندي برهان على ذلك؟ فلننظر..
6/  نحن لا نزال في لحظة الاعتراف بالقانون.. جعلت الحكومة حق تطبيق هذا القانون في يد المدير وحده لتأمن العثار في التنفيذ، ولتظهر للناس المعارضين من أمثالنا اهتمامها بالناس، ومجاملتها للعادات الموروثة.. ولكن فتاتنا، حاكموها وحكم عليها المفتش وسجنها، ثم أرسل أوراقها للمدير للتأييد، فأطلقناها نحن بالصورة التي قصصت على المحكمة.. فكيف جاز هذا للمدير وللمفتش لو كانا يعرفان للناس حقا ويضمران لهم نية حسنة؟؟
7/  قالت جريدة (الرأي العام) في يوم 24 سبتمبر، تحت عنوان رئيسي (القضاء ينظر في قضية الخفاض برفاعة)، بعد حديث لها: (وقد علمنا من مكتب الصحافة هذا الصباح، أن قضية الخفاض التي سببت كل هذا الشغب، هي الآن، تحت نظر رئيس القضاء بالمصلحة القضائية، وأن التهم الموجّهة إلى الذين اعتقلوا في هذه الحوادث، لا دخل لها بآرائهم في موضوع الخفاض.. ولكنها تتعلّق أولاً وأخيراً باستخدام القوّة، لتحقيق غاية، في الوقت الذي كان في الاستئناف مفتوحاً أمام المتظاهرين)
8/  هل باب الاستئناف مفتوح أمام المتظاهرين؟ لننظر.
9/  قالت الحكومة في بيان رسمي، في الصحف، ما يأتي: «حصلت أخيراً في رفاعة حادثة أدينت فيها إمرأة لخفضها ابنتها خفاضاً غير مشروع، وحكم عليها بأربعة أشهر سجناً، وقد قدم استئناف لمدير المديرية، فرفضه، وحبست المرأة في السجن».. ومع ذلك فالحكومة تقول إن باب الاستئناف مفتوح!! وهذا الاستئناف رفض مع أن المرأة، مسجونة بغير أدلة كافية للإدانة، وفيما أعلم لم يخبر المستأنفون، ولا نحن مندوبو الهيئات، الذين قابلنا المفتش، بهذا الاستئناف، وإنما أعيدت المرأة للسجن والسلام!! فإن لم يكن هذا سوء النيّة والاستخفاف بالناس فماذا عساه يكون!؟

نكتفي بهذا القدر من المرافعة..